بقلم: علاء عبدالوهاب ، باحث مصري ليس أمام الصين اذا كانت تطمح الى أن تكون قوة عظمى خلال القرن الحادي والعشرين إلا التحرك بسرعة, وعلى أكثر من محور, بتزامن يضمن أولا تحقيق حلمها الاستراتيجي بتوحيد جميع أراضيها تحت سيادة وطنية واحدة وفقا لمبدأ (دولة واحدة ونظامان) الذي أثبت نجاحا عند التطبيق في حالة هونج كونج, ثم ماكاو, وتسعى القيادة الصينية للاستفادة من هذا النجاح, في حالة تايوان التي أصبحت عودتها للصين الهدف الأكبر الذي تنشده بكين, بل إن طرح مبدأ (دولة واحدة ونظامان) كان يستهدف بالأساس اعادة تايوان لحضن الصين الأم. وإذا كانت الصين خلال أكثر من ربع قرن قد اتبعت مقولة أنه ليست هناك أمور ملحة في تايوان, وأن الموضوعات الاستراتيجية الأكبر فقط هي الأكثر إلحاحا وأهمية, فإن الأمر قد اختلف الآن, بحيث لا ترى القيادة الصينية الآن موضوعا استراتيجيا أكبر من استعادة تايوان, وأنه لم يعد هناك مكان للصبر اذا كان الأمر يتعلق بموضوع بسط السيادة الذي تأخر حسمه أكثر مما ينبغي! ولاشك في أن طرح بكين لمسألة تايوان على هذا النحو يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤل مركزي: ماهي السيناريوهات المحتملة التي يمكن لبكين أن تختار من بينها السبيل لإعادة توحيد تايوان مع الصين الأم؟ تعد التسوية السلمية عبر الحوار السيناريو المثالي الذي يمكن حال تنفيذه تخفيض تكاليف الوحدة الى الحد الأدنى من الخسائر لكل الأطراف المعنية: الصين, تايوان, الولايات المتحدة, وبدرجة تالية دول شرق آسيا, لاسيما اليابان. واذا كان الأمر واضحا بالنسبة للصين وتايوان, فان الولايات المتحدة عبر التزامها بأمن تايوان, ومصالحها في شرق آسيا معنية تماما بتطورات مسألة اعادة التوحيد, كما أن احتمالات الهيمنة الصينية على كل شرق آسيا حال تحجيم الدور الأمريكي في المنطقة, وبالتالي اختلال ميزان القوة في آسيا عموما, يجعل من دول المنطقة طرفا أصيلا في تطورات المسألة التايوانية, ومن ثم يزيد من تعقيد فرص التسوية السلمية لتعارض المصالح بين أطرافها المباشرة, وغير المباشرة على السواء. إن الصين تقبل, إن لم تكن تفضل, العودة السلمية لتايوان عبر آلية الحوار التفاوضي, لكن من غير المنطقي أن تؤجل الأمر الى مالا نهاية, خاصة مع زيادة حجم التيار الداعي للانفصال, واعلان الاستقلال, بشكل رسمي عن الصين, عبر تصعيد الشخصية الدولية للجزيرة, ومحاولاتها الدؤوبة توسيع دائرة علاقاتها الدولية, واستعادة عضويتها بالأمم المتحدة. وعلى حين يحاول الرئيس الجديد لتايوان كسب الوقت, فإن الصين يمكن أن تلجأ لسيناريو آخر, هو الحصار, الأمر الذي يؤدي عمليا الى خنق الاقتصاد التايواني, وكانت الصين قد أجرت (بروفة) على تنفيذ هذا السيناريو منذ نحو أربع سنوات, عندما بدأت مناورات بالذخيرة الحية, وتدريبات جوية وبحرية في منطقة مضيق تايوان, مما شكل حصارا جزئيا لتايوان فرضته التحذيرات الصينية على السفن, بالبقاء بعيدا عن المنطقة المحظورة, كما أن اطلاق صواريخ على أهداف قريبة من أكبر ميناءين في تايوان, كان بمثابة تشديد لفاعلية الحصار. ولاشك أن خيار الحصار, الذي تم اختباره بشكل جزئي, يمثل السيناريو الأكثر احتمالا حال تلكؤ تايوان في القبول بالحوار والتفاوض, وتستطيع الصين أن تفرض أنواعا من الحصار الأطول زمنيا, والأوسع جغرافيا, وخطورة اعتماد مثل هذه الاستراتيجية أنها تحقق هدفين: * الأول يتعلق بممارسة مزيد من الضغوط التي تدفع تايوان باتجاه الاذعان لسيناريو الحوار, بشروط بكين, والاسراع بالجلوس حول مائدة المفاوضات. * الثاني يتعلق بوضع الولايات المتحدة في موقف صعب عند تقدير الموقف, لاتخاذها قرارا بشأن التدخل في الأزمة الى جانب تايوان وفق التعهدات التي قطعتها في السابق , وتخدم مصالحها الحيوية في آسيا. إن سيناريو الحصار يمكن أن يدفع الى التفاوض, ويحجم القوة الأمريكية ولا يحيدها وفي كل الأحوال فإنه يقلل من سرعة التوجهات الانفصالية, وتأثيرات الميول الاستقلالية المتصاعدة, كما يحمل رسالة واضحة لاتحتمل أي لبس, بأن الحرب ستكون مسألة وقت قصير, أو البروفة الأخيرة قبل رفع الستار عن العرض, بتعبير أهل المسرح! وربما تتصور الولايات المتحدة أن الصين لاتمتلك القوة العسكرية اللازمة لغزو تايوان, والسيطرة عليها في اللحظة الراهنة, لكن الصين لاتدخر وسعا لتحديث امكاناتها العسكرية, وتعزيز قدراتها على توجيه الضربة النووية الثانية ضد الأهداف الأمريكية, بما يؤدي الى تقويض الالتزام الأمريكي بالتدخل. وقد يكون الوصول الى هذه النقطة من توازن القوة في شرق آسيا محفزا لتبني الصين بشكل نهائي لسيناريو الحرب, بل إن الأمريكيين ريتشارد بيرنشتاين, وروس مونرو مؤلفي كتاب (الصراع المقبل مع الصين) وضعا سيناريو افتراضيا للحرب بين الصين وأمريكا, عقب أزمة تنشب حول تايوان في عام ,2004 حين تنشأ أوضاع تدفع الصين الى محاولة مسلحة لاستعادة تايوان, بعد يأسها من جدوى أي خيار غير الحرب. ووفق هذا السيناريو فان السنوات الأخيرة شهدت دفعة حقيقية لعملية التحديث العسكري, وهي مسألة غير افتراضية تمكن الصين من شن هجوم شامل على تايوان باستغلال ذريعة شكلية, ويبدأ تحت ستار المناورات والتدريبات العسكرية في مضيق تايوان, والتي تسبقها عملية حصار للجزيرة, ويتصور واضعو السيناريو أن الصين لن تحذر فقط السفن بالبقاء خارج المضيق, لكنها سوف تطلب منها البقاء على بعد مائة ميل بحري من السواحل الشمالية والجنوبية لتايوان, ثم يتم استدعاء السفير الأمريكي وابلاغه أن التدريبات سوف تستمر نحو أسبوع, وتطلب منه أن تتحلى واشنطن بالصبر وابلاغ حكومته أن الصين ليست لديها نية عدوانية , ثم تعلن بكين اتمام مناوراتها, وتسحب القوات الى مواقعها الأصلية. ويستمر السيناريو في تصور مشاهد التصعيد الصيني بعد شهر حين تعلن بكين عن مناورة جديدة, غير محددة المدة, بما يعني أن الحصار الجديد للموانىء التايوانية يشكل فعليا جزءا من حرب اقتصادية ونفسية على تايوان, وترسل الصين عدة كتائب من قوات الانتشار السريع الى المقاطعة الجنوبية في حالة استعداد كامل للحرب, ومع تصاعد الأزمة تدعو الصين الرئيس التايواني الى بدء محادثات لاعادة التوحيد النهائي, موضحة عبر القنوات غير الرسمية أن المناورات والتدريبات سوف تستمر حتى تجلس تايوان على مائدة المفاوضات, وترفض تايوان ارغامها على التفاوض تحت تهديد السلاح, وترد بهجوم منسق يهدف الى انهاء الحصار, لكن الرد الانتقامي الصيني يكون سريعا مدمرا, وتنشب حرب واسعة النطاق. ويستطرد بيرنشتاين ومونرو في عرض السيناريو وصولا الى مناقشة فرضية استخدام الأسلحة النووية من قبل الصين ثالث أكبر قوة نووية وردود الأفعال الدولية والاقليمية, وطرح أسئلة من قبيل: هل تهدد الصين الولايات المتحدة لو استولت على تايوان؟ وكيف ومتى تتدخل واشنطن؟ واذا كان مؤلفا كتاب (الصراع القادم مع الصين) توصلا الى أن احتمالات مثل هذا السيناريو غير مرتفعة, إلا أنهما أكدا أنه ليس خياليا, ويبقى الهدف هو تجنب تلك المواجهة بين الصين والولايات المتحدة بسبب المسألة التايوانية. سيناريو الحرب التي يمكن أن تشنها الصين لاستعادة تايوان قد يكون احتمالا بعيدا, لكنه ليس مستحيلا, واذا كان الانتقال من استراتيجية لأخرى لن يتم بطريقة آلية, فان الصين قد تلجأ الى استخدام مرحلي لاستراتيجية معينة للضغط على تايوان, في اتجاه يخدم الهدف النهائي بتوحيد كل أرض الصين التاريخية تحت حكم واحد, وسيادة موحدة, لكن سيناريو الحرب يبقى خيارا أخيرا رغم كل التبعات والمخاطر.