إذا كان القرن العشرون قد اكتسب وعن حق لقب قرن التناقضات من خلال تقدم علمي وتقني يفوق بمراحل كل ما حققته الانسانية في ماضيها القريب أو البعيد, احتواء للفضاء والكواكب في مجال العقل البشري لا تصده مسافة ولا يقنع بخيالات الشعراء, قهر امراض كانت لقرون قدراً لا يملك الانسان امامه الا التسليم بالعجز والقصور, انتشار واعتناق مفاهيم عن حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية ورعاية القوي للضعفاء, وفي الوقت نفسه اشد الحروب ضراوة ووحشية, العلم في خدمة تجار الدمار, ملايين القتلى والمشوهين, اسلحة للدمار الشامل يتفنن الانسان في تعظيم قدراتها وتهزأ بكل ما عرفه التاريخ من وحشية, فلا يبدو القرن الواحد والعشرون الذي لم نعرف منه اكثر من بضعة شهور مختلفا في شىء. التقدم الهائل خطواته لا تهدأ, وسائل الاتصال في وميض اللحظة تزداد بسرعة والقرية الكونية تعرف طريقها إلى بيوتنا, وفي الوقت نفسه تفاوت هائل بين مجتمعات شغلها الشاغل البحث عن وسائل انقاص الوزن واكتساب الرشاقة وعلاج تخمة الغذاء, ومجتمعات ينام الجانب الاعظم من ابنائها ولم يكتمل لهم شبع, يؤرقهم التفكير في طعام الغد, اخبار الجرائم الوحشية ضد الشعوب تكاد ان تصبح حديثا اعتدنا على سماعه ولم يعد يثير هزة أو استنكارا, الدولة التي سقطت من منزلة العظمى إلى الكبرى تفتك بشعب الشيشان لانه يطالب بحقه في ان يدير اموره, اطفال العراق يموتون في عمر الزهور دون دواء في عصر انجع وسائل الشفاء والصحة واطالة معدل سنوات العمر, اسرائيل تضغط على زر اطلاق الطائرات لتفتك بالآمنين في جنوب لبنان وتدمر محطات توليد الكهرباء في بيروت بذريعة أو اخرى, قاذفات للصواريخ والقنابل هنا وهناك لها قانونها الذي يحدد متى تصمت ومتى تحول امن الابرياء إلى خوف وهلع, فظائع لم تعرف البشرية لها سابقة سواء في صراعات بين الدول أو في حروب اهلية. هل يمكن للمجتمع البشري وهو يقفز تلك القفزة الهائلة نحو العالمية أو العولمة ان يخطو نحو وضع قانون دولي فعال يحمي الضعفاء وينذر المعتدين بالعقاب, هل يمكن قيام محكمة جنائية دولية لها قانون رادع يطال بالعقاب مجرمي الحرب اهلية كانت ام دولية, لا يفلح امامها اعتذار بتنفيذ اوامر أو احتماء بحصانة منصب. التطورات التي حدثت خلال السنوات الاخيرة من القرن الماضي تنذر بالامل في تحقيق هذا الهدف, ومن اهم هذه التطورات ان اصبح من المسلمات ان المجتمع الدولي والمنظمات الدولية تتحمل مسئولية اتخاذ اجراءات ضد مرتكبي جرائم الحرب, ولا يجوز لأي شخص حتى لو كان رئيس دولة أو حكومة أن يختفي وراء حصانة من اي نوع تحميه من المسئولية والعقاب, وامامنا ثلاثة رموز رئيسية لتوجه المجتمع الدولي خلال السنوات القليلة الماضية في تحمل مسئولياته في ملاحقة مرتكبي الجرائم وتقديمهم للعدالة, قرار مجلس الامن عام 1993 بانشاء المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة, وقرار المجلس عام 1994 بانشاء المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا وتوقيع معاهدة روما Rome Statute عام 1998 لانشاء المحكمة الجنائية الدولية. وانشاء محكمة جنائية دولية دائمة لمحاكمة مجرمي الحرب ليست فكرة جديدة, وسبق ان اثيرت في الامم المتحدة عام 1947, ثم عادت للظهور بشكل أو باخر, وفي يونيو / يوليو 1998 اجتمعت في روما وفود من 160 دولة اضافة إلى ممثلين عن 135 منظمة غير حكومية واقروا معاهدة جديدة أو ما عرف باسم Rome Statute لانشاء محكمة جنائية دولية, ويحدد الجزء الثاني من معاهدة روما ثلاث فئات من الجرائم تختص المحكمة بالنظر فيها, وهذه هي جرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب, ولا يدخل في اختصاص المحكمة جريمة (العدوان) , وهي جريمة من الصعب في ضوء احداث الماضي تحديدها تحديدا قانونيا دقيقا, وترك النظر فيها ووضع احكام تتعلق بها إلى المستقبل, وقد قوبلت قرارات مـؤتمر روما بترحيب كبير من الرأي العام العالمي واعتبرت خطوة اولى نحو انشاء اداة فعالة للعدالة الدولية, ولكن لا تزال هناك مشكلات لا يستهان بها امام تشكيل تلك المحكمة, من ابرز هذه المشكلات ان عددا من الدول ذات الاهمية في العلاقات الدولية لم توقع عليها, ومن بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين, ولكي تصبح المعاهدة سارية المفعول لابد ان تصدق عليها 60 دولة على الاقل, وحتى مطلع العام الحالي كان عدد الدول التي وقعت على المعاهدة 93 دولة ولكن الدول التي صدقت عليها لا يزيد على ست دول, من بينها دولة اوروبية واحدة هي ايطاليا, والدول الاخرى هي غانا وفيجي وسان مارينو والسنغال وترينداد. وحول هذه التطورات كان الحوار مع ترينس تايلور المدير المساعد للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن, ويرى الخبير الدولي ان انشاء محكمتي جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة وفي رواندا كان استجابة للمأساة الانسانية في هذين البلدين, ولم يتعارض مع السوابق الدولية فقد سبق انشاء محاكمات نورمبرج في اعقاب الحرب العالمية الثانية, ولكن لم يحدث منذ ذلك الحين انشاء محاكم مماثلة رغم الصراعات المروعة مثل صراع كمبوديا, ولم يكن من الممكن تشكيل محكمة من ذلك النوع في ظل الحرب الباردة, اما الان وقد انتهت المواجهة الايديولوجية بين الشرق والغرب فقد اصبح من الممكن ان يتفق مجلس الامن على انشاء مثل هذه المحاكم, اما الاتجاه إلى انشاء محكمة جنائية دولية دائمة تختص بالنظر في جرائم الحرب فهو اتجاه ايجابي, ولكن انشاء مثل هذا الكيان اكثر صعوبة من تشكيل محاكم لحالات معينة مثل رواندا أو يوغسلافيا السابقة, كما انه يثير العديد من المشكلات والحساسيات, وكما رأينا فالولايات المتحدة ودول اخرى تعارض هذه الفكرة, وتخشى أن يؤدي انشاء تلك المحكمة إلى رفع العديد من القضايا ضدها لاغراض سياسية, والامر يحتاج إلى وضع معايير دقيقة للقضايا التي ترفع امام تلك المحكمة وان تستند إلى اسباب قوية وجوهرية وليست لمجرد استمرار الصراع السياسي بوسيلة اخرى, ورغم ان لائحة المحكمة المقترحة تحدد اختصاصاتها بجرائم محددة لا يدخل فيها مفاهيم مجردة مثل العدوان مثلا, الا ان هناك نقاطا تثير تحفظات جدية, من هم القضاة الذين سيوكل اليهم مهمة الحكم وكيف سيتم تعيينهم وما هي الجهة التي سيكونون مسئولين امامها, ومن دواعي القلق في الولايات المتحدة بل كذلك في بريطانيا اختلاف اجراءات المحاكم في البلدين عنه في دول اوروبا, المحكمة في الولايات المتحدة وفي بريطانيا تعتمد على نظام المحلفين والذي يعني اشتراك المجتمع في عملية الاتهام, اما في اوروبا فالامر متروك لقضاة متخصصين, وهذه قضية خلافية ولكل طرف وجهة نظره واسبابه, كما انها تثير قدرا من عدم الارتياح لدى الكثيرين في بريطانيا, رغم انها من الدول التي وقعت على المعاهدة, ورغم هذه الصعوبات يجب على المجتمع الدولي ان يسعى لانشاء مثل هذه المحكمة. ويرى الخبير الدولي ان الموقف الامريكي له بعد تاريخي وليس بالامر الجديد, اذ تشعر الولايات المتحدة دائما بالقلق من الدخول في معاهدات متعددة الاطراف, كما رأينا في الفترة الاخيرة في رفض الكونجرس لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية وواشنطن حذرة جدا في مسألة الدخول في معاهدات دولية بصفة عامة, المعاهدات الثنائية لا تشكل صعوبة مثل معاهدات ستارت أو غيرها, والكونجرس الامريكي ينظر في حساسية شديدة إلى العواقب التي يمكن ان تترتب على الالتزام بمعاهدات متعددة الاطراف, اذا ما تأسست المحكمة المقترحة قد تقوم دولة مثل ليبيا مثلا برفع دعوى على واشنطن بسبب الغارة الامريكية في منتصف الثمانينيات, من ناحية اخرى اذا تأسست المحكمة الدولية دون مشاركة امريكية لن تكون في وضع قوي. والسؤال الذي طرحته على خبير معهد الدراسات الاستراتيجية انه وقد عرض قضية المعارضة الامريكية لاقامة محكمة دولية دائمة لجرائم الحرب, توجد من ناحية اخرى بعض الشكوك لدى الدول الصغيرة بأن مثل هذه المحاكم رغم انها تبدو كوسيلة لاقرار العدالة إلا انه في نهاية الامر قد تسود عدالة المنتصر, وربما لا تحصل الدول الصغيرة على حقها, ويقول انه متفهم لهذا القلق واذا نظرنا الى التاريخ نجد ان المنهزم لم يقم محاكم للجرائم التي ارتكبها المنتصر, ولكن رغم ذلك فإن الذين ارتكبوا جرائم حرب وعرف امرهم حوكموا بواسطة الدول التي ينتمون اليها, المحاكم البريطانية نظرت العديد من القضايا حوكم فيها جنود بريطانيون خالفوا القانون في معاملتهم لاسرى الحرب, في اطار القانون المحلي, والبلاد التي تلتزم بأحكام القانون لا تتردد في محاكمة مواطنيها امام محاكمها الوطنية وليس امام محكمة دولية, والاتجاه لانشاء محكمة دولية اتجاه ايجابي سيكون الجميع متساوين في اللجوء اليها, واذا لم تنشأ هذه المحكمة اين اذن يتوجهون بدعاواهم القضائية, وانشاء المحكمة يؤسس كيانا جديدا تلجأ اليه جميع البلاد, ولهذا السبب تشعر الولايات المتحدة بالقلق لان المحكمة دولية ستهيىء لجميع الدول المجال لاتخاذ اجراءات قانونية واللجوء الى القانون, وتضفي عنصرا من الديمقراطية على العلاقات الدولية, ومن المهم ان يكون القضاة متخصصين وعلى علم بدقائق المنازعات العسكرية, وفيما يتعلق بسلطة تشكيل المحكمة من الافضل ان يتم ذلك بواسطة مجلس الامن لان قراراته ملزمة قانونا وليست ملزمة سياسيا فقط مثل قرارات الجمعية العمومية, ولكن مجلس الامن في حاجة الى اصلاح والاصلاح ينبغي ان يتناول توسيع العضوية وطريقة التصويت وهذه مسألة شديدة التعقيد ولابد ان تستغرق وقت طويلا. والسؤال الذي طرحته على الخبير الدولي, عندما نتحدث عن جرائم حرب توجد عدة تصرفات موثقة تعتبر جرائم حرب ارتكبتها اسرائيل منذ 1948, وتكفي الاشارة الى الجرائم التي كتب عنها الباحثون الاسرائيليون مثل قتل الاسرى المصريين عام 1956 واسقاط طائرة ليبية مدنية فوق سيناء عام 1972 وضرب مدن قناة السويس بالمدفعية خلال حرب الاستنزاف, وقصف بيروت, وقرى جنوب لبنان, والامثلة كثيرة, وهذه الاعمال تقع في نطاق المحكمة الدولية المطلوب انشاؤها ولكن اذا قبلنا مبدأ ان محكمة جرائم الحرب يجب ان تكون بغير اثر رجعي, هل معنى ذلك ان يفلت مرتكبو هذه الجرائم من العقاب؟ في هذه القضية يرى الخبير الدولي اننا اذا أردنا للمحكمة المقترحة ان ترى النور فلابد ان تكون بغير اثر رجعي, والا ستفتح بابا للمتاعب والمشكلات, اذا عدنا إلى الماضي سنجد اتهامات واتهامات مضادة, وسيكون ذلك امرا غير مجد, ومن الافضل ان نكون ايجابيين وان نتطلع إلى المستقبل ولا يعني ذلك ان نتوقف عن الكتابة عن هذه الامور, وفي سياق العمل من اجل انشاء محكمة لجرائم الحرب ستكون في صالح جميع الدول الكبرى والصغرى من الافضل ان تكون لنا نظرة مستقبلية وان نكون على حذر من طرح قضايا تاريخية والا لن نحصل على هذه المحكمة وهذا لن يكون في صالح احد. ويرى الخبير الدولي ان انشاء محكمة دولية لجرائم الحرب سيكون عملا ايجابيا لجميع البلاد ولكن لكي تنجح الجهود الدولية لانشاء تلك المحكمة يجب ان تكون نظرتنا مستقبلية والا تكون المحكمة بأثر رجعي والا نجر اليها ما ارتكب من مظالم في الماضي, والا سيكون من العسير ان ترى مثل هذه المحكمة النور, وليس معنى هذا في رأيه ان نكف عن الكتابة عن هذه القضايا أو اثارتها, ونحن لانزال نحاكم الان اشخاصا عن اعمال قاموا بها في الحرب العالمية الثانية امام المحاكم الوطنية, ومن يعرف ماذا ستكون عليه حكومة اسرائيل بعد عشرين أو ثلاثين سنة, ربما تحاسب مواطنيها, وتوجد الكثير من الاسئلة التاريخية, فرنسا على سبيل المثال تحاكم الان مواطنيها على جرائم ارتكبوها منذ خمسين عاما, وقد يبدو هذا في نظر البعض امرا ميئوسا منه ولكن ربما قال الكثيرون ذلك عن بعض المظالم التي ارتكبت في الحرب العالمية الثانية من جميع الاطراف في تلك الحرب, جرائم ارتكبها فرنسيون ضد مواطنين فرنسيين, جرائم مروعة في حق قبائل في رومانيا, بعد فترات من التغيير السياسي هذه الاعمال ينظر فيها بطرق مختلفة جدا, وربما يجد جيران اسرائيل بطرقهم الخاصة على مر السنوات طريقا للتعامل مع الامر, وربما تحدث تغيرات سياسية في العلاقات بين اسرائيل وجيرانها, ويسلم الخبير الدولي ان نظرته قد تكون اقرب إلى التفاؤل ولكنه يتحدث عن المدى الطويل, ولا يستبعد ان تظهر في الزمن حالة من التعايش العملي. اما رأيه فيما يتعلق بمحكمة جرائم الحرب التي يجب على المجتمع الدولي ان يسعى إلى انشائها فيجب لكي تكون اداة دولية فعالة ان يكون اختصاصها محددا بالجرائم الشنيعة وغير المقبولة دوليا وان نتعامل مع المستقبل وان يرتبط انشاؤها باصلاح مجلس الامن. اجرى الحوار: محمد خليل