بقلم: مهدي فلورس ،ممثل المجلس الاسلامي الاسباني لدى منظمة المؤتمر الاسلامي ، ترجمة: باسل أبو حمدة تقدم المنظمة الاسلامية في اسبانيا مثالاً نموذجيا للتنظيم الحضاري الحديث, حيث تعتبر الحركة الاسلامية هناك انعكاسا وفيا للمبادىء التقليدية المعمول فيها في باقي العالم الاسلامي, وتنظيم هذه الحركة يتألف بشكل رئيسي من جمعيتين رسميتين تشكلان (المجلس الاسباني الاسلامي) , ولقد وقعت هذه المنظمة في عام 1992 اتفاقا تاريخيا للتعاون مع الدولة الاسبانية, بعد مضي خمسة قرون على سقوط اخر سلطة سياسية اسلامية في اسبانيا. ومسيرة هذا الاتفاق تعد مسيرة مذهلة سواء بالنسبة للدولة الاسبانية او بالنسبة للعمل الاسلامي نفسه, انطلاقا من انه لاول مرة في تاريخ ديمقراطية غربية حديثة تقوم دولة بتوقيع اتفاق من هذا النوع يعترف بالاشهار الاصيل للعمل الاسلامي في اسبانيا والاهمية البارزة لهذا العمل في الجهود المبذولة لتشكيل الهوية الاسبانية. هذا التأكيد على مشاركة الاسلام في تشكل الهوية الاسبانية يمثل اعلانا فريدا لايقارن مع الوضع في اي بلد غربي اخر, وتأكيدا على ان ترجمته من قبل المنظمة الاسلامية الاسبانية كان شيئا استثنائيا ايضا وذلك حين اعترفت مدريد بأن (الدولة الاسبانية تبنت بشكل كامل الاعتراف بالاسلام الاسباني مع الاعلان عن حضوره في هذه الارض منذ قرون وقد استعيد لاجل اسبانيا) . ومع التوصل الى هذا الاتفاق الفريد اعطى العمل الاسلامي فرصة التمتع بحرية كاملة في ممارسة الحقوق في جميع الميادين العامة والخاصة. هذا التأكيد ليس من جانبنا فقط فالزعيم التونسي لحركة الاتجاه الاسلامي, السيد الغنوشي, توصل الى استنتاج في الاتجاه نفسه حيث يقول:( مثل ديار الاسلام, حيث الارض التي يستطيع المسلمون العيش فيها بحرية وامان وهم يمارسون دينهم من دون خوف او خشية, فإن الديمقراطيات الغربية الحديثة قد تحولت بشكل ملموس, الى ديار للاسلام) . ومع ابرام هذا الاتفاق نشأت حقيقة جديدة داخل مجموعة المؤسسات الاسلامية المعروفة, فهناك تنظيم غير حكومي يمثل العمل الاسلامي رسميا داخل دولة ديمقراطية, تنظيم تحول الى وكيل للشئون الاسلامية بالطريقة نفسها التي يعمل بها وزير للاوقاف والشئون الاسلامية في دولة اخرى والفروق واضحة بين وزارة الأوقاف والتنظيم المشار اليه, فالمجلس الاسلامي الاسباني ليس اعضاؤه موظفين وانما هم منتجون بشكل ديمقراطي من قبل المجتمعات المؤلفة للجمعيتين اللتين تشكلان المجلس. ومن بين الممارسات اليومية المعبرة عن حرية التعامل مع الاسلام من قبل معتنقيه في اسبانيا نورد, على سبيل المثال, تلك الاختصاصات في تعليم مادة الدين الاسلامي في المدارس العمومية, التي تعطى ضمن البرنامج الرسمي للدوام المدرسي من قبل مدرسين يختارهم المجلس الاسلامي, وتدفع لهم الدولة الاسبانية مرتباتهم كذلك الامر بالنسبة لموضوع الزواج الاسلامي وفي الحضور الرسمي للخدمات الدينية داخل الجيش والمستشفيات والسجون ومواقع اخرى مشابهة في العمل العام بالاضافة الى موضوع المقابر الاسلامية. ومن جانب اخر فمن حقوق المسلمين المنتمين للمجلس الاسلامي هناك مسألة السماح بعطلة عمل ايام الجمعة من كل اسبوع, كذلك انهاء وقت العمل قبل ساعة من مغيب الشمس خلال شهر رمضان. واستمرارا لذلك فإن العمال المسلمين لهم الحق في المحافظة على كل مناسباتهم الدينية مثل رأس السنة الهجرية, عاشوراء, المولد النبوي الشريف, الاسراء والمعراج , عيد الفطر, عيد الاضحى, الشيء نفسه ينطبق بالنسبة للطلاب المسلمين الدراسين في مدارس عامة او خاصة وهؤلاء يتم اعفاؤهم من حضور الدروس ومن اداء الامتحانات في ايام الجمعة. وبالاسلوب نفسه تتعاون الدولة الاسبانية مع المجلس الاسلامي الاسباني في المحافظة على الارث الاسلامي التاريخي الفني والثقافي في اسبانيا بالاضافة الى دعمه وتشجيعه وذلك من خلال جدول وفهرسة هذا الارث كذلك الامر بالنسبة لانشاء الجمعيات والاتحادات واي مؤسسات اخرى ثقافية تخص من يشكلون جانبا من ممثلي المجلس. كذلك هناك اختصاصات في الطعام الحلال يعبر عنها من خلال منح شهادة او رخصة الذبح الحلال للمنتجات التي تعد وفق مقتضيات الشريعة الاسلامية والدولة ملزمة باحترام حق استهلاك الاطعمة الحلال في جميع المؤسسات او المراكز المستقلة التابعة للادارات العامة. وتستكمل الحقوق الفردية هذه بالحقوق المتعلقة بالمساجد والاوقاف وبالحق الاساسي وهو حق تمويل المنظمة الاسلامية بأرصدة من المال العام تخصص لهذا الغرض. ليس غريبا اذن ان تشكل المنظمة الاسلامية في اسبانيا نموذجا يتيح الكثير من الامكانات للمنظمة الاسلامية في المستقبل ونقول نموذجا لانها تمثل نوعا من المنظمات التي تتجاوز في شكلها وفي نظريتها تلك المشروعات القديمة المتوارثة في عصرنا هذا للمنظمة السياسية التي اسست للكثير من الصراعات بين مجتمعات اسلامية مختلفة. وفي المقام الاول المسلمون الاسبان منظمون كمجتمع ديني , اي مايشبه مجتمع امة, محدد بكون متطلبات الانتماء الوحيدة له هي متطلبات دينية, لكن في اطار دولة علمانية, مع ذلك فإننا كجزء نشط من الدولة الديمقراطية لا نشعر نحن المسلمين, بأي شكل بأننا غرباء عن مجتمع هو لنا, ويعترف بحق الحرية الدينية التي تسهل على المسلمين مهمات ادارة شئونهم الخاصة بأنفسهم, وهو امر يعني فيما يعنيه الموافقة على قواعد ادارة المجتمع الديمقراطي, ولأجل المطالبة بحقوقنا كمواطنين مسلمين فإننا نعتمد على الآليات التي تقدمها لنا الديمقراطية وبالتزامن مع النضال بهدف توسيع نطاق حقوقنا وذلك ينعكس بدوره على الاعتراف بحقوق الآخرين. وهكذا فكل جهد يبذل لتنمية الهامش التنظيمي الاسلامي يصبح بدوره جهدا لتنمية هامش الديمقراطية ذاته. بدون شك هذا هو الطريق للاستمرار بالمستقبل في عالم اقل مايقال فيه ان العولمة تعمل على تدمير الانظمة الاجتماعية القديمة, سائرة, وان لم يكن بدون معاناة او تنقاضات, باتجاه اشكال تنظيمية سياسية واجتماعية اكثر تعقيدا, اشكال يجب ان تكون ديمقراطية لتكون ذات كفاءة. وفي الحالة الاسبانية, فإن النموذج الجديد للتنظيم الاسلامي استطاع ان يصل الى ماهو عليه لسببين اثنين, الاول هو الوجود المسبق لدولة ديمقراطية, علمانية, وجماعية, والثاني هو ان تلك الدولة تعترف, من خلال اتفاق للتعاون مع المسلمين الاسبان, بأن الاسلام هو دين عريق في اسبانيا, ويساهم في تشكيل هوية الدولة الاسبانية. هذا هو النموذج النظري الاعلى للتنظيم الاسلامي خارج نطاق دولة اسلامية, ونفكر بوجوب الاعتراف بنظامه الخاص مفاهيميا في المنظمات الاسلامية عموما. وبناء على هذا الاساس طلب المجلس الاسلامي الاسباني الانضمام الى منظمة المؤتمر الاسلامي, ليس كدولة, ونحن لسنا كذلك, وانما كمنظمة رسمية على مستوى الدولة, الامر الذي يمكن المؤتمر من تجاوز النموذج الحالي للتنظيم وفتح المجال امام نموذج تنظيمي جديد, ولقد كنا الأوائل في هذه الخطوة ونعرف ان المؤتمر قد وافق على اقتراحنا الذي نقومه على انه اقتراح تاريخي بلا شك. الى ذلك فمنظمتنا تتميز بكونها مدمجة ضمن اطار تعايش ديمقراطي, ومساهم في عملية بناء مستمرة والمجتمع الاسلامي يشارك فيها بشكل نشط بالنسبة للمحافظة على هذه الاطار وتوسيعه, هذه المنظمة (المجلس الاسلامي الاسباني) لا تعرف عبر علاقتها بأرضها عضويا, وانما عبر علاقاتها الروحية, بهذا المعنى فإنها تنصهر بشكل كامل مع النموذج الاصلي للتنظيم الاسلامي, الذي ولد انطلاقا من تجربة المجتمع الاسلامي في مدريد..