لكن ذلك لا يعني بالطبع أ ن تلك العلاقات لم تكن موجودة من قبل أو أنها لم تكن تخضع لقواعد معلومة, كل ما في الامر أن علاقات الدول والشعوب, نظمت عبر احكام عرفية وليدة التقاليد المتواترة أو الاعتبارات الدينية أو الشخصية بين الحكام, وقد ظهرت ايضا موادعات ومعاهدات تكاد ترقى إلى القواعد الثابتة, لكن الاعتداد بحجيتها ونشوء التنظيمات الدولية أو الأطر التي تسهر على هذه الحجية أو الالتزام هي مظاهر حديثة العهد, تلت معاهدة تطور متصل وهكذا نعثر في ادبيات العلاقات الدولية على اتفاقيات تتعلق بتنظيم التعامل الدولي, منذ عصر الدولة المدنية وعصور الامبراطوريات الموغلة في القدم, الآشوريين والبابليين والحثيين والفراعنة والاغريق والرومان والقرون الوسطى.. وتعثر داخل هذه الاتفاقات على نصوص وأسس للتعامل , كتبادل السفارات والبعثات التجارية وتنظيم معاملات الأسرى, ومازال بعضها صالحا حتى الوقت الراهن. على أن قواعد القانون الدولي حققت تقدما وتطورا مذهلا, وعبر مسيرة ممتدة الآن, بات هناك تفريق بين القانون الدولي العام, الذي ينظم علاقات الدول ويحدد حقوقها وواجباتها, والقانون الدولي الخاص الذي يتعلق بالتشريعات الوطنية التي لها صلة بالدول الأخرى (كالجنسية وتنازع الاختصاصات.. الخ). وهناك مجموعات من القوانين الدولية شديدة التخصص, تقوم تقريبا على تنظيم كل أوجه الحياة الدولية. وكلازمة للاضطلاع بهذه القوانين, فقد تطورت التنظيمات الدولية والمحاكم الدولية المختصة, حتى ليمكن القول بصفة عامة أن العالم يعيش من الناحية النظرية في نسق حقوقي منظم يولي عناية لكل صغيرة وكبيرة في علاقات الدول والوحدات الدولية التي اضحت الدولة واحدة منها وأن كانت الاهم بينها. ونحن بصدد تحري مدى الحاجة لقانون دولي جديد من عدمها, لابد من الانتباه إلى مصادر القانون الدولي, وقد عرفتها محكمة العدل الدولية بأنها العرف والمعاهدات ومبادئ القانون العامة التي اقرتها الامم المتمدنة, فالقانون الدولي وفقا لهذه المصادر ليس نصا مقدسا ثابتا يخرج عن طاقة البشر المنظمين وقدرتهم على اجتراح قواعد تنظم تعاملهم بحسب الحاجات المستجدة. بصيغة أخرى, تنشأ القاعدة القانونية الدولية, كأية قاعدة قانونية أخرى, من جراء الحاجة إليها, وتفرض وجودها بحكم هذه الحاجة واستشعار الدول لضرورتها.. ثم تثبت هذه القاعدة بعد تعارف الدول عليها و إقرارها, وعليه فقد يجري نسخ القاعدة وهجرانها, وتصبح من القواعد الدارسة, إن زالت الحاجة إليها أو استشعرت الدول عدم ملاءمتها للمستجدات. مؤدى ذلك, أن قضية الحاجة إلى قانون دولي جديد, تتقرر منطقيا في ضوء استمرارية وفاء القواعد الموجودة بحاجات الدول من عدمها, غير أن هذا الفهم المنطقي والنظري يفرض بالضرورة السؤال عن من هو الذي يقرر هذه الحاجات, وهنا يأتي دور العلاقات الدولية وتداعياتها. ادعاء باطل لقد تراكم القانون الدولي, كما لاحظنا عبر حقب ممتدة, وكان نشوؤه وتطوره صدى للعلاقات الدولية ولموازين القوى الحاكمة لها, وفي هذا السياق, يلاحظ مثلا, كيف أن إقرار قواعد هذا القانون من ناحية, وتبلور التنظيمات الدو لية الراعية له من ناحية أخرى, قد تم في المراحل التاريخية التي اعتبر فيها الغرب الاوروبي ومشتقاته الحضارية مركز الدنيا. القانون الدولي بمعظم قواعده المدونة حاليا وكذا بمعظم التنظيمات الدولية الساهرة عليه, هو بعبارة أكثر مباشرة, أحد أهم منتجات عصر الهيمنة والاستعلاء الغربي على الصعيد الدولي. ووفقا لهذا التصور, يدعي الفقه الغربي والفلسفة الغربية لنفسيهما حق تنمية الفكر الحقوقي على الصعيدين الداخلي والدولي, وحينما يجادل البعض عن جدارة بأن القانون الدولي هو من جماع خبرة الأمم والشعوب والحضارات على مدار الحقب التاريخية كلها, يرد غلاة هذا الفقه بأن الغرب وحده هو الذي أعطى خبرات الآخرين معناها التطبيقي وطورها. يعنينا في هذا الطرح , كيف أن القانون الدولي الراهن لم يتكون , وكذا لا يعمل وفق نظرية العدالة المطلقة, والمساواة الكاملة بين الدول. وذلك على الرغم من المداخلات القوية لغير الغرب التي احدثت تعديلات على القوانين والتنظيمات الدولية. في معرض التمثيل لهذه الرؤية, علينا أن نلاحظ مثلا أن الدول الغربية الاستعمارية, تمكنت من نحت مفاهيم ومصطلحات ذات تداعيات قانونية تبرر سيطرتها الدولية وسعيها لمراعاة مصالحها الذاتية.. من ذلك مفهوم الانتداب ومفهوم الوصاية في مرحلة من المراحل, ومفهوم القوى النووية الخمس التي يحظر على غيرها الانضمام لنادي الدول النووية في الوقت الراهن, والقوانين الخاصة بالملاحة البحرية وقوانين التجارة الدولية وقوانين انتقال العمالة وتنظيم وجود الأجانب.. على كل حال, ثمة قواعد قانونية دولية كثيرة, لا يمكن تفسير نشوئها وتداولها واقرارها, إلا في ظل فكرة المركزية الغربية. ويبدو تأثير تحولات موازين القوى الدولية على محاو لة تسخير القانون الدولي واعماله لصالح منظومة قوى بعينها , من متابعة تطبيق معايير هذه القوى ورؤاها لهذا القانون في السنوات الاخيرة, فبانفراط المعسكر الاشتراكي وزوال القطبية الثنائية واستفراد الولايات المتحدة ومحازبيها الغربيين بقمة النظام الدولي, زالت عقبة كؤود من وجه التفسيرات الامريكية لقواعد القانون الدولي ودور المنظمات الدولية وكثير من المصطلحات السياسية القانونية. فمقاومة الاحتلال أضحت توصم بالارهاب إن كانت المقاومة تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة ومحازبيها الدوليين, وينسحب الامر ذاته على مضامين ومعاني قضايا أخرى مستقرة في القانون الدولي كالسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول, وبهذا الخصوص لا مبالغة في الزعم بأن الولايات المتحدة نصبت ذاتها وصيا على العدالة الدولية يعيد صياغة القانون الدولي بما يلائم مفهومه للعدالة. وراحت بعض المؤسسات الامريكية تصدر تقارير حول أوضاع حقوقية قانونية تخص عوالم الآخرين, (شعوب وحكومات ودول وتنظيمات اقليمية ودولية..). كذلك اتجهت واشنطن إلى أبعد من ذلك, حين جعلت من بعض قوانينها الداخلية مصدرا للقانون الدولي, يفترض أن يتكيف معه الآخرون (مثل قانون داماتو الشهير الآن..). ضرورة التجديد إن الصلة بين موازين القوى الدولية ومحاولة أخذ القانون الدولي بذات اليد من جانب القوى العظمى والكبرى صلة قديمة, ولا تعد من بنات أفكار وممارسات الولايات المتحدة. لكن مقاومة هذا الاتجاه كانت دوما موجودة في رحاب العلاقات الدولية, وفي الوقت الراهن, تثور أحيانا هذه المقاومة من جانب حلفاء للولايات المتحدة ذاتها, وذلك في إطار تعارض المصالح النسبي داخل المعسكر الغربي (كمعارضة الاوروبيين لقانون داماتو). هل يعني ذلك كله, أن القانون الدولي يدخل في عداد أدوات السياسة الخارجية؟ ربما كان ذلك صحيحا نسبيا, فالقوى القادرة تسعى جاهدة لاستخدام القانون الدولي بعد أن تفصله على مقاييس مصالحها الدولية. وعكس ذلك يحدث أيضا , عبر المحاولات المضادة لإعمال فكرة العدالة الدولية كقيمة ينبغي أن يستهدي بها المشرع الدولي والتنظيمات الدولية. ومن هنا, لا ينبغي استسهال مبدأ المطالبة بقانون دولي جديد , إذ ينبغي أن تأخذ هذه المطالبة بشديد الاعتبار طلاقة يد القوى الدولية الغربية, الولايات المتحدة بخاصة, في هذه المرحلة, وليس ثمة ما يحول دون شروع هذه القوى, والحال كذلك, في تصنيف القواعد الدولية القانونية المبتغاة بحسب أهوائها وسياساتها الدولية. وحتى تحدث تحولات تعدل هذا الاختلال المبين في العلاقات والقوى الدولية, فإن الأكثر مواتاة لمصلحة المستضعفين في الارض, هو الحفاظ على ما استقر من أطر قانونية وتنظيمات دولية, والدأب على مقاومة قوى الهيمنة الدولية بلا كلل. وقد لاحظ كثيرون وهم يقيمون دور الامم المتحدة , أن وجودها رغم عيوبها البينة كان أفضل بكثير من الناحية الحقوقية للشعوب المستضعفة. وأن غيابها في المرحلة الراهنة, سيؤدي إلى مزيد من اختلال الموازين القانونية الحقوقية لغير صالح هذه الشعوب, بأكثر مما كان خلال النصف الثاني من القرن الماضي. وفي تقديرنا ان هذا التقييم يصدق على القانون الدولي بصيغته الراهنة, الذي تسهر عليه المنظمة الدولية. ولا شك أن تعاون من يستشعرون الضرر من الهيمنة الامريكية وحرصهم على العدالة الحقوقية كقيمة مطلوبة في التعامل الدولي, سوف يعجل بالتحول السياسي اللازم لمساندة إقرار قانون (قوانين) دولي (دولية) أكثر اتساقا مع هذه القيمة. وبعامة, تنطلق هذه الرؤية من الدفع بأهون الشرين, فالقانون الدولي المعمول به الآن لا يتوافق وقيمة العدالة الدولية المطلقة, لكن التعجيل باستبداله في المرحلة الراهنة, قد يفاقم الاختلال الحقوقي الدولي لصالح قوى الهيمنة الرابضة على قمة النظام الدولي. بقلم: د. محمد خالد الأزعر كاتب فلسطيني ـ القاهرة