هكذا أصبحت كيجالي مدينة تسبح في الدماء ، غالي يطرح على مجلس الأمن ثلاثة خيارات لمواجهة مذابح رواندا ما الذي أشعل أحداث رواندا وسبب مقتل أكثر من مليون إنسان؟ ولماذا تجاهلت الأمم المتحدة كل مؤشرات تلك المذبحة ونذرها على الرغم من تكاثرها وورودها على طريق رسمي إلى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة؟! تلك كانت قصة طويلة وكانت لها أسبابها الموضوعية ولكن بند المؤامرة فيها واضح وضوح الشمس في رائعة النهار. في مساء السادس من ابريل 1994 سقطت الطائرة التي كانت تقل رئيس دولتي رواندا وبورندي, على اثر قذيفة صاروخية وجهت إليها من جهة ما قريبا من العاصمة كيجالي, وقد قتل الرئيسان وكل من كان على متن الطائرة. وبمجرد سقوط الطائرة اندلعت إحدى أفظع مذابح القرن العشرين وقد تجاهلنا مذبحة كمبوديا لانهم ارتكبوها ضد بعضهم البعض, ولم يرتكبها ضدهم طرف آخر. خارج دوائر أجهزة الاستخبارات, ودوائر القتلة أنفسهم, لا يدري أحد على وجه اليقين من هو الذي أسقط طائرة رواندا, هل هم ثوار الجبهة الوطنية الرواندية, ومن ورائهم الرئيس اليوغندي يوري موسفيني؟ أم هي الحكومة البلجيكية التي لها حساباتها الخاصة في رواندا؟! أم هي عصابة متآمرة من أفراد الحرس الرئاسي والجيش الرواندي؟! لا أحد يدري ذلك على وجه الدقة, ولكن مع ذلك فإن قيادات الهوتو لم تنتظر طويلا لتفكر في الموضوع, فقد كانت مقتنعة سلفا بأن التوتس, ومن ورائهم موسفيني, يتآمرون ضدهم, ولذلك فقد أقدموا على الانتقام بذبح التوتس, وهكذا قضوا الأسابيع الاثنى عشر التالية منغمسين بدم التوتس, وقد كانت تلك الأسابيع بشهادة المؤرخين هي أكثر الأسابيع دموية في التاريخ, إذ كان معدل القتل اليومي فيها يزيد خمس مرات على معدل القتل في معسكرات الاعتقال النازية. لقد فاق عدد ضحايا تلك الأسابيع الاثنى عشر في رواندا, عدد ضحايا الحرب التي دامت أربع سنوات في يوغسلافيا, وقد وقف العالم يتفرج فقط على ما كان يدور من بشاعات مذهلة في رواندا, تلك البشاعات التي لم يشهد لها الإنسان أبدا أي مثيل, وكأنما كان مدبرو المذبحة يضغطون من أجل استمرارها, وكأنما كانت القوى الكبرى راضية عن كل ما كان يجري, أو كانت آملة في تحسن يطرأ على الخريطة السياسية في منطقة البحيرات اثر تنفيذ تلك المذبحة, وهو التحسن الذي برز بعد ذلك مباشرة اثر انتهاء تلك الأسابيع, بتقدم جيش التوتس المسمى بالجبهة الوطنية الرواندية, الذي يرعاه ويدعمه موسفيني, نحو العاصمة كيجالي, لاسقاط حكومتها وانهاء عهد سيطرة الهوتو, أغلبية السكان الساحقة - على رواندا. لا تزيد مساحة رواندا على عشرة آلاف ميل مربع, ولكنها من أكثر الأقطار المأهولة بالسكان في افريقيا, ويتكون شعبها من مجموعتين اثنتين, هما الهوتو والتوتس, تجمعهما لغة واحدة, وثقافة سياسية واحدة, ونظام سياسي واحد, ومع ان التوتس لا يزيد عددهم على 10% من السكان, إلا انهم ظلوا لعدة قرون يحكمون رواندا بمعاونة المانيا, التي كانت تستعمر القطر, ثم بلجيكا التي خلفتها على مهمة الاستعمار, وظل التوتس ينظرون نظرة استعلاء إلى الهوتو, بسبب ما نعم به التوتس من تعليم, ومناصب, وثروات, الأمر الذي اثار عليهم حفيظة الهوتو, ووضعهم في وضع التأهب الدائم لأخذ الثأر منهم, وقد تم لهم ذلك في 1962 عندما استقل القطر فانقضوا على التوتس, ربائب الاستعمار, وطردوا جزءا كبيرا من كتلتهم السكانية إلى خارج القطر. ولكن ها هي الدائرة تدور أخيرا على الهوتو فأبناء هؤلاء التوتس المطرودين هم الذين قادوا حملة الهجوم المضاد الأخير, الذي أعاد التوتس لقيادة حكومة رواندا, ولم تفلح جميع محاولات فرنسا في مساندة الهوتو, على الرغم من انهم طوروا علاقات خاصة بها, ووضعوا أنفسهم في خدمتها, باعتبارهم (فرانكو فونيين) , يحاربون موسفيني, الذي وضع نفسه في خدمة الانجلو سكسونييه, وذلك حسب المعادلة التي يغرم الفرنسيون باستخدامها اطارا نظريا للتحليل السياسي. بعثة سلام مشلولة لقد ضجت جماعات حقوق الإنسان من تلاعب كل من فرنسا وأوغندا بأرواح الروانديين وحملت بعنف ضد هذين القطريين, وحملتهما نصيبا موفورا من أسباب المأساة, واعترفت فرنسا بدورها مع تبريره بمسوغات سياسية ولكن أوغندا آثرت أن تنكر أي دور لها في اشعال الحرب واذكائها, واضطر (الفرانكفوني) دكتور بطرس غالي إلى أن يتدخل - متأخرا - فعين جاك روجر, الكاميروني, ممثلا شخصيا له هناك, كما عين روميو داليير, الكندي, قائدا لبعثة حفظ السلام إلى رواندا, والأخير رجل حسن الطلعة, بشارب وخطه الشيب, وقد وصل إلى كيجالي في اكتوبر 1994, وباستقامته وخلقه وشجاعة عمل على انقاذ الموقف, ثم أصبح أفضل شاهد على الأحداث خلال الأشهر التالية. كتب داليير رسالة يقول فيها: انه منذ أن أرسل إلى رواندا أخبره مسئول الأمم المتحدة, بأنه إنما أرسل في بعثة: (غير مهمة) , وان رواندا ليست في العير ولا في النفير, بمعنى ان ما يدور فيها لا يقلق الضمير, ولا يهدد مصلحة أي دولة من دول العالم, ولذلك فلا بأس بألا يتدخل, وان يترك الأحداث تسير كما هو مرسوم لها, هكذا ذكر داليير انه إنما أرسل في مهمة (رخيصة) لم توضع لها اعتمادات أو امكانات, وقد أغفل قرار مجلس الأمن بشأنها تخصيص أي مصادر مالية لها, وكلف د. بطرس غالي بأن يبحث لها عن أي تمويل يجده من أي مكان, وعندما كتب د. بطرس غالي للمجلس تقريرا يطالب فيه بتحديد موارد تمويل للبعثة واردافها ببعثة ثانية, لان الأمور تتدهور بسرعة في رواندا, واستمر مجلس الأمن في وضع العراقيل في سبيل بعثة حفظ السلام, وكأنما لا أحد يريد السلام لرواندا, أو كأنما كان هناك مخطط مرسوم لسير الأحداث, حرصت بعض القوى النافذة على أن يستمر بلا أي تدخل دولي. الرسالة المذهلة بعد فترة كشف النقاب عن رسالة مذهلة, بعد ارسلها داليير إلى مكتب الأمم المتحدة بنيويورك, لقد أماط فيلي جوريفتش, الصحفي بنيويورك تايمز النقاب عن تلك الرسالة الخطيرة التي كان مصيرها الاهمال. في 11 يناير 1994 كتب داليير إلى مكتب السكرتير العام للأمم المتحدة يقول ان عميلا سريا كان يعمل في السابق في الحرس الخاص لرئيس رواندا, أبلغه بأن الهوتو يدبرون أمرهم لاستئصال شأفة التوتس, وقطع دابرهم, وانهم أعدوا خطة تمهيدية تتلخص في تسيير تظاهرة احتجاجية في ظاهرها, ولكنها تنقلب لافتعال أحداث عنف, تنتهي بقتل كل رؤساء الأحزاب المعارضة, وقتل الجنود البلجيكيين, حتى تضطر بلجيكا إلى سحب وحداتها العسكرية من رواندا, كما اضطرت أمريكا لسحب قواتها من الصومال من قبل. كان ذلك العميل السري مكلفا من قبل الحكومة الرواندية بتدريب وحدات خاصة أعدت (لإحداث) الشغب,وهي وحدات مؤلفة من نحو 1700 عسكري, كلفت باعدام قوائم بأسماء كل الأفراد المنتسبين لقبيلة التوتس في كيجالي, وقد ذكر داليير في رسالته انه يعتقد ان تلك القوائم لم تعد إلا بغرض استئصال رؤوس أولئك الأفراد, وذكر ان الاستئصال العرقي يمكن أن يتم بكل سهولة, وان بامكان الهوتو أن يقتلوا أكثر من مئة مواطن توتسي في كل دقيقة تمر. وعزز داليير اعتقاده بأن الهوتو مقدمين على عملية تطهير عرقي, بأن العميل السري مع انه من الهوتو, ومع معارضته السياسية التامة لأحداث التوتس, إلا انه بدا قلقا وغير موافق مع اقدام القوات التي يشرف على تدريبها, على الانخراط في عمليات القتل الشامل. وأشار داليير في رسالته إلى أمر آخر, حيث ذكر ان العمل السري يمكن أن يساعد على الكشف عن مخابئ أسلحة الهوتو, ولكن بشرط أن تسبغ الأمم المتحدة حمايتها عليه, وعلى أسرته الصغيرة المكونة من زوجته وأربعة أطفال, وطالب داليير بأن تبت الأمم المتحدة في أمر تلك الحماية سريعا, وعلى الرغم من ان داليير وضع في النهاية بعض التحفظات حول شخصية ذلك العميل, وأسباب تحوله القلبي والشعوري السريع, ومدى دقة المعلومات التي أوردها, إلا انه طالب بأن تستجيب الأمم المتحدة لطلبه بشأن الحماية, عسى أن تستفيد من كثير من المعلومات والأسرار التي قدمها, وتلك التي وعد بأن يفصح عنها من بعد ذلك. قرأت الأمانة العامة للأمم المتحدة رسالة داليير, ولكنها امتنعت عن الاستجابة لطلبه بشأن منح أي نوع من الحماية لذلك العميل, إذ كان درس الصومال لا يزال ساخنا, وطلبت الأمانة العامة للأمم المتحدة من داليير أن يغض النظر نهائيا عن ذلك, وألا يسمح لقوات حفظ السلام بأن تتدخل عسكريا بين المتصارعين. وكتب اقبال رضا, الذي كان مسئولا عن ملف رواندا بالأمم المتحدة يقول: ان المعلومات التي أوردتها تثير القلق فعلا, ولكن بها تناقضات معينة, ويجب أن نتعامل معها بحذر. ثم بعث اقبال برسالة أخرى إلى داليير ينهاه فيها عن التفكير في التدخل, لان مهمة بعثته لا تخوله ذلك التصرف, وطلب منه عوضا عن ذلك أن يقابل الرئيس الرواندي (هابدياريمانا) وليواجهه بتلك المعلومات, لانها قد تكون غائبة عنه تماما, وان يطلب منه أن يفحصها, ويتحرك لابطال المخطط الاجرامي, ان كان ثمة مخطط أصلا وختم اقبال رسالته بتجديد التحذير لداليير من ان يتدخل بقواته في الصراع الدائر في رواندا. لم ييأس داليير من امكانية انقاذ الموقف, وهكذا قام في الثالث من فبراير باخطار الأمم المتحدة بأن الميليشيات التابعة للهوتو قد بدأت هجماتها, وانها تغطي على ذلك باثارة مظاهرات وشغب كثيف في العاصمة كيجالي, وذكر ان وزارتي الدفاع والداخلية في رواندا قد طلبتا منه المساعدة في جمع السلاح غير المرخص به, والذي بدأ ينتشر بكثافة بين أيدي المتظاهرين. ومع ان داليير أبدى شكوكه حول مدى جدية الوزارتين في طلبهما, إلا انه طلب من الأمم المتحدة, ان تسمح له باستخدام قوات حفظ السلام لانجاز ذلك المطلب. ومرة ثانية خاطبت سكرتارية الأمم المتحدة داليير طالبة منه أن يبعد نفسه وقوات حفظ السلام عن أداء ذلك الدور. من المسئول؟ بعد عدة سنوات نشرت الأمم المتحدة تقريرا انتقاديا لتصرفها حيال داليير. وقد أوضح ذلك التقرير ان الأمين العام للأمم المتحدة رفض أن يشرك مجلس الأمن في معرفة تلك المعلومات الخطيرة التي أرسلها داليير. وجاء في ذلك التقرير المتأخر: لقد كان من واجب الأمم المتحدة أن تقرع ناقوس الخطر بصوت أعلى, وكان على الأمين العام أن يطلب من مجلس الأمن منذ يناير 1994 أن يزود بعثة حفظ السلام بسلطات لنزع سلاح المتحاربين, وكان عليه أن يستجيب لطلبات داليير المتكررة بذلك الخصوص. وردا على ذلك كتب د. بطرس غالي في مذكراته التي نشرها, أخيرا, يقول انه لم يكن يعلم بأمر خطابات داليير, وحتى لو انه علم بها فما كان فيها من جديد, لان كل بعثات السلام تأتي بتقارير مثيرة مثل ما جاء في خطابات داليير. وفي 1998 قام اقبال رضا مسئول ملف رواندا بالأمم المتحدة بمقابلة فيلب جوريفتش, وذكر له انه تلقى تقارير داليير, ولكن مجلس الأمن لم يكن ليستطيع أن يستجيب لها بعد ثلاثة أشهر فقط من حادثة سحل الأمريكي في الصومال. أما كوفي عنان الذي كان حينها مساعدا لبطرس غالي لشئون بعثات السلام, فقد رد على نقد صحافي لدوره السلبي حيال رواندا, قائلا: ان كل بعثات السلام, وحتى قوات الناتو, لا تزود بصلاحيات لنزع سلاح المتحاربين. كانت شكوك داليير في محلها تماما, وقد برهنت الأيام على انه كان شخصا أخلاقيا نبيلا, يقدم القيم الانسانية على اعتبارات السياسة وعلى المصالح الواقعية الوقتية, فبعد ساعة واحدة لا أكثر من مصرع الرئيس الرواندي, في حادث الطائرة, اندلعت أفواج ميليشيات الهوتو تقيم المتاريس, وتنشر أمواج الفزع والرعي في شوارع كيجالي. وحتى تكتمل خطوات ومراحل المخطط بلا تعثر, فقد قامت تلك الميليشيات أولا بالقضاء على العقبات, فتوجهت إلى رؤوساء الهوتو من العقلاء المعتدلين فقضت عليهم, وكان أول ضحاياها من هؤلاء هو رئيس الوزراء الرواندي, (أغاني أولنجيمانا) , حيث حوصر في منزله, وعندما تسلق الحائط, قبض عليه, وذبح. ثم توجهت الميليشيات إلى الجنود البلجيكيين, فقبضت على عشرة منهم, وعذبتهم عذابا منكرا, ثم ذبحتهم, وقطعت أجسادهم اربا اربا, الأمر الذي عجل بسحب بلجيكا لقواتها من رواندا. ثم توجهت قوات الهوتو إلى تحطيم بقية العقبات, فيممت وجهها شطر رؤساء جمعيات حقوق الانسان وناشطيها, فاحتزت اعناقهم جميعا, واتبعتهم بالصحفيين, وببعض موظفي الحكومة, وكعادة المجتمع المدني ممن يعارضون سياسات الاستئصال العرقي. ثم اتجهت بعد ذلك إلى حصد رؤوس التوتس, بادئة بالرجال, ثم الشباب, ثم الأطفال الذكور, وركزت على وجه الخصوص على حصد رؤوس متعلمي التوتس, إذ ان فيها مصدر قوة التوتس, ومصدر الخطر الأكيد على الهوتو. وفي غضون ذلك كان راديو كيجالي الرسمي يبث التوجيهات للقتلة, والانذارات للضحايا المستهدفين, قائلا: (اننا نعرف انكم على وشك أن تقوموا بقتلنا غدا, لذا كان لابد أن نبادر فنقتلكم عن آخركم قبل ذلك) , وهكذا سبق التوتس إلى ساحات الذبح بعشرات الألوف وبعضهم أحرقوا أحياء, ومنهم من ذبحوا بالفؤوس, وقطعوا اربا اربا, وقد كان أسعد الضحايا من استطاعوا أن يشتروا بفلوسهم ثمن الطلقات التي يصوبها الهوتو إلى رؤوسهم فيموتوا بذلك موتا سريعا, مريحا. وفي خلال الاسبوع الثالث من ابريل تكشف واضحا هول المأساة, فاضطر د. بطرس غالي إلى أن يكتب لمجلس الأمن عارضا عليه ثلاثة خيارات هي: أن يسمح بتدخل واسع لاحتواء الموقف. أو أن يخفف حجم بعثة السلام إلى أقصى حد ممكن مقترحا الابقاء فقط على 270 جندي هناك. والأمر بسحب كل بعثة سلام مرة واحدة. وقال بطرس غالي إنه كان يفضل الخيار الأول إلا انه كان خيارا متأخرا جدا, ولذلك صعب تنفيذه, أما كوفي عنان فقد ذكر لاحقا ان داليير كان يمكنه أن ينقذ مئات الألوف من مصير الذبح لو بعثت الأمم المتحدة إليه بخمسة آلاف جندي في بعثة جدية لحفظ السلام, وهكذا تركت الأمم المتحدة داليير مشلول الإرادة, ليكتب أخيرا في مذكرته عن تلك الأيام: (كنت أثناء تجوالي في كيجالي أغوص إلى ركبتي وسط الجثث المتراكمة بعضها فوق البعض, ومن حولها ألوف المحتضرين الذين يقطع أنينهم نياط القلوب, وألوف الأطفال الذين تتدفق الدماء من جراحهم, وهم أيضا في طريقهم إلى الموت. وكنت أسير خلال القرى التي ليس فيها من علامات الحياة إلا دجاجة أو عنز تسعى أو طائر يغرد, أو كلب يتجول لينهش لحم الموتى, لقد كان بامكان مجلس الأمن أن يحول دون كل ذلك, ولكنه لم يشأ أن يفعل أو يبدي أي اهتمام بمصائر هؤلاء) . وفي أغسطس 1994 تمكن ثوار الجبهة الوطنية الراوندية التابع للتوتس من اجتياح كيجالي والسيطرة على الوضع والتخلص من سلطة القتلة من الهوتو, الذين هرب رؤساؤهم عبر الحدود إلى بورندي, وتنزانيا, وزائير, وتبعتهم في الهرب حشود الهوتو, وهكذا تمكن التوتس أخيرا من حكم رواندا, ولكنهم سيحكمونها كصحراء خالية من السكان, عبر نحو مليون شخص من الهوتو الحدود إلى تنزانيا, وفتكت الكوليرا بنحو خمسين ألف منهم وهم في الطريق. كان اعتقاد داليير هو ان الأمم المتحدة هي المسئولة عن كل أعداد الموتى سواء من التوتس أو الهوتو, وهو اعتقاد صحيح لان كوفي عنان نفسه عاد وأكده في تقريره لعام 1999, حيث ذكر ان الأمم المتحدة, قد خذلت شعب رواندا, على كل صعيد وانها لم تبد أي إرادة أو حماسة للحيلولة دون اراقة دماء الروانديين. والمذهل والمخجل ان عجز الأمم المتحدة وفشلها استمرا حيال رواندا حتى 1997, حتى مات نحو مئتي ألف رواندي, في معسكرات اللاجئين, تجاهلتهم الأمم المتحدة كأنهم لا يستحقون حق الحياة, وأنه لا يجمل بالعالم, (المتحضر) , أن يتجشم في سبيل انقاذهم أي صعاب.