بداية لابد لنا من القول ان السنوات الاخيرة التي شهدها العالم, حملت جملة من المتغيرات الدراماتيكية الكبيرة والخطيرة في آن معا عكست ظلالا قاتمة على كل ما يمت بصلة من قريب او بعيد للقوانين والاعراف الدولية التي كانت مقرة على المستوى الدولي, من خلال بروتوكولات واتفاقيات بداية من اتفاقية لاهاي وما سبقها من اعلانات مثل اعلان سان بيترسبورغ مرورا بميثاق زوريخ واللوائح المرفقة واتفاقية جنيف وملحقاتها التي لا تزال تتناسل الى يومنا هذا, ان كان من خلال مواثيق او اتفاقات دولية او من خلال قرارات ملزمة لكافة الاطراف الدولية الموقعة على هذه القرارات. وقد بدأت تظهر هذه المنعكسات الخطيرة على اداء المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية بشكل سافر بل وفاضح في الكثير من القضايا القانونية الكونية بعد ان هيمنت بعض الدول العظمى على ناصية هذه القرارات في قولبتها بما يخدم مصالحها وديمومة سيطرتها خاصة على دول الجنوب الضعيفة والواهنة التي تمتلك اكثر من ثلثي ثروات العالم الباطنية واصبحت هذه القوانين تشكل عبئا اضافيا على هذه الدول حتى بدت اشبه بسلاح استعماري جديد يستخدم مرة للترهيب واخرى للترغيب ضد هذه الدولة او تلك خاصة اذا ما قررت التصرف بثرواتها الوطنية بما يخدم شعبها او حاولت بناء منظومات دفاعية وطنية مستقلة تحمي امنها بمعزل عن ارادة الهيمنة التي تمارسها الدول العظمى وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الامريكية. وليس سرا يذاع ان القانون الدولي بدأ يأخذ جملة من التفسيرات والتأويلات حسب مصلحة هذه الدولة او تلك وان المحاكم والحصارات المفروضة على بعض الدول هذه الايام تحمل الكثير من الظلم والاذلال بما تهدف اليه من التدخل في الشئون الداخلية للدول المستقلة ولا يوجد لها بالأساس اية مبررات او مسوغات قانونية او حقوقية سوى ان هذه الدول وبالتحديد الادارة الامريكية ترى ان انعتاق هذه الدول من اسارها يشكل خروجا على ارادتها ومشيئتها والتي قد تؤخر عملية الامركة المنظمة التي تقودها الولايات المتحدة من خلال مظلة العولمة والقرية الكونية ليس الا, ناهيك عن التحيز الذي تمارسه هذه الدول الاستعمارية وعن وعي وسابق اصرار وبشكل فاضح, لكل ادواتها على المستوى الكوني وعن ما تمارسه من ازدواجية في المعايير وان ما يحكم اداة قياسها على الدوام هو خلفية المصلحة عند هذا الطرف او ذاك والاخطر من ذلك ان هذه الدول كانت قادرة في ما مضى على استحضار الانظمة والقوانين والقرارات المرعية اذا مست بشيء او بآخر مصالحها ومصالح حلفائها لكنها هذه الايام اصبحت اقدر على صياغة قوانين جديدة لا يوجد لها في القانون الدولي وشرعة حقوق الانسان جذر قانوني تتكىء عليه بالاضافة الى انها تمتلك القدرة على تنفيذ ما تراه مناسبا لخدمة اهدافها الاستعمارية انطلاقا من تحالفات دولية لا تمتلك النزاهة بالاساس لانها قائمة على مقولة (الغاية تبرر الوسيلة) . فعلى سبيل المثال لا الحصر قتل الاسرى اثناء العمليات العسكرية يحاسب عليه القانون الدولي من خلال محاكم جزائية والمرؤوس لا يعفى من مسئوليته الجزائية وهذا الامر بالتحديد استثنيت منه العصابات الصهيونية منذ احتلالها عام 1948 لفلسطين مرورا بالحروب التي خاضتها مع العرب بما في ذلك قتل الاسرى المصريين والتي كلها قدمت الدلائل والقرائن باقتراف اسرائيل مجازر يندى لها جبين البشرية لكننا لم نشهد ولا محاكمة لمن اقترف هذه المجازر ناهيك عن اسقاط الطائرات المدنية والقرصنة الجوية والبحرية والبرية التي تمارسها ولا تزال ضد العديد من الدول العربية والتي تحاسب عليها جميعا بروتوكولات اتفاقيات جنيف وملحقاتها, وعلى نفس المبدأ الذي عقدت على اساسه محاكمات نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية بل اكثر من ذلك, الولايات المتحدة تستخدم ورقة الارهاب ضد الحركات الوطنية التي تسعى الى نيل استقلالها وها هي تعتبر كل مقاومة للاحتلال الاسرائيلي ارهابا ويجب على القانون الدولي ملاحقته وتقديمه الى محاكم محلية او اقليمية او دولية وتطلق يد اسرائيل لتعربد في المنطقة وتباشر ارهابها في جنوب لبنان, ثم تحمي اسرائيل من اي ادانة في مجلس الامن حتى عندما قامت اسرائيل بمذبحة قانا الشهيرة على مرأى ومسمع جنود قوات الطوارىء الدولية وغيرها من المذابح المنافية للانسانية وحقوق الانسان. ومن قبيل التذكير فإن الولايات المتحدة استخدمت حق الفيتو لصالح اسرائيل حتى الآن اكثر من 150 مرة وهي سابقة فريدة في تاريخ الامم المتحدة, بينما تلاحق الولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي بعض مرتكبي الجرائم من الصرب ضد ابناء البوسنة والهرسك والسبب في ذلك هو توافق الابعاد السياسية مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية وهذا هو حال التدخل الامريكي في كوسوفو وان شعار التطهير العرقي الذي استخدمته الولايات المتحدة ضد قيادات صربية جاء كمبرر للتدخل والجديد بالأمر يتمثل في اسلوب الولايات المتحدة في ادارة الازمة والآليات القانونية المترافقة مع عامل القوة من خلال حلف شمال الاطلسي المذعن للارادة الامريكية فعندما قررت استخدام العمل العسكري لفرض نوع التسوية التي تريدها فإنها قررت ان يتم ذلك من خلال حلف شمال الاطلسي ومن دون ان تحصل على تصريح مسبق من مجلس الامن, كما يقضي ميثاق الامم المتحدة وانها تعمدت تجاوز مجلس الامن واهماله تماما والتصرف وكأنه جهاز لا وجود له. بالمقابل ترتكب جرائم انسانية ضد الشيشان من قبل القوات الروسية بل انها تقوم بتطهير عرقي ضد المدنيين الشيشان دون ان يهتز جفن للغرب سوى بعض الاعلام الكاذب الذي يحاول تجهيل الرأي العام وبعض المواقف الذرائعية مثل موقف البرلمان الاوروبي غير الجاد اصلا باتخاذ اي موقف متلطيا وراء ذرف دموع التماسيح ينتظر حصة او غنيمة في حقل غاز او بئر نفط في البحر الاسود او بحر قزوين او في منجم بسيبيريا. ولعل الامر يحتاج الى مئات المحاكم اذا ما حاولنا احقاق الحق وملاحقة آلاف الجنود ومئات الضباط الذين يرتكبون ارهاب الدولة المنظم ضد الابرياء من المدنيين والذين لا يقيمون اي شأن او مكانة للقوانين والاعراف الدولية. وهذه الشواهد تدلل بكل وضوح على تراجع القانون الدولي الانساني لانه يتم فرضه انتقائيا بما يتوافق مع المصالح ليس من قبل الدولة المنتصرة فحسب بل وبتكاتف الجهود بين الدول ذات المصلحة المشتركة ضد الدول الاخرى مثل العراق وكوبا وكوريا الشمالية والسودان وغيرها, من خلال قوانين مصطنعة لا يوجد لها اساس قانوني في المحافل الدولية الخاصة بهذا الشأن وغير متفق عليها اصلا كقوانين دولية ناظمة في حالات الحرب او السلم وان اي قانون لا يمكنه ان يكون قانونا مقبولا الا اذا وافقت عليه جميع الاطراف وعلى ما يبدو أن ما استتبعته الولايات المتحدة من قرارات توسيع الحظر الذي طال البحر والجو يعد اجراء حرب يتطلب تخويلا محددا بمقتضى المادة 42 من ميثاق الامم المتحدة. وزادت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا في ادامة الاعتداء على العراق حتى اصبح يمارس بشكل شبه يومي مستخدمتين اسلحة فتاكة ومتجاوزتين اتفاقية حظر استخدام التغيير في البيئة من خلال استخدام صواريخ واسلحة تعتمد على النفايات الذرية والتي تعتبر من اسلحة التدمير الشامل التي يعاقب عليها القانون الدولي ومتجاوزتين اتفاقية جنيف (10 اكتوبر 1980) التي تنص على تقييد استعمال اسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر او عشوائية الاثر والتي تذكرنا من خلال نصوصها ووفقا لميثاق الامم المتحدة بأن على كل دولة ان تمتنع في علاقاتها الدولية عن التهديد بالقوة او استعمالها ضد سيادة اية دولة او سلامتها الاقليمية او استقلالها السياسي او على اي نحو يتنافى مع مقاصد الامم المتحدة والتي تشير كذلك الى المبدأ العام القاضي بحماية السكان المدنيين من اثار العمليات. ومن نافلة القول ان تفرد الولايات المتحدة بالمركز العالمي الاول والمسيطر قد حدد شروط النظام الدولي الذي اصبح يعاني من اختلال في التوازن والذي اصبح يخولها عمليا مهمة الاشراف على عملية صنع القرارات واتخاذها على المستوى الدولي قبل الرجوع الى المرجعية الدولية الممثلة بهيئة الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي بما فيها تلك القرارات المتعلقة بالمنازعات والصراعات الدولية وبتسويتها سواء عن طريق الحلول السلمية او عن طريق اعمال القمع بمختلف درجاتها واشكالها وفقا لما تراه هي. اي انها نصبت نفسها الوصي الشرعي على هذا الكون وارتضت ان تكون الخصم والحكم. وقد لا نغالي اذا ما اعتبرنا ان دول العالم باتت تعيش حالة من الهواجس والكوابيس امام اتخاذ اي موقف قد لا يتطابق مع الرؤية الامريكية خوفا من توجيه الاتهامات وما اكثرها لتلك الدول مما يتيح لامريكا خلق المبررات والذرائع للتدخل في شئونها الداخلية والتي بنتيجة الامر ستمس سيادتها الوطنية من خلال استجلاب القوانين والقرارات المقطوعة الجذور التي تجرمها. وختاما لابد لنا من القول ان التفرد الامريكي واستخدام المؤسسات الدولية والقوانين والاعراف بما يتوافق مع الرؤية الامريكية بات سيفا مصلطا على الحكومات والدول بهدف الوصول الى اهدافها ومراميها. لكن السؤال الذي لابد منه: الى متى سيبقى العالم قادرا على تحمل هذا الاختلال في التوازن؟ والى متى ستبقى الولايات المتحدة بتحالفاتها القزمية قادرة على لجم شعوب العالم وحكوماته المستقلة؟!! بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق