شهدت ساحة العدالة مؤخراً العديد من المحاكمات الدولية التى انشئت لها محاكم خاصة بعيداً عن محكمة العدل الدولية, نظراً لقصر وظيفة تلك المحكمة على نظر الخلافات والنزاعات بين الدول فقط, وقد اثير بشأن هذه المحاكمات الدولية الكثير من الأقاويل حول مدى جديتها, وفاعليتها, والآليات والأدوات الي تمتلكها لتنفيذ احكامها, وقبلها الآليات التى تمكنها من النطق بحكم فى حيادية بعيداً عن اية تأثيرات سياسية او دولية خارجية على غرار محكمة مجرمي حرب رواندا ويوغسلافيا السابقة, والأن محكمة اسكتلندا للوكيربى, وقد اظهر وجود هذه المحكمة او تلك الحاجة لمحكمة واحده دائمة لنظر الجرائم الدولية التى يدان فيها اشخاص سواء بجرائم حرب او جرائم ارهاب مدني أو سياسي. حول المحاكم الدولية القائمة ودورها, وفاعلياتها, والتطلع المستقبلى لمحاكم دولية دائمة كان هذا التحقيق مع نخبة من رجال القانون الدولى خبراء ومستشارين. حول ممارسات الدول الكبرى ضغوطاً للتأثير فى محاكمات دولية على غرار ما يحدث الآن فى محاكمات جرائم الحرب, ومحكمة لوكيربي ومدى نجاح هذه الضغوط يقول الدكتور اسعد الشيمى الخبير القانونى والمستشار للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومنظمة حقوق الإنسان.: لا يمكن إنكار ان الدول كبرى ذوات التأثير تتحكم فى تحريك بعض قضايا المحاكمات الدولية والقبض على مرتكبي جرائم الحرب وذلك لوجود: أهداف سياسية إستراتيجية, ومصالح إقتصادية. وتمارس هذه الدول إما فرادى أو بالتعاون مع دول أخرى ضغوطاً بغية تحريك المحاكمات فى مسارات تنفذ وتساعد على تحقيق أغراضها, وينبغي فى هذا الإطار التأكيد وبدقة على اقتصار دورها على عمليات (التحريك) , اما حينما تصل قضية ما لساحة القضاء فينحصر دورها, وتفقد قدرتها على التأثير المباشر حيث تبقى الكلمة وحدها والقرار للقضاء, من المُمكن قيام دولة صاحبة مصلحة فى دعم قانونى عن طريق توفير تمويل مالى لهيئة الدفاع مثلاً, أو حث جهة ما أو منظمة للإدلاء بمعلومات تُفيد الإدعاء فى إثبات إتهام فى قضية, ونذكر على سبيل المثال مايدور حالياً فى ساحة القضاء الاسكتلندى بخصوص قضية لوكيربى, اذ نعلم ان عملية تفجير طائرة بانام الأمريكية فوق قرية لوكيربى الاسكتلندية تمت فى 21 ديسمبر عام ,1988 ولم تُعقد محاكمة حقيقية (لليبيين المُشتبه فى إرتكابهما الجريمة) إلا فى ديسمبر العام الماضى ,99 وإسمح لى توضيح اننى لست بصدد التعرض للجريمة ذاتها, ولا تشريح القضية بغية التوصل للفرد أو الأفراد أو المنظمة أو الدولة التى قد تكون إرتكبت الجريمة من عدمه, فالقضية منظورة أمام القضاء الذى أحترمه, ولا أريد الإشارة أو التلميح بالسَلب أو الإيجاب لشخصية الفاعل أو إطلاق التكهنات بهذا الشأن, وهو الأمر الواجب إتباعه دائماً حفاظا على مسار العدالة الدولية, لكن من خلال طرح التساؤلات, والعودة بهذا الحدث منذ البداية كي أجيب عن سؤالك الخاص بمدى قوة نفوذ الضغوط السياسية, وتلاقى المصالح مُتشابكة الأطراف, حيث نجد إتفاقاً من دولة كُبرى صاحبة نفوذ هى أمريكا مع بريطانيا فى وجوب إجراء محاكمة, وقد سبق ذلك ضغوطاً سياسية فى منظمة دولية هى الأمم المتحدة, أدت لفرض عقوبات وحظر جوى وتجارى على ليبيا, وهنا تلعب المصالح الإستراتيجية والإقتصادية دوراً مُهماً يتمثل فى: 1- تطويع سياسة الحكومة الليبية أو تحييدها وذلك بإعتبارها واحدة من الدول القليلة التى تعارض السياسة الغربية بصفة عامة, وهو الأمر الذى لا يتفق وتوجهات عصر العولمة. 2- إطالة أمد الحصار المفروض على ليبيا لا يفيد أمريكا والغرب من الناحية الإقتصادية. 3- بدايات حالات غضب من دول عربية وافريقية صديقة للغرب وخاصة أمريكا وبريطانيا من طول زمن الحصار والعقوبات على ليبيا, لذلك كان لابد من وضع بداية لنهاية القضية. فالعناصر الثلاثة السابق ذكرها هى نموذج حى لعملية تحريك قضية ودفعها لساحة القضاء, وهنا لا تؤثر هذه العناصر فى مسار قضية لوكيربى, لأن القضاء الاسكتلندى لا يتعامل مع هذا الملف من منطلق سياسى, وقد يكون النصر للدول التى قامت بتحريك القضية حينما تُثبت المحكمة ان من إرتكب الجريمة هو أو هم من دفعت بهم امريكا وبريطانيا لساحة القضاء, وقد يكون من نصيبهما الهزيمة أمام المجتمع الدولى والساحة الإعلامية, لكن فى كلتا الحالتين ستتحقق الأهداف لهما. وحول محكمة مجرمي حرب يوغسلافيا السابقة ومدى ما حققته من نجاح والتحركات الجارية لإنشاء محكمة دائمة لمجرمى الحرب والعقبات التى تواجه هذا المشروع والتبعية الدولية للمنظمة الدولية للأمم المتحدة والقانون التى ستتبعه, وجهت هذه الأسئلة للدكتور فؤاد رياض الخبير فى القانون الدولي والقاضي بمحكمة مجرمي حرب يوغسلافيا السابقة فيقول: يجب ان نعترف ان محكمة مجرمى حرب يوغسلافيا السابقة تعمل الآن كل ما بوسعها لتحقيق العدالة الدولية ومحاكمة مجرمي الحرب, رغم كل الصعوبات والمعوقات التي نواجهها منذ بداية انشاءها عام 94 وحتى الآن من عجز فى التمويل وافتقاد للآليات القوية التى تساعد المحققين فى جمع الأدلة, وافتقادها لسلطة امنية تنفيذية خاصة تيسر لها القبض على المتهمين او تنفيذ قراراتها وأوامرها. ورغم ان هذه المحكمة من انجازات القرن العشرين وتدل على يقظة الضمير العالمي ورغم كون القرارات الصادرة منها ملزمة التنفيذ وفقا لقرار مجلس الأمن, الا انه لا توجد في المقابل اية عقوبات تردع الدول المخالفة لقراراتها او تجبرها على الإستجابة, ولقد سبق ان عبر (كيرك ماجدونالدس) رئيس المحكمة عن جانب من هذه المشاكل عندما اتهم الأمم المتحدة بعدم الجدوى لفشلها فى تدعيم المحكمة وتوفير سبل القوة لحماية القانون الدولي, وطالب مجلس الأمن باتخاذ قرارات حاسمة وصريحة تلزم يوغسلافيا بتسليم المتهمين من معسكراتهم وتقديم العون لهيئة المحكمة, ووجه خطاباً رسمياً لمجلس الأمن ليدين فيه عدم تقدير حكومة يوغسلافيا لدور المحكمة ومنعها (اوزى اربور المدعي العام فى حينه من زيارة البلاد, وقد نشطت في حينه قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام فى يوغسلافيا السابقة. ويهم ان اذكر هنا ان تلك المحكمة تعمل بالنظام الأنجلو امريكي اى استجواب المتهم والشهود من قبل النيابة والقاضي, وهى لا تطبق نظام المحاكمة الغيابية او صدور الحكم غيابيا, الأمر الذي يعطي فرصة لكبار المتهمين من الذين لا يمثلون امام المحكمة للهروب من نيل العقاب او صدور احكام ضدهم, وعلى الرغم من ان المحكمة حاولت تدارك هذا عن طريق اللجوء لنظام المحكمة الغيابي بعد الإستماع الى الشهود واصدار امر دولي بالقبض على المتهم بدلا من ان تظل شهادة الشهود حبيسة الأرشيف دون جدوى, الا ان هذا المخرج لم يمكن المحكمة من القيام بالدور المطلوب تماما. وقد افرزت محكمتا يوغسلافيا ورواندا لجرائم الحرب الحاجة الملحة لإنشاء محكمة دائمة لمحاكمة مجرمي الحرب في كل مكان بالعالم, وفى 17 يوليو عام 98 اقرت 120 دولة فى اجتماع روما وثيقة التأسيس للمحكمة الدولية لمجرمي الحرب, بعد اجتماعات ومؤتمرات دولية استمرت قبلها لمدة خمسة اسابيع وخلافات دولية كبرى, ولقد مثلت الوثيقة حلماً ومطلباً دوليا لكل الشعوب التى ذاقت ويلات الحروب وعانت من تجاوزات قادة الجيوش الذين ساموا المدنيين صنوفاً من العذاب, ومن الممكن ان يقف امامها قادة وزعماء وشخصيات سياسية لدول كبرى حال مخالفتها للقانون الدولي فى الحرب والخاص بحماية المدنيين, وقد لوحظ اثناء التوقيع على الوثيقة محاولة الولايات المتحدة التدخل للتأثير على مجريات العدالة منذ البداية وتسييس الوثيقة لصالحها, حيث طالبت بتعديل البنود بهدف حماية ضباطها وجنودها وموظفي الإدارة الأمريكية ضد احتمالات محاكمتهم امام المحكمة, وان يكون مجلس الأمن هو المختص بالقضايا الكبرى التي تمس الصراعات والحروب على غرار الوضع فى كمبوديا والبحيرات الكبرى فى افريقيا, وان يتم احالتها اذا تطلب الأمر لمحكمة مجرمى الحرب الدائمة, وكانت امريكا تحاول من وراء ذلك كله حماية ضباطها وجنودها الذين تورطوا في جرائم حرب في فيتنام وغيرها, غير ان التصويت على التعديلات التى حاولت امريكا فرضها لصالحها قد لقيت الرفض من 113 دولة ووافقت 16 فقط في مقدمتها اسرائيل وامتنعت 21 عن التصويت, ومن هنا فقد رفضت امريكا التوقيع على الوثيقة هي والدول التى تبعتها, وهذا يعنى انه فى حالة انشاء المحكمة لن تعترف امريكا وهذه الدول الستة عشر بقرارات المحكمة. وارى ان المحكمة الدائمة لمجرمى الحرب يجب ان تتلافى نقاط الضعف التى حاولت النيل من المحكمة الحالية لمجرمي حرب يوغسلافيا من حيث التمويل والقانون الأنجلو امريكي, وامكانيات السجون, وان تكون لها صلاحيات وقوة تنفيذ الزامية لأحكامها يحميها مجلس الأمن على غرار محكمة العدل الدولية, وعدم تأثرها بالقوانين الأمريكية الإنجليزية والتى تحرم عقوبة الإعدام كما هو الحال فى محكمة يوغسلافيا حيث ان اقصى عقوبة بها السجن مدى الحياة, وارى ان النصر الذى حققته وثيقة المحكمة الدائمة لمجرمى الحرب يجب ان يمتد الى القانون الذي ستقوم عليه والآليات التى ستعتمد عليها لتنفيذ احكامها, حيث حققت الوثيقة استقلالية المحكمة التامة للمدعي فى الإجراءات, الا فى حالة اجماع مجلس الأمن على اقصائه عن العمل, كما لا يشترط طرح القضايا على مجلس الأمن قبل عرضها على المحكمة, بل يمكن ان تحال القضايا مباشرة للمحكمة. * فى تصوركم لماذا يقتصر تقديم مجرمى الحرب للمحاكمة على الدول الأقل سلطة ونفوذا؟ ـ لم يحدث ان إرتفعت من قبل اصوات جاده طالبت بانشاء محاكم لمجرمى الحرب, اللهم الا محكمة نورنبرج, والمحكمة اليابانية فى الحرب العالمية الثانية لمحاكمة مجرمى الحرب, ولو حدث تحرك دولى لهذا لأقيمت محاكم اخرى, ولكنها فى الغالب تقف عن حد المطالب والإرهاصات, ولكن اتصور ان نشوء محكمة دائمة لمجرمى الحرب سوف يجعلها تتعادل مع الدول الكبرى والصغرى على حد سواء, المهم ان تتحرك الدول الصغيرة وبجدية لأخذ حقوق شعوبها المدنيين الذين كانو ضحايا للحروب والإباده البشرية والتصفيات العرقية. وحول قصر العدالة الدولى والذى يضم اكبر واشهر محكمة دولية وهى محكمة العدل الدولية, ودورها التاريخى, ومدى تأثيرها فى حل النزاعات الدولية, والأدوات التى تمتلكها لتنفيذ قراراتها كانت الأسئلة للبروفيسور يوهان هوخلاند, استاذ القانون الدولى والمستشار السابق لمحكمة العدل الدولية ونسأله اولاً عن تطور اشكال التحكيم الدولى وصولاً لمحكمة العدل الدولية بشكلها الحالي فيقول: ـ محكمة العدل الدولية الدائمة كانت محصلة للعديد من المحاولات والإرهاصات التي سبقتها فى انشاء محاكم دولية لتسوية منازعات وخلافات خاصة بين دول كبرى, وهذه المحاكم السابقة لم يكن لها شكل المحكمة المتعارف عليها حديثاً, بل كانت تتشكل من لجان قضائية مختلطة من الدول المتنازعة وبها عدد متساو من قضاة ورجال قانون من الدولتين المتنازعتين, وقد حدث هذا فى اول تاريخ للمحاكم الدولية بين امريكا وبريطانيا منذ بداية القرن التاسع عشر, وذلك للتحكيم بين الدولتين فى اية خلافات حول المعاهدات التي كانت مبرمة في حينه حول التجارة والملاحة ومعاهدات التعاون وغيرها, غير ان اللجان الثنائية المختلطة للتحكيم مرت بتطور اخر بعد ان ثبتت فعالية هذا التحكيم الدولى عقب نشوب الحرب الأهلية بامريكا, حيث اتهمت امريكا المملكة البريطانية بعدم الحياد والتدخل لإذكاء هذه الحرب وطالبتها بتعويضات هائلة, وهنا اتفق الطرفان (امريكا وبريطانيا) على انشاء محكمة لحل النزاع بينهما حول مسألة التعويضات على ان تتألف من قضاة من امريكا وبريطانيا وايطاليا وسويسرا والبرازيل, وكانت الدول الثلاث الأخيرة ليس لها صلة بالقضية, لكن تم اتفاق البلدين علي تضمينهما داخل عناصر التحكيم, ونجحت المحكمة بالفعل فى انهاء القضية وحل الخلاف بدفع التعويضات لأمريكا, وعندما اثبتت هذه المحكمة الدولية فعاليتها تم الإحتكام لها بعد ذلك فى العديد من القضايا. غير ان التطور الدولى للقانون, وظهور العديد من المعاهدات والإتفاقيات بين الدول, جعلت نطاق وجود هذه المحكمة ضيقاً لا تستطيع معه الفصل فى النزاعات المختلفة التى فرضتها التطورات الدولية وظهور عشرات الإتفاقيات والمعاهدات, وهنا لزم تطوير هذه المحكمة بحدودها الضيقة الى محكمة دائمة للتحكيم الدولى, وقد تم هذا بالفعل فى مؤتمر لاهاى فى عام 1899 للسلام ونزع السلاح, وتم الإتفاق خلاله على امكانية انشاء مؤسسة دولية للتحكيم الدولي تضم قضاه من الدول التى وقعت على انشاء المؤسسة, ومن خلال هذه المؤسسة تتشكل محاكم للتحكيم فى الخلافات والنزاعات الدولية, واطلق عليها (المحكمة الدولية للتحكيم) واقيم لها في لاهاي قصر خاص اطلق عليه قصر السلام والذي بني خصيصاً لها, ورغم نجاح هذه المؤسسة الدولية فى عملية التحكيم لحل العديد من الخلافات الا ان قصوراً كان يحاصر صلاحياتها القانونية فى نظر شتى الخلافات لوجود اتفاقيات دولية لا تلزم العديد من الدول اللجوء اليها او الإحتكام, وكان هذا القصور ايذانا بانشاء محكمة دولية دائمة خاصة بعد وجود عشرات الخلافات الدولية, بعد ان وضعت الحرب العالمية الأولى اوزارها, وقد انشئت المحكمة بقرار من عصبة الأمم عام ,1922 وقد استند انشاء المحكمة الدولية الدائمة على المواد التى ينص عليها ميثاق عصبة الأمم من امكانية تسوية النزاعات والخلافات بين الدول بالطرق السلمية والتى تشمل الوساطة, التحقيق, التفاوض, التوفيق ثم اخيراً التحكيم, وهو الذى على اساسه انشئت المحكمة, ونجحت جهود المملكة الهولندية فى ان يكون مقر هذه المحكمة بقصر السلام فى لاهاى والذي كان مقراً للمحكمة الدولية للتحكيم, وتميزت عن كل ما سبقها من محاكم دولية للتحكيم انها صالحة للنظر او الفصل في اي خلافات او نزاعات ترفع لها من قبل مجلس عصبة الأمم, ودورها لا يقتصر في فصل النزاعات بل ايضا في اصدار فتاوى او توصيات. غير ان نشوب الحرب العالمية الثانية قد اثر على هذه المحكمة فانتقلت الى جنيف عام ,40 وتجمد نشاطها تقريبا, ولم يجدد انتخاب قضاتها, وفى عام 42 اعلنت كل من امريكا وبريطانيا ضرورة اعادة نشاط المحكمة الدولية الدائمة, وطالبت اصوات بانشاء محكمة اخرى جديده, غير ان الدولتين امريكا وبريطانيا اصرتا ان تقوم المحكمة الجديدة على ذات الأسس التى انشئت عليها المحكمة الدائمة للتحكيم الدولى مع تطوير ادائها, خاصة مع تحول عصبة الأمم, وتزايد اعضاء الأمم المتحدة, وبالفعل تم نقل كل آليات المحكمة الدولية الدائمة الى محكمة العدل الدولية, وتم في عام 1946 اول انتخاب لأعضاء محكمة العدل الدولية في اول اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة, وعلى مدى تاريخ محكمة العدل الدولية تم نظر مئات القضايا الدولية التى ترتكن الى الإحتكام اليها وفقاً لقوانين دولية, او مواثيق واتفاقيات ومعاهدات دولية تم ابرامها بين الأطراف المتنازعة, أو اخل طرف بها, كالقوانين الدولية والمحكمة لا تملك في العديد من الأحوال صلاحيات تخولها لنظر قضايا بعينها, او لا يكون لها الإختصاص في نظر هذه القضايا اما لعدم وجود نصوص فى لائحتها تخول لها نظر هذه القضايا, او كالتي يقيمها اشخاص ضد دول او منظمات, والمحكمة ترفع يدها مباشرة عن نظر القضية اذا ما طلبت الأطراف المتنازعة ذلك بدخولها فى مفاوضات سياسية او ودية من شأنها حل الخلاف الذى من اجله لجأت للمحكمة, واذكر على سبيل المثال ما اقيم امام المحكمة فى هذا الصدد فى خلاف بين باكستان والهند, حيث كانت الهند تنوي تسليم اسرى باكستانيين الى بنجلاديش لتحاكمهم الأخيرة بتهمة جرائم حرب واعمال ابادة جنس بشرى, وقد طلبت باكستان من المحكمة اتخاذ تدابير تحفظية لمنع الهند من تسليم الأسرى لبنجلاديش, ثم عادت باكستان وطلبت من المحكمة ترك الدعوى للتوصل الى حل عن طريق المفاوضات بينها وبين الهند وبالفعل انتهى هنا دور المحكمة. * الى اى مدى يمكن تقييم حيادية محكمة العدل الدولية, وهل تقع احياناً تحت تأثير دول كبرى؟ ـ كرجل قانون انفي وقوع المحكمة تحت تأثير دول كبرى او صغرى, فأحكام المحكمة منزهة عن اية اغراض او ترضية خواطر سياسية مهما كانت قوة تأثيرها, وما حدث فى العديد من القضايا نماذج واضحة على حيادية ونزاهة المحكمة, لعدة اسباب فى مقدمتها: اولاً: ان المحكمة نفسها تعمل وفقاً لقانون مستقل وبعيداً عن اية تأثيرات خارجية. ثانيا: ان هيئة المحكمة من قضاة مستقلين لا يجوز لهم شغل اية وظائف اخرى, ويتم انتخابهم من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة والدول الداخلة فى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية, وانتخاب هؤلاء يتم بالأغلبية, ولا يشترط جنسية معينة فى القضاة وبذلك تضمن الدول ان دولة ما لن تتمتع بثقل قضائي او قانوني داخل هيئة القضاة, مما يكسب الهيئة ثقة دولية فى نزاهتها وحياديتها, ولا يجوز ان يكون في هيئة القضاة اثنين من جنسية واحدة, واذا تم انتخاب اثنين من القضاة يقع الاختيار على الأكبر سناً, ويراعى فى الإنتخابات تمثيل المناطق الرئيسية الدولية والإقليمية فى العالم تمثيلاً عادلاً لتحقيق العدالة والتوزان. ثالثاً: من حق اى دوله متقدمة بدعوى للإحتكام ان تطعن فى صلاحية اى قاض او في رئيس المحكمة اذا ما استشعرت عدم الحياد, وينظر فى طلب الطعن بجدية تامة كما ان من حق رئيس المحكمة ان يطلب من اى قاض التنحى اذا ما كانت لهذا القاضي صلة ما من قريب او بعيد بالقضية المنظورة, او سبق لهذا القاضي ان شارك فى الفصل فى هذه القضية المنظورة بأى صفة او صلة, او كانت له علاقة بها وينتدب بدلاً منه قاض خاص من دوله لا صلة لها بالقضية وتنتهى مهمة هذا القاضي الخاص بانتهاء القضية, كذلك يمتنع عن النظر فى القضية اى قاض يكون من جنسية البلد الذى يقيم الدعوى او البلد الخصم, وكذلك يُنحى رئيس المحكمة اذا كان من جنسية هذا البلد ويتولى نائبه رئاسة الهيئة او قد ينتدب رئيس اخر. ومن خلال الأسس والدعائم التى تقوم عليها المحكمة وهيئتها نتأكد من عدالتها وبعدها عن اية تأثيرات خارجية قد تشكل احكامها او قراراتها, فسلطة ونفوذ اى دولة تنتحر على ابواب قصر العدالة فى لاهاى, ولعل الحكم الأخير الذي اصدرته محكمة العدل الدولية بشأن لوكيربى من حيث بطلان الإجراءات العقابية المتحدة ضد ليبيا لحين انتهاء التحكيم فى قضية لوكيربي اكبر دليل على حيادية المحكمة فالحكم صادر ضد دولتين كبريين هما بريطانيا وامريكا. * الا يدل حكم المحكمة فى الخلاف الليبي - الأمريكي البريطانى حول الإجراءات العقابية على مدى ضعف فاعلية قرارات المحكمة بدليل نظر قضية لوكيربي الآن امام محكمة اسكتلندية خاصة؟ ـ لا يوجد لمحكمة العدل الدولية آليات لتنفيذ احكامها او قراراتها بالقوة الجبرية كما هو الحال فى المحاكم العادية المحلية بالبلدان هنا او هناك, لأنه من المفترض ان احكام وقرارات المحكمة الزامية لدى الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة والداخلين تحت اطار النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية, ولذلك فمن واجب هذه الدول احترام قرارات وأحكام المحكمة, اما ان تتجاهل دوله ما هذه الأحكام, فهنا يأتى دور الأمم المتحدة والتى تعتبر هذه المحكمة مؤسستها القانونية, فعلى المنظمة الدولية ان تتخذ من الإجراءات ما يتناسب وظرف كل قضية وتنفذ ما يمكن ان تتحقق به احكام المحكمة فى حالة مخالفة الدول لها او عدم الإلتزام بها, وتجدر هنا الإشارة الى ان التوصيات والفتاوى التى تصدرها المحكمة ليس لها الصفة الإلزامية, وعلى الدول المتنازعة ان تأخذ بها او لا تأخذ. تحقيق: د. سعيد السبكي