صراع الرأسين الدائر في السودان حاليا بين رئيس الجمهورية الفريق عمر البشير والأمين العام المجمد لحزب المؤتمر الحاكم د. حسن الترابي, ليس هو نهاية المطاف وانما هو استمرار لصراع مستمر منذ سنوات ومتبادل بين غالب ومغلوب, الأمر الذي منع المتابع لما يحدث في الشارع السياسي السوداني ان يصدر احكاما جازمة بشأن صراع القمة الذي بلغ ذروته في الآونة الأخيرة والحقيقة ان هذا الصراع يعقد الأزمة السودانية ويزيد الطين بلة وحتى وان حسم فإنه لن يحسم أزمة السودان. فالعناوين الصحفية البارزة مثل (نهاية الترابي) هي عناوين خاطئة تكشف عن التفاؤل, ان لم نقل عن السذاجة السياسية, فصراع السلطة الذي ظل يجري في الدهاليز المظلمة يرجع الى ثلاث سنوات مضت, أو اكثر.. ومع هذا فإذا كان الصراع الآن انفجر علانية, وادى الى ما قاد اليه من خطوات تنفيذية قام بها الفريق البشير ضد الدكتور الترابي ورهطه, وتلك القرارات, وليست (الخطوة الحاسمة) التي وعد بها الفريق البشير يوم الرابع من مايو. هناك عنصر شخصي في الخلاف لا يمكن انكاره. لكن هذا العنصر هو الاساس. فكلا الرجلين ـ البشير والترابي ـ يعبر عن الحقائق السياسية كما يراها وبلغته الخاصة. والحقيقة ان ما يبدو الآن وكأنه صراع بين الترابي والبشير ومن حول كل منهما مجموعة من الرجال والنساء, تبدو لغاتهم مختلفة وهم في قمة الانفعال, هو مظهر الصراع الذي ظل يدور داخل حزب الجبهة القومية الاسلامية بعد سنوات قليلة من استيلائها على السلطة في السودان عبر انقلاب 30 يونيو 89 الذي دبر له وخطط ونفذه, وليس كما يقال الآن دعمه أو سانده بكوادره.. والحقيقة ـ التي كان المرء يظن انها اصبحت واضحة للاعبين على مسرح السياسة السودانية وما حوله, ان هذا الحزب في ضمن قراءته الخاطئة للواقع السوداني والواقع الاقليمي والعالمي تواطأ على الديمقراطية وضاق بها واستعجل الوصول الى السلطة واتخذ الانقلاب العسكري وسيلة اليها.. وبرغم ما قيل وسيقال عن دور العسكريين الاسلاميين فإن هؤلاء العسكريين كانوا جميعا أدوات أو تروسا في آلة الجبهة القومية الاسلامية التي كان يحركها حسن الترابي بحكم منصبه القيادي في الحزب, ولم يكن الترابي ولا غيره من الزعماء بقادر وحده على تحريك أية آلة حزبية كبر حجمها أم صغر الا بواسطة الاعوان الذين يسمونه في الادب السياسي القيادة الجماعية للحزب!! الآن وفي خضم هذا الجو المحموم الذي تهب رياحه من الخرطوم هنالك حقيقة تعلو على كل (الحقائق) يبدو ان المتصارعين اتفقوا ضمنيا على تجاهلها, نعم هناك صراع وأزمة في السلطة الحاكمة, وهذه حقيقة... وقد يختلف الناس حول تسميتها وهل هي قد وصلت الى قمتها التي ستؤدي الى الانفجار او الانفراج المرتقب؟ لكن الحقيقة التي تعلو على كل الحقائق ان هذا الصراع وهذه الازمة المتفجرة ليست لها علاقة بالأزمة الحقيقية التي يعيشها السودان وعامة السودانيين... فقد يتصارع الترابي والبشير وقد تختلف امزجتهما الشخصية بحكم اشياء كثيرة, وقد يقع انقسام في حزب الجبهة القومية الاسلامية بمختلف مسمياته وهو قد وقع بالفعل... وقد (يحسم) الصراع ـ الأزمة لمصلحة الفريق البشير وجماعته من اخوان الترابي بالأمس. كل هذا وغيره جائز الاحتمال, لكن يبقى الجوهر والأساس وهو ان ازمة السودان الوطن والشعب لن تحل و(تحسم) بحسم ازمة الصراع بين القطبين المتعارضين المتصارعين حول السلطة... لماذا؟ لأن المتصارعين حول السلطة كلهم لم يعترفوا بعد بأن هناك في السودان ازمة وأزمة حقيقية.. وان مصدر هذه الازمة وتطورها السياسات الخاطئة التي اتفق عليها المتصارعون الآن وسموها متوحدين المشروع الحضاري الاسلامي. ولعل اخطر ما في هذه الازمة المتفجرة الآن ليست على قطبي الرحى وحدهما وانصارهما في السودان, وانما على مجمل حركة الاسلام السياسي العالمية, هو اصرارهما على تغليف الصراع ـ الأزمة بغلال عقائدي.. ولقد كان من اشد الاسلحة التي استعملتها الجبهة القومية خطرا هو انها درجت منذ تكوينها على ان تشهر سلاح المزايدة الاسلامية ضد خصومها السياسيين في صراع سياسي وكان وسيظل يدور حول (المصالح الدنيوية) . فأزمات السودان وعامة السودانيين الآن ليست في من هو الاصلح والاجدر بحمل الرسالة التبشيرية, ولكن الحقيقية هي في هذه الحرب المدمرة والمستمرة بدون وازع عقلي ولا خلقي والتي أفنت ما يقارب المليونين من البشر السودانيين, والتي صحبتها كل ازماتنا من ضيق كل سبل الحياة لم يؤثر فقط على الانفس والاموال وانما اثر وسيؤثر على الوطن والذين يتوهمون ان ازاحة الترابي (ستجمّل صورة السودان) امام العالم الخارجي, هم واهمون الى درجة السذاجة والآخرون الذين يتصورون ان (لغتهم الجديدة) ودفاعهم الحار عن الديمقراطية واداناتهم لنزعة البشير الديكتاتورية, وتسليطهم الضوء على اخوان الأمس واتهامهم بالخضوع الى الضغوط الاجنبية, الذين يحسبون ان ذلك سيكسبهم شعبية وسط عامة السودانيين, هم واهمون ايضا, فعامة السودانيين بأغلبيتهم الساحقة ظلت ترى فيهم ـ عن حق ـ انهم مجتمعين اساس البلاء الذي يواجههم يوميا في ارواحهم وأمنهم واستقرارهم, ووحدة بلدهم. تورنتو ـ عبدالله عبيد