ما الذي يربط حقوق الإنسان بمناجم الماس ، الأمم المتحدة تقف موقف المتفرج من ممارسات بتر الأطراف في افريقيا في فبراير 1996 قام الثوار في سيراليون بقطع أصابع, وأيدي, وأنوف, وشفاه ألوف المواطنين, بسبب تصويتهم, أو نيتهم للتصويت في الانتخابات الديمقراطية. وقد كانت الميليشيات التي يرتدي أفرادها الملابس العسكرية تنقض على المواطنين وتقبض عليهم وتجري فيهم تلك الجراحات البشعة بالسكاكين العادية على قارعة الطريق, وقد أتيح لي أن ألتقي هناك بأعداد من أولئك الضحايا, بعضهم قطعت أيديه إلى المرفقين, يشتكون مُرَّ الشكوى من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. كان غرض تلك الميليشيات, التي تضم أكبر جيش نامٍ في العالم من الأطفال والمراهقن, هو ايقاف أول انتخابات حرة تجري في سيراليون خلال تسع وعشرين سنة, ولكنها فشلت في ذلك فبنهاية فبراير أجريت الانتخابات, ولم يتمكن أحد من منع الشعب من التصويت, وان كانت تلك الميليشيات قد أفسدت نتائجها بنشرها للفوضى والخوف والجوع بين الناس, وأصبحت البيوت التي كانت حتى في أيام الدكتاتورية أحد أغنى أقطار غرب افريقيا وأعلاها في معدلات التعليم أحد أفقرها وأتعسها الآن. بيع برج الإذاعة تصاعد التضخم بمعدلات فلكية, وانقطعت خدمات الكهرباء في العاصمة فريتاون, وانعدم أي نوع من الوقود تقريبا, واختفى الأرز, وهو المحصول الذي كانت سيراليون تصدره إلى الخارج, فيما سلف, وتوقفت الحكومة عن دفع مرتبات جميع الموظفين المدنيين, وأصبح كبار الموظفين يتصرفون في ممتلكات الدولة, وكأنها ممتلكاتهم الشخصية, وكمثال على ذلك فقد قام أحد كبار موظفي الاذاعة ببيع برجها, واشترى بثمنه سيارة مرسيدس فارهة, أخذ يتجول بها بين الأنقاض باستمتاع. أصبحت سيراليون على شفا التمزق, وبجوارها كانت ليبريا تغلي بالثورة, وكان صغار شبابها يكونون ميليشيات غاضبة, عدمية, لا هدف لها ولا مرمى إلا التخريب. يقودها شارلس تايلور, وعندما انتصرت تلك الميليشيات على خصومها, ومزقت مسلمي ذلك القطر, ولعبت كرة القدم برؤوسهم, اتجهت (لانقاذ) سيراليون من مسلميها, لا سيما بعد أن فازوا في تلك الانتخابات التي أوصلت أحمد تيجات كأول رئيس منتخب في انتخابات حرة لحكم سيراليون. اجتاحت تلك الميليشيات في مارس 1991 سيراليون, وكانت فرصة سانحة لشخص يدعى فودي سنكوح, كان يعمل بالجيش السيراليوني ليطلق على أولئك الغزاة اسم (الجبهة الثورية الموحدة لتحرير سيراليون) , وليعطي نفسه لقب قائد تلك الجبهة! ظل سنكوح قائد ذلك الزحف (الثوري) متخفيا وسط أنصاره من القتلة, ولم يره أحد في منتصف التسعينيات, وعندما بدأ يوجه بعض الخطب, ويسمح باجراء مقابلات صحفية معه, اتضح انه مدفوع بعوامل شخصية, تتصل بفشله في ان ينجز أي نجاح في اطار مجتمعه, ولا يدفعه الى ذلك أي عامل أيديولوجي أو عامل عام, وبدا فظا, غليظ القلب, أو ذا قلب ميت, بالأحرى بلا قلب, بدا شخصا لا يحمل أدنى احساس بالذنب تجاه ما تقترفه ميليشياته من جرائم وسط السكان العاديين. فعندما سأله مراسل (نيويورك تايمز) , هوارد فرينش, عن ذلك أجاب: عندما يتصارع فيلان أو أسدان, أين سيقع الضرر ومن سيعاني من أثر الصراع.. إنه الحشيش وخشاش الأرض.. أليس كذلك؟! وهكذا حل الضرر على المدنيين من عامة شعب سيراليون! انقلاب بالصدفة! عندما أشرف (الثوار) على اقتحام العاصمة (فريتاون) طلب الرئيس السيرياليوني (موموه) من بريطانيا أن تساعده ببعض المستشارين, والاستخباريين, ومعدات الاتصالات, إلا انها رفضت الاستجابة لطلبه, فلجأ إلى تجنيد العاطلين من الشباب والمراهقين, ليواجه بهم زحف (الثوار) , والغريب ان ميليشيات الحكومة اتبعت النهج الذي جرى عليه المتمردون نفسه في ترويع المدنيين, وقلما اصطدمت بميليشيات الثوار, وعندما عمَّ الهرج والمرج أنحاء سيراليون, اشتكت قيادة الجيش إلى الرئيس (موموه) وقدمت إليه عريضة احتجاج مفادها ان سياساته أضعفت معنويات الجيش, وهنا وقع أغرب انقلاب عسكري, حيث انه وقع بمحض الصدفة, ولم يسبقه أي نوع من التخطيط, ولم يكن في نية من قاموا به, ولا خطر لهم أن ينفذوه. عندما تقدم قادة الجيش بعريضتهم إلى رئيس (موموه) , ضاق منهم وخشي بأسهم وشرهم, فظن انهم قد قدموا لا محالة لقتله, والانقلاب عليه, ففر من الباب الخلفي للقصر. وهنا اندهش مقدمو العريضة غاية الدهشة. وعندما تأكدوا من ان القصر قد خلا لهم تقدموا واحتلوه فورا, ثم تقدموا إلى دار الاذاعة واحتلوها, وأعلنوا أنفسهم قادة للقطر, ثم شنوا حملة ناجحة ضد الغزاة الليبراليين, وطردوهم من مناجم الماس التي كانوا قد احتلوها, عندما قدموا لتحرير سيراليون في العام السابق. تلقى الغزاة المطرودون مزيدا من الدعم من قائدهم شارلس تايلور, وعادوا في 1995 لغزو سيراليون, وعندما أصبحوا على مشارف العاصمة فريتاون تدخلت نيجيريا بقوة ضغط سلام (اقليمية) لنجدة سيراليون. وعلى إثر ذلك التدخل النيجيري قرر دكتور بطرس غالي أن يتدخل أيضا, فها هي القوة التابعة للانجلو-سكسون تكاد تستأثر بالنفوذ في سيراليون, وتجتث نفوذ الفرانكفوذين, ولذا أرسل د. بطرس غالي مبعوثا شخصيا له, ليوقف تدهور الموقف لصالح الانجلو-سكسون وقد كان ذلك المبعوث هو الدبلوماسي الاثيوبي (برهانو دينكا) , ثم تدخلت في الموقف وحدات سلام من نوع آخر, عمادها جنود من المرتزقة السود, يقودهم ضباط بيض من جنوب افريقيا. وقد ذكرت تلك الوحدات في تحديد مهمتها انها تتلخص في تحقيق الاستقرار, وتوفير مناخ لاستثمار مناجم الماس, وقد تحدد أيضا في اتفاق بين تلك الوحدات وبين حكومة سيراليون, أن تنال الوحدات أجورها ومكافآتها كاملة من عائدات حقول الماس! وفي غمار تلك التطورات وقع انقلاب آخر في فريتاون بقيادة جوليوس مادا بيو. كانت أخت هذا الانقلابي الجديد قائدة في ميليشيات (الثوار) , وهكذا بدا المستقبل مظلما جدا, يوحي بوقوع القطر أخيرا في أيدي (الثوار) . ولكن العكس تماما حدث, إذ مهد هذا الانقلابي الجديد الجو تماما لاجراء انتخابات عامة, لتكوين حكومة مدنية لسيراليون. بقي (الثوار) يعترضون على ذلك الاجراء, ويمثلون بأجسام الناس, ويبترون أعضاءهم, بغرض الترويع والارهاب, والابعاد عن صناديق الاقتراع, ولكن على الرغم من ذلك فقد سجل 1.4 مليون مواطن من اجمالي 4.4 ملايين ـ هو تعداد السكان ـ أصواتهم للانتخابات وصوت نحو 60% منهم فعلا, وكان تصميم الشعب كبيرا, حيث ظلوا يرددون: قد يستطيع الثوار أن يقتلوا عددا كبيرا منا, ولكنهم لن يستطيعوا أبدا أن يحصدونا جميعا. فاز أحمد تيجان كابا بـ 36% من مجموع الأصوات, بينما نال منافسه جون كاريفا سمارت 22% من الأصوات, لذا تحتم اجراء دورة ثانية للانتخابات وقد أثار ذلك قلق المواطنين, لانهم أحسوا ببوادر انشقاق جديد وسط القوى المدنية, والتي كانوا يأملون أن ينشأ ائتلاف فيها بين الحزبين الذين يمثلهما كل من كابا وسمارت, وهكذا جرت الدورة الانتخابية الثانية التي اكتسحها أحمد تيجان كابا, وقد عمل تيجان عقب فوزه على اللقاء بزعيم الثوار, سنكوح, ولكن الأخير اشترط شرطا عجيبا, وهو أن يتخلص تيجان من كل القوات العسكرية, التي كانت قد أفلحت في طرد قوات الثوار بعيدا عن فريتاون. وقد جاء الاسعاف سريعا لسنكوح حيث اندلع انقلاب من داخل الجيش في مايو 1997 أطاح بتيجان كابا, وأعلن قائد ذلك الانقلاب ان سنكوح زعيم الثوار, هو قائده وموجهه الروحي, ولم تستطع قوات التدخل النيجيرية قمع الثوار. وفي الوقت نفسه لم يتمكن الثوار من حكم البلاد. وأخيرا طالب زعيم الانقلاب بأن يمنح مبلغ 46 مليون دولار لارجاع تيجان كابا إلى الحكم, ولكن لا أحد صدق ذلك الوعد, وبالتالي لم ينل دولارا واحدا من المبلغ المطلوب, بالعكس شنت نيجيريا هجوما كاسحا على فريتاون, دحر قوات الثوار, وأرجع تيجان كابا إلى السلطة. واستبشر العالم بارجاع الديمقراطية الى سيراليون, وأعلن البنك الدولي عن منح القطر مئة مليون دولار لبرنامج إسعاف وانعاش, وأوقف مجلس الأمن حظر تصدير البترول إلى سيراليون, ووافقت دول الكومنولث على ارسال قضاة لمحاكمة العسكر والثوار حيث قضت إحدى المحاكم بادانة سنكوح, في سبع تهم بالخيانة, وقضت عليه بالاعدام, ولكن لم يقبض عليه, ولم يعدم, بل ذهب يؤجج نار الحرب, وهكذا اشتعلت نيران سيراليون في 1998, أي في نفس الوقت الذي كانت تتصاعد فيه النيران من كوسوفو في قلب أوروبا. الرحيل عن سيراليون ولما كانت الدول الكبرى من أعضاء بمجلس الأمن لا مصالح لها في سيراليون, فقد انشغلت بالتالي بموضوع كوسوفو وان كانت قد وجهت كوفي عنان بألا ينسى موضوع سيراليون, وان يحاول أن يبحث عن حل بتكوين حكومة مشتركة بين القتلة والمقتولين, أي باشراك الثوار الاجراميين في الحكم, وهو الأمر الذي أرعب جميع دعاة حقوق الإنسان, ولكن أحمد تيجان كابا انصاع لتوجيهات عنان, وعقد اتفاق صلح مع فودي سنكوح أعطاه بموجبه السيطرة على مناجم وكنوز الماس! وهكذا قرر مجلس الأمن مرة ثانية أن يبيع افريقيا رخيصة جدا بعد أن لم تمض سوى أعوام قلائل على مأساة رواندا. وهكذا ترك السيراليون لحرب ضروس, تطوف عليهم فيها بين كل آونة وأختها عصابات البتر لتستأصل من أيديهم وأقدامهم وأنوفهم وشفاههم ما تريد. لقد انشغل مجلس الأمن مجددا بالأشياء الأهم مواصلا لجهده القديم لتوطين السلم في كمبوديا واعادة بنائها اقتصاديا, ثم لاخماد النيران في يوغسلافيا, فكل ما في آسيا وما في أوروبا هو من قبيل المهم, أما ما يجري في الصومال أو في رواندا, أو بورندي, أو الكونجو, أو ليبريا, أو سيراليون فهو هامشي لان أرواح الأفارقة ليست لها - في نظر مجلس الأمن - قيمة الأرواح نفسها في آسيا وأوروبا. من هو عنان؟ إن وجه المأساة الأكثر بشاعة هو ان شناعات افريقيا, واهمال الأمم المتحدة لها قد يتصاعد في ابان رئاسة افريقيا الحالية للأمم المتحدة, ممثلة في كوفي عنان, ولكن يمكن القول هنا بأن عنان هو مجرد فرد, وان المؤسسة في أغلب الأحيان هي أضخم من الفرد, وأقوى منه, وان لها أجندة, وبما لا يرضي عنها ذلك الفرد الموظف فيها, حتى ولو كان بحجم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. لقد صحبت كوفي عنان, وتحدثت معه كثيرا, في أوائل التسعينيات, ولمست نواح جذابة في شخصيته, أبرزها انه على الرغم من طول انخراطه في عمل المنظمات الدولية, إلا انه لم يصبح بيروقراطيا, وإنما حافظ على شخصية حرة, ذات تفكير خلاق, وهو يتعامل مع الناس تعاملا طبيعيا, ومقنعا في ذات الوقت, انه ليس طويل القامة, ولكنه مع ذلك ذو هيبة, لانه وقور, ومهذب, وهادئ الطبع, ولانه يتحدث بلطف, وغالبا ما يتملكه الغضب. وبهذه الصفات, فهو يختلف عن أي شخص آخر, أتيح لي أن أتعرف عليه في دوائر الأمم المتحدة, وقد ذكر أحد موظفي الأمم المتحدة ملاحظة أخرى عن عنان قائلا: انه يتمتع بصفة قوة نادرة, يتمكن بها من زحزحة الناس عن مواقفهم الصلبة, بدون أن يبدو عليهم انهم هزموا أو تنازلوا عن شيء ما! ولد كوفي عنان في غانا في 1938, لأبوين من قبيلتين مختلفتين, وفي أوائل التسعينيات دعا أهل قبيلة أخرى في غانا كوفي عنان ليصبح شيخا لهم وزعيما لاقليمهم, إلا انه اعتذر عن قبول ذلك المنصب المحلي, لان عينيه ظلتا معلقتين بمناصب عليا أعلى من مستوى الأقطار القومية. والد كوفي عنان كان يعمل موظفا في الشركة الافريقية المتحدة, العاملة في تصدير الكاكاو, وكان كوفي يتنقل مع والده حيث ارتحل, والتحق بمدرسة تبشيرية, ولكنه لم يحب الانصياع للتعاليم الحرفية للكتاب المقدس كما كان يدرس بالمدرسة فضل أن يستبطن تلك التعاليم. وفي ذلك يقول: (انني لم أكن متدينا بطريقة أصولية, وإنما كنت متدينا, ولكني لست على شاكلة أولئك الذين يستشهدون بنصوص الانجيل على أي شيء.. إنني أحتفظ بانجيلي لأرجع إليه وقت الحاجة, ولكيلا أحس بأي لون من ألوان الوحدة القاسية في هذه الحياة). وبعد اكماله سلك التعليم العام التحق كوفي بدراسة الاقتصاد بكلية العلوم والتكنولوجيا بغانا, وتلقى منحة للدراسات العليا بجامعة ميتسوتا بالولايات المتحدة, وعمل بعد تخرجه منها بمصنع دقيق, وكان المصنع على وشك أن يبعث بكوفي إلى غانا لانه كان يزمع تأسيس فرع له هناك, إلا ان ظهور كوامي تكروما, باتجاهاته الاشتراكية حال دون ذلك, وهكذا انطلق عنان إلى جنيف, ليبدأ رحلته الطويلة في خدمة الأمم المتحدة, والمنظمات الدولية, وهي الرحلة التي لا تزال مستمرة منذ 1962. وقد قضى معظمها في حل الازمات, ومنذ زمن طويل ـ يقول عنان ـ فقد تعلم كيف يتنبأ بالأزمات قبل وقوعها. وفي ذلك يقول (انه كلما تلقى عرضا ليشغل وظيفة مستشار للبنك المركزي لأي دولة من الدولة, فإنه يعلم على الفور ان تلك الدولة مقبلة على الانزلاق في كارثة قومية عظمى! لم تسر حياة كوفي عنان كما تمنى, فقد كان يحلم - كما أخبر إحدى الصحف - بأن يكوّن ثروة معقولة عندما يبلغ الخامسة والأربعين من العمر, ليدخل بعد ذلك معترك الحياة السياسية بغانا ثم ليخرج منه وهو في الستين من العمر, ثم ليعمل بالزراعة حتى يموت موتا هادئا على سريره وهو في سن الثمانين. وبدلا عن ذلك ظل كوفي عنان يعمل في قلب الرياح العاصفة مفوضا لشئون اللاجئين, في أيام تكاثرهم في أفغانستان وأمريكا الوسطى وغيرها من البقاع الموبوءة بالكوارث, وقد انفصل عن زوجته النيجيرية خلال ذلك, ثم طلقها وأبقى أولاده منها معه, والتقى بزوجته الحالية, المحامية السويدية, ناني كرونستيدن في 1981, وتزوجها 1984, وانتقل معها إلى نيويورك, حيث تصاعدت ترقياته في سلك الأمم المتحدة إلى أن اختاره بطرس غالي مسئولا عن بعثات حفظ السلام. كان تفاؤل كوفي عنان كبيرا بانتهاء الحرب الباردة حيث ظن ان العالم مقبل على قدر أكبر من التسامح والوفاق. ولكن أمله انهار باندلاع حروب شتى في افريقيا وأوروبا وكانت خيبة آماله أكبر في موطنه افريقيا حيث انتقد بعنف حكوماتها قائلا: انها رفضت في معظمها تزويده بجنود لحفظ السلام لان كل دولة تريد كل جنودها لتستخدمهم في قهر السكان, كما كان عنيفا جدا في نقد كلينتون عندما أمر بسحب الجنود الأمريكان من الصومال, وعندما قال عنان: ان كل من يريد أن يحبط جهود بعثات السلام فما عليه إلا أن يقتل بضعة جنود أمريكان, وعندها ينسحبون, وتنهار كل بعثة السلام. سألته مرة, وقد تضاعفت العراقيل في طريق التجديد لبطرس غالي ان كان يحلم بأن يحل محله سكرتيرا عاما للأمم المتحدة فأجاب بأنه (لا أدري.. وقال ان تلك الوظيفة تتطلب تغييرا شاملا في أسلوب الحياة. فأنا وزوجتي نعيش حياة متواضعة في شقة عادية بنيويورك, وزوجتي رسامة لها محترف فني في بروكلين, وإذا ما أتيح لي أن أصبح سكرتيرا عاما للأمم المتحدة, فسأحاط بحرس دائم, وستحاط به زوجتي أيضا, ولن تتاح لها ممارسة هوايتها الفنية كما تريد. هذا بالاضافة إلى ان وظيفة الأمين العام للأمم المتحدة, وظيفة غير محددة جيدا ولا أحد يعرف ماذا تعني بالضبط, وحتى ميثاق الأمم المتحدة لم يعط لها توصيفا واضحا, فمن يقبل بتلك الوظيفة, يضع نفسه في متاهة عميقة, ويصبح عرضة للنقد والنهش من قبل كل الأطراف) . مع ذلك قبل كوفي عنان بالمنصب عندما عرض عليه. وبالفعل فقد وجد نفسه في قلب الدوامة حيث ظل يتنقل ما بين أطراف العالم, ليحل مشكلاته المشتعلة ما بين تيمور الشرقية, إلى أفغانستان إلى العراق, إلى البوسنة, إلى كوسوفو ومرورا بمواطنه الافريقية في الصومال, وانجولا, وليبريا, وسيراليون, وزائير.