السيجار يتحول لمدخل للحوار في بغداد ، أولبرايت تمطر عنان بالإهانات فيكتفي بالرد بالأسئلة بعد ساعة من لقاء كوفي عنان الشهير مع الرئيس العراقي صدام حسين في فبراير 1998 أخذا يدخنان السيجار الفاخر, ولما لاحظ صدام ان السيجار الذي قدم لعنان كان مخدوش الغشاء دعاه بلطلف لتناول سيجار آخر سيكون طازجا تماما وأشهى, ثم دعاه لتناول بعض التمر العراقي والجزائري. في ذلك الجو الودي بادر كوفي عنان بتقديم التهنئة لصدام حسين على تمكنه من اعادة بناء كثير مما دمر أثناء الحرب, قال صدام انه ذهب قبل أيام قلائل ليزور أحد قصوره التي دمرت وأعيد بناؤها وحدث عنان بأنه نطق حينها بقوله: (يا لك من قصر جميل! كم أتمنى ألا يعودوا فيدمروك, ولو فعلوا لعدت لها بنائك مجددا) . قال صدام ذلك قبل أن يتلقى مفاجأة أخرى من عنان فقد نقل له تهنئة حارة من الرئيس الفرنسي جاك شيراك ممزوجة بالاعجاب بالقدرة على اعادة البناء. مثل هذا اللقاء الحميم كانت تخشاه بشدة وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت, لذا حاولت أن تمنع وقوعه ابتداء. فقبل أن يشد عنان الرحال إلى باريس, متوجها إلى العراق, وجهت إليه أولبرايت السؤال التالي: هل إذا منعتك من زيارة العراق ستطيع وتمتنع؟ كان السؤال مهيناً جدا لعنان, ولذا رد عليه بسلسلة من الأسئلة الاستفزازية قائلا: (هل تفهمين معنى ما تقولين؟ إنك إذا تجرأت عليّ باعطائي أمرا بالامتناع عن الذهاب, فأنت تخالفين بذلك حقي القانوني في الذهاب, وبالاضافة إلى ذلك فهل تعرفين ماذا يقول ميثاق الأمم المتحدة عن مهام المنظمة العالمية, وسكرتيرها العام؟ وهل تعرفين ماذا يقول ذلك الميثاق عن حدود دورك أنت كممثلة لبلدك بالمنظمة؟ وهل تعرفين انك بمحاولتك منعي من الذهاب تكذبين نفسك, عندما تدلين بالتصريحات القائلة انك تريدين حلا دبلوماسيا لمشكلة رفض العراق دخول المفتشين الدوليين أراضيه, ثم انك برفضك ذهابي تهيئين الجو لحل عسكري للموضوع ألا تخشين على مصداقيتك من التخلخل والانهيار؟) . ماجت مادلين أولبرايت غضبا ازاء اصرار كوفي عنان على الذهاب إلى بغداد, وخفت إلى لقائه في اليوم التالي بمنزله, قبل أن يغادر نيويورك. وفي جلسة الغداء بمنزل عنان واصلت أولبرايت مسلسل التوجيهات والاملاءات, ولكن بلهجة أقل وقاسمة, إذ اكتفت بايضاح حدود ما تطلبه أمريكا من العراق, وهو السماح للمفتشين الدوليين بدخول كل القصور الرئاسية بلا استثناء, وان يحتفظ المفتشون بحق العودة متى شاءوا لتفتيش تلك القصور. ولقاء ذلك التنازل, قدم عنان تنازلا آخر لأولبرايت قائلا انه ليس ضد أمريكا, ولا يريد عرقلة ارادتها في موضوع اخضاع العراق للتفتيش, ولكنه يحاول أن يكسب مواقف الأعضاء الخمسة الدائمين بمجلس الأمن, وانه لا يضغط على أمريكا, وإنما يحاول أن يجرها جرا لطيفا ليتوافق موقفها مع بقية الأعضاء الدائمين بالمجلس, وذلك كما تتطلب وظيفته كأمين عام للجمعية العامة للأمم المتحدة. كلينتون على الخط لم يكن عنان مدفوعا لدوافعه الذاتية للذهاب إلى بغداد, وإنما كان يستجيب لضغوط من أعضاء آخرين في مجلس الأمن, على رأسهم الروس والفرنسيون. وهذا ما أثار حفيظة الرئيس الأمريكي الذي هاتف عنان قائلا: (هل جُنَّ جنون العالم؟ إن الكل يتسابق لارضاء رجل خارج عن دائرة الشرعية الدولية, ورفض تطبيق قرارات مجلس الأمن) . وكانت تلك المحادثة الهاتفية بمثابة تحذير لعنان, بألا يمضي بعيدا في الاستجابة لضغوط مطالب الأعضاء الآخرين بمجلس الأمن, كما كانت بمثابة تحذير بأن الولايات المتحدة ستواصل تمنعها عن دفع المبالغ المتأخرة عليها لصالح الأمم المتحدة, طالما ان سياستها تجاه المتشددة العراق غدت لا تجد الدعم الكامل من المنظمة الدولية. وصل عنان إلى باريس والتقى بجاك شيراك, الذي زوده بنصائحه عن الطريقة المثلى للتعامل مع صدام حسين, إذ ان معلومات صدام حول كثير من الأمور تبدو ناقصة, ثم انه يطيل الكلام, ويتكلم ببطء, وتتخلل أحاديثه فترات صمت, وإذا قاطعه شخص ما فسدت أفكاره, لانه مستمع جيد, وفي خلال الاستماع ينسى ما يريد أن يقول... إلخ. استمع عنان جيدا إلى ذلك النصح, وطبقه عندما التقى بصدام حسين, الذي لم يعرف أين التقى به, لانه تم اصطحابه في سيارة إلى مكان مجهول يقيم به صدام, قد يكون في أطراف بغداد, أو في الصحراء, أو ربما في قصر رئاسي في قلب المدينة. خاطب عنان مضيفه قائلا: (إني أتوسل إليك بمهارتك كسياسي مقتدر وبشجاعتك وحكمتك لكي تيسر انجاز مهمتي هذه, وتزيل بقية العوائق من أمامها, وبما يسمح لي أن أذهب بعد ذلك إلى مقر الأمم المتحدة بمقترحات عملية نهائية, تفتح الطريق أمام العراق, ليقوم بتطبيع علاقاته مع بقية دول العالم. وعندما قرأ عنان تلك الكلمات الاستهلالية, توقف قليلا ليقرأ سرا تنبيهات مساعديه, ممن حرروا له ذلك الخطاب, فإذا هي تقول: قف الآن, وانظر إلى وجه صدام حسين, واقرأ انفعاله بما قلت. ثم واصل عنان يقول: (انني أفهم تماما ما يواجهه العراق من حصار, وأعتقد انه قد بدأ يتفهم الآن, انه يستطيع أن ينهي ذلك الحصار, إذا ما تعاون معنا) . واستطرد عنان في مدح صدام قائلا: (أنك بلا شك باني العراق الحديث, لقد حطم العراق الحديث بعد حرب الخليج, ولكنك أعدت بناءه من جديد, بكل جدارة واقتدار, فهل تريده أن يتحطم مرة ثانية؟ لقد اشتكيتم كثيرا من معاناة الإنسان العراقي بعد الحرب. ولكنكم تستطيعون رفع تلك المعاناة عن كاهل العراقيين, إذا ما تعاونت معي لوضع اتفاق معين, لمنع مزيد من القصف الأمريكي - البريطاني للعراق, انك تستطيع بذلك أن تنقذ العراق وتحميه من القصف) . وهنا أتى صدام بمفكرة ذات ورق أصفر, وبدأ يسجل عليها بعض المعلومات, فظن عنان انه قد تمكن من صدام, أو على الأقل قد نفذ إليه, فأضاف قائلا: ان دولا عدة, بالاضافة إلى الفاتيكان, قد شجعته على التوصل إلى اتفاق معقول يحمي العراق من القصف, ويفتح الطريق أمامه للتطبيع. مضت ثلاث ساعات وعنان يحدث صدام ولما تكلم الرئيس العراقي أسبغ على كوفي عنان صفة الشجاعة قائلا: (انني أعرف انك رجل شجاع) وفي ذلك اشارة إلى المخاطرة التي ركبها عنان بقدومه إلى العراق, ثم أردف صدام: (مرحبا بك في العراق, في أي وقت تشاء, وحتى ولو جئت لتقضي اجازة هنا... وهذا بالطبع إذا لم يسبب لك ذلك احراجا دوليا) . زيارة أم تفتيش؟ كادت آمال عنان تنهار عندما أبدى صدام اعتراضا على كلمة (تفتيش) في مسودة الاتفاق, وقال مهما تكن فهي مجرد زيارة لا مهمة تفتيش. واعترض عنان قائلا ان كلمة (زيارة) كلمة ضعيفة, ولا تعبر عن مضمون مهمة فرق التفتيش, وان مجلس الأمن لن يقبل بتلك الكلمة, وعليك أن تتذكر انني أفاوض بالنيابة عن مجلس الأمن, ولا أعبر عن رأيي الخاص, وهنا رد صدام قائلا: إذن لنستخدم كلمة (دخول) بدلا عن (تفتيش) , أو (زيارة) . وتنفس عنان الصعداء على خلفية ذلك التراجع من صدام, واهتلها فرصة لكتابة صيغة أخرى أقوى من صيغة (الزيارة) , وأقل استفزازا لمشاعر العراق من كلمة (تفتيش) واقترح أن تصاغ الفقرة كلها لتكون كالآتي: (الدخول في المرة الأولى والمرات المقبلة بصدد انجاز المهمة المكلف بها الفريق) فوافق صدام على الفور, وعقب ذلك أفرغ في جوفه كوبا آخر من عصير البرتقال, وصافح عنان مودعا. ورفض عنان أن يكشف عن نص الاتفاق الذي توصل إليه مع صدام حسين, خشية أن تطرأ عليه تعديلات متلاحقة من بعض الدول, واكتفى بأن هاتف رؤساء الدول الخمس الأعضاء بمجلس الأمن, مؤكدا لهم انه توصل إلى اتفاق معقول مع صدام, إلا ان مادلين أولبرايت المعروفة بتشبثها وتماديها, أبت إلا أن تطلع على النص, ولذا اتصلت هاتفيا, في وقت متأخر من بعد منتصف الليل, بالوفد المرافق لعنان ببغداد, تطلب اطلاعها على النص, فقالوا: انه مع عنان, وان أنا عنان مستغرق في النوم, بعد جولة مفاوضات مرهقة مع صدام, فأبت إلا أن يوقظوه, فاستيقظ عنان ورد عليها بجفاء وهو نصف نائم قائلا: (ان النص لم يكتمل بعد, وعند اكتماله فانك ستطلعين عليه) . فأصرت أن تطلع عليه فورا, قبل اكتماله, فرفض عنان بتصميم, وطلب منها أن تنتظر مع المنتظرين. لماذا غضب عنان؟ ولم تتوقف متاعب عنان بلجمه لأولبرايت, إذ أتى العراقيون صباح اليوم التالي, يطالبون باجراء تعديلات على النص الذي سبق أن وافقوا عليه أمس, فرفض أن يستجيب لمسعاهم بحسم, فتراجعوا عن ذلك المطلب, ليرفعوا مطلبا آخر يتعلق بقرار مجلس الأمن, الذي سمح للعراق بضخ كمية معينة من النفط, لتغطية ثمن أغذية وأدوية للعراق, والمعروف ان النظام العراقي لم يبذل جهدا مقدرا لتنفيذ ذلك القرار, ولم يضخ كمية النفط المسموح بها, بدعوى ان تقنية الضخ العراقية, لا تسعف بانجاز ذلك الهدف (في حدود 5.2 مليار دولار) .. كانت تلك هي إحدى المرات القليلة التي استشاط فيها عنان غضبا, وخاطب جمعا من الوزراء العراقيين المجتمعين به, بحدة بالغة: (انني مستغرب أشد الاستغراب, بل اني محبط غاية الاحباط, لاني بذلت منتهى الجهد لكي استصدر قرار النفط مقابل الغذاء لصالح العراق, وكنت أظن انكم ستبادرون فورا لتنفيذه, ولكنكم للأسف تتلكأون, ثم انكم تجأرون الآن بالشكوى, هذا في الوقت الذي كنت أتمنى أن أسمع منكم على الأقل كلمة شكر أو تقدير لجهودي في ذلك السبيل, يجب أن تتوقفوا عن ادمان التذمر والشكوى, وعليكم أن تصلحوا من شأن لغتكم في التخاطب, ولكي يظهر عليكم نوع من الاعتدال) . كانت ملامح عنان صارمة, وكلماته قاطعة, فأصيب الوزراء العراقيون بالوجوم التام, وكذا وجم أعضاء الوفد المرافق لعنان, لانهم قلما شهدوه وهو يتكلم بغضب من قبل. وعندما قابل عنان الرئيس الفرنسي شيراك في باريس, غمره شيراك بالمرح, الأمر الذي خفف عنه كثيرا من التوتر الذي سببته له بغداد. وأقام له شيراك وليمة عشاء, ومازحه قائلا: ان طائرتي الرئاسية التي أقلتك إلى بغداد لم تجد احتفاء اعلاميا يشبه ما لقيته في اليومين الماضيين, وذلك منذ أن اشتريناها من زمن طويل.. وما تابعت الأخبار في أي قناة تلفزيونية, إلا ورأيت الكاميرات مسلطة على طائرتي. وبالفعل كانت رحلات عنان تاريخية, حيث زادت من شعبيته, وأضفت بريقا هائلا على منصب الأمين العام للأمم المتحدة, لم يلقه منذ أيام الأمين الأسبق, داج همرشولد, الذي لقى حتفه, وهو يؤدي مهمة إنسانية, مثل مهمة عنان, وذلك بالكونغو في الستينيات. كان الكل متحمسا لمهمة عنان إلا الأمريكيين, وريتشارد بتلر, وكان هذا الأخير يؤيدها علنا, وينتقدها سرا. وقد لقي عنان استقبالا تاريخيا في مقر الأمم المتحدة غداة عودته إلى نيويورك, وأثبت مجمع الدبلوماسيين, انه دبلوماسي حر, يؤدي دوره بجدية كاملة, تجاه تأمين السلم الدولي, ولكن سرعان ما خذله العراقيون إذ عادوا للمماطلة ونفض الاتفاقيات, ولكن عنان لا يزال مصرا على إيمانه بأن قصف العراق لا يحل المشكلة, ولا يحول دون محاولاته لاعادة التسلح, إنما يحول دون ذلك وجود دائم, أو شبه دائم, لفرق التفتيش, وهذه لا يمكن أن تؤدي دورها إلا بتعاون العراق معها, وتوحد مجلس الأمن ضد العراق وهاتان المهمتان تمثلان لب الحل الذي ينبغي أن يتخذه لحل مشكلة العراق, وهذا ما يحاول انجازه بدأب وصبر كوفي عنان. إلى كوسوفو ثم تيمور كان انطلاق طائرات حلف ناتو لقصف صربيا, تصرفا غريبا, لانه كان تطوعا من الحلف لتنفيذ قرارات مجلس الأمن, وذلك من دون أن يطلب المجلس منه ذلك. وقد مثل ذلك التصرف أول سابقة عالمية لقصف اقليم دولة مستقلة, لتحقيق أهداف تتعلق بوضع مواطني تلك الدولة. ولقد تم انجاز ذلك القصف, برغم ان بطرس غالي, كان يرفض من قبل حدوثه مدعيا, ومكررا ادعاءه, بأن هنالك عشر حالات في العالم, كلها أسوأ من حالة كوسوفو, فلماذا الضغط على حالة كوسوفو قبل الحالات الأخرى؟ لم تأخذ دول ناتو والمجموعة الأوروبية بملاحظات غالي ومناشداته, لان المشكلة كانت على مرأى أعينهم وليست بعيدة عنهم تخفيها أدغال افريقيا, أو جبال أفغانستان, وهي المناطق التي زعم غالي ان أوضاعها أسوأ من أوضاع كوسوفو بكثير, كما ان تعنت حكام يوغسلافيا ورفضهم لكل الواسطات كان لابد أن يحسم بالقوة, وإلا اهتزت أوضاع الديمقراطية في أوروبا لا سيما في الأقطار الجديدة المنسلخة عن المنظومة الاشتراكية التي كانت تلوذ بناتو والمجموعة الأوروبية وترى في قيمها المثل العليا. لم يكن عنان متعاطفا مع الصرب, كتعاطف د. بطرس غالي معهم, لذا سهل مهمة الناتو, على الرغم من ان الناتو تجاوز مجلس الأمن, ولم يستأذنه وهو يؤدي مهام القصف. كان عنان مقتنعا بمهمة الناتو, على الرغم من انه اعترض عليها بعبارات حاسمة, بسبب عدم استكمالها للشروط القانونية, وفي الوقت نفسه أدان السلطات اليوغسلافية لعدم استجابتها لمناشدات مجلس الأمن, ولعدم تطبيقها لقراراته, ولخرقها للاتفاقيات التي وقعتها مع ثوار جيش تحرير كوسوفو.. لقد أخفى عنان تأييده لاستخدام القصف ضد يوغسلافيا مع انه كان يرفض ظاهرا وباطنا. استخدام القصف ضد العراق, وهنا اختلف عنان مرتين عن نمط تفكير د. غالي, كما كان أكثر وفاء من غالي لأفكاره, التي طرحها عن بعثات حفظ السلام, لقد كان د. غالي نظريا أكثر مما يجب, كتب تنظيرا متكاملا عن آلية حفظ السلام, ولكنه رفض مع ذلك ارسالها أو استخدامها في البوسنة وكوسوفو. وجاء دور تيمور الشرقية, التي حرص الغرب على حسم أمرها في أثناء اشتعال أزمة كوسوفو, حيث بدا التهديد واضحاً للحكومة الاندونيسية الضعيفة, بأنها قد تتعرض للقصف الذي تعرضت له يوغسلافيا, فانصاعت حكومة يوسف حبيبي, وقبلت باجراء الاستفتاء وسط سكان الاقليم ليحددوا مصيرهم, ان كان انفصالا أو اتصالا بالاقليم الاندونيسي, وخصص مجلس الأمن بسرعة غريبة مبلغ 50 مليون دولار لتثقيف السكان بالموضوع, وتعليمهم كيف يصوتون في الاستفتاء, ومن جانبه حرص عنان على اطالة أمد ذلك البرنامج التثقيفي, ريثما تستطيع حكومة يوسف حبيبي اخماد حركة الميليشيات المؤيدة لبقاء تيمور الشرقية في اطار جغرافية اندونيسيا, وتمكن عنان ببرنامجه التثقيفي من اقناع 98% ممن يحق لهم التصويت بأن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع, ليصوتوا للحل الذين يوافقون عليه. وحرص عنان على أن يعلن نتيجة التصويت فور الانتهاء من فرز الأصوات, فأعلن ان 88% من الشعب يريد الاستقلال, وتوصل إلى اتفاق مع الحكومة الاندونيسية على أن تحافظ على الأمن في الاقليم ريثما يجتمع البرلمان الاندونيسي ويلغي قراره السابق في 1976 بضم تيمور الشرقية إلى اندونيسيا.. ولما استمرت الميليشيات المطالبة بالانضمام إلى اندونيسيا في المقاومة, ضغط عنان ضغطا شديدا على الرئيس الاندونيسي السابق يوسف حبيبي, لكي يضبط قوات الجيش الاندونيسي ويلزمها بمقاومة تلك الميليشيات. جعل عنان قضية تيمور الشرقية مركز اهتمامه بعد كوسوفو, ومنع تكرار دروس كوسوفو وافريقيا فيها, واستعجل تنفيذ تعليماته بفصل تيمور الشرقية, وايقاف المذابح فيها, قبل أن تستشرى, كما استشرت بكوسوفو, ومن قبل برواندا, والصومال, وزائير ولأجل ذلك وجه عنان صفعة مهينة لحبيبي, ولجنراله ويرانتو, عندما وضعهما أمام خيارين ان يقوما بحسم المذابح, أو ان يتركا ذلك الشأن لمجلس الأمن, فما كان من رد حبيبي إلا أن طلب من عنان أن يرسل بعثة حفظ سلام دولية لتتولى اقرار الأمن بالاقليم, وذلك بعد أن خاطب عنان بوصفه (صديقه الحميم) . كان فصل تيمور الشرقية بأقل التكاليف الممكنة قمة نجاحات كوفي عنان, وقمة نجاحات الأمم المتحدة, وبعثات السلام, التي تستهدف أن تكون تجربتها هي التجربة المأمولة لتحقيق حلول مثلى لمثل تلك الشئون, بعيدا عن استخدام القصف المدمر للبيئة وللسكان.