اسرف المحللون السياسيون في تركيزهم على قضايا الصراع السياسي المنبثقة عن استخدام القوة, متناسين قضايا ليست اقل اهمية وربما قادت اجزاء كبيرة من العالم الى اضطرابات وانفجارات كبرى.. لم يكن موضوع ( الغذاء) موضوعا مطروحا في مجال السياسة العالمية حتى وقت قريب. قد ادى انهيار معادلات (مالتس) الى الاطمئنان الى ان الغذاء لن يكون سببا في اشعال الحروب كما كان الامر عليه في ماضي الانسانية كما يميل كثير من الاكاديميين الذين يعملون في دوائر تخصص صغيرة مغلقة الى نوع من التطرف والغلو في استخدام الحقائق والمعادلات الجافة وذلك مع الجهل او التجاهل لعوامل اخرى كانت بامكانها ان تدعم فرضياتهم, ولكنها تقع بعيدا عن مجال اختصاصاتهم المحدودة.. وزاد الامر سوءا في تخريج مالتس لفرضيته استخدامه لمصطلح (الحتمية) البغيض وهو مصطلح قرين ايضا بنزعة التطرف. النذر الجديدة ولكن مهما يكن فقد تضاعفت وتعاضدت اخيرا عوامل متكاثرة تؤكد ما سعى مالتس الى تأكيده.. لم يأت الانذار بفرضية مالتس هذه المرة من عالم رياضي مثله, وانما من عالم استراتيجي يرأس معهدا عالميا للابحاث المستقبلية, هو معهد (مراقبة العالم) من واشنطن, اذ اكد ان عامل الغذاء ربما تجاوز عامل ميزان القوة العسكرية, في تفجير النزاعات السياسية بين الدول وقد استخدم رئيس المعهد تعبيرا انقلابيا خطيرا رنا به الى اعادة تعريف مفهوم (الامن) اذ قال: (ان قصور انتاج الحبوب في كثير من انحاء العالم سيرغمنا على اعادة صياغة مفهوم الامن, لأن الخوف من تناقص تلك الامدادات, سيغدو اكبر من خوف دول كثيرة من ان تتعرض لخطر العدوان العسكري من قبل دول اخرى) . وينطبق مشروع التعريف الجديد المقترح لمفهوم الامن على العالم العربي وفي هذا المجال يمكن الاستشهاد ببعض الارقام: لم يكن تعداد سكان العالم العربي في عقد الخمسينيات يزيد على 130 مليون نسمة وقد وصل ذلك التعداد بعد ثلاثين عاما فقط الى حدود 200 مليون نسمة. واذا استمر النمو بنفس الوتيرة فيمكن التنبؤ بأن تعداد سكان العرب سيصل الى 300 مليون نسمة قبل ان ينتصف القرن المقبل.. هذه الاعداد المتكاثرة من الانفس والافواه تؤدي الى تزايد الطلب على الغذاء في العالم العربي بنحو 5% سنويا بينما لا يتزايد انتاج الحبوب في العالم بأكثر من 2% سنويا وهكذا فإن الفجوة في الاكتفاء الذاتي من الحبوب ستتسع باطراد وبالتالي تزداد التبعية في هذا المجال.. واذا كان العرب يستوردون حاليا نحو 20% من المطروح عالميا للبيع في سوق القمح فإن تنامي استهلاكهم لتلك السلعة سيعني مزيدا من استنفاد سوق القمح وبلغة التجارة مزيدا من الطلب الذي سيؤدي الى انكماش العرض وبالتالي زيادة السعر واذا اخذنا في الاعتبار عوامل اخرى تؤدي الى زيادة السعر تصبح الصورة مخيفة حقا, بما يدعو الى تصديق دعوى ذلك الاستراتيجي الامريكي.. المشتري الجديد تدخل الصين ايضا الى سوق القمح كمشتر جديد ضخم يتنامى استهلاكه مع تنامي استهلاك الصينيين من الحبوب واللحوم الناتج عن ارتفاع مستوى دخل الانسان الصيني, الناتج بدوره عن نجاحات الصين المتواصلة في التنمية الاقتصادية الشاملة منذ 1978 لقد نجحت الصين حقا في كبح جماح نمو تعداد سكانها. ولكن ذلك التعداد يزداد مع ذلك بنسبة سنوية تماثل اضافة شعب دولة متوسطة الحجم الى التعداد الاصلي لسكان الصين وقد توقف نمو انتاج الصين السنوي من الحبوب نهائيا وذلك قبل اكثر من خمس سنوات ليظل بحدود 450 مليون طن في العام في الوقت الذي تنامى فيه استهلاك الانسان ـ والحيوان ـ الصيني من الحبوب. فانسان الصين الذي كان الى قبل عشرين عاما لا يأكل اللحم, غدا اليوم شأنه شأن مختلف شعوب العالم يأكل اللحم بمعدل خمسة ايام في الاسبوع او اكثر. وهذا معناه اعتماد اكبر على الحبوب لان حيوانات انتاج اللحم انما تتغذى اساسا بالحبوب. وفي حدود 2030م ربما يصل تعداد الصين الى 1.6 مليار نسمة, وربما لا يكون للصين حينها مشكلة في توفير الاعتمادات المالية لاستيراد القمح, وبأي سعر, من الخارج. ولكن المشكلة تنشأ من ان حاجة الصين الى الحبوب تتجاوز بكثير المتاح في السوق العالمي للحبوب, وهو بحدود تسعين مليون طن سنويا, وهكذا فستعتدى الصين على نصيب المستوردين الاخرين, خاصة من لا يتمكن من دفع السعر الاعلى, والذي سيعلو تباعا لطن الحبوب. ان سعر الحبوب في السوق العالمي مرشح للارتفاع لاكثر من سبب فقد بدأ عدد من الدول الرئيسية القليلة التي تصدر القمح, وهي بالمناسبة خمس, وهي الولايات المتحدة وكندا, واستراليا, والارجنتين, وفرنسا, بدأت برفع الدعم عن سعر القمح وذلك تمشيا مع متطلبات منظمة التجارة العالمية, التي تطالب برفع الدعم عن كل المنتجات, صناعية كانت او زراعية, وقد بدأت امريكا, وهي المصدر الاكبر للقمح فعلا برفع ذلك الدعم, وانعكس ذلك فورا في ارتفاع ملحوظ للاسعار العالمية للقمح. وقف استيراد الغذاء العامل السابق وحده (عامل دخول الصين كمشتر للحبوب) كفيل برفع اسعار القمح بمعدلات فلكية فكيف اذا اضيفت الى ذلك عوامل اخرى كلها ذو تأثير ضخم.. ألا يكفي ذلك لاقناع العالم العربي بالكف عن ادمان فكرة ان استيراد الغذاء (باسعاره الحالية طبعا) ارخص من تكلفة انتاجه محليا؟! ان هذه الفكرة حتى بالمستوى التجاري, ستغدو غير ذات جدوى, فما بالك بحين تنزيلها على مستوى تحليل سياسي او امني عالمي؟! ان الأمر حينها سيغدو مرعبا جدا, وربما فات حينها على العالم العربي ان يتدارك امره لأن بعض اهم مقومات انتاج الغذاء ـ وهي المياه ربما تم الاحاطة بها بتدبيرات الاعداء, حيث تحيط اسرائيل معظم مصادر المياه للعالم العربي في اثيوبيا وتركيا بتدبيراتها, وتسوق منذ الآن, ومن تركيا, مشروعا لربط توزيع المياه بمشروع السلام. ان اسرائيل تفكر استراتيجيا في موضوع الغذاء والمياه فهي منذ سنوات طويلة تنتج اكثر من 70% من غذائها محليا) . وفي موضوع المياه فقد بدأت فعلا في وضع ايديها على مياه النيل ودجلة والفرات ودعك من الليطاني ونهر الاردن.. أما الصين فهي تفكر استراتيجيا ايضا في الموضوع والغريب انهاتحاول ان تنتج غذاءها في اراضي العالم العربي انطلاقا من السودان.. وهذا هو احد الاسباب الاساسية لتحالفها مع السودان.. وقد بدأت بالفعل مشروعات لانتاج الغذاء لتصديره الى الصين وبدأت انشاء احدى اكبر مزارع قصب السكر بالعالم في وسط السودان. ان الاراضي القابلة للزراعة في العالم العربي هي فقط 9% من جملة اراضيه والاقطار العربية الاساسية التي يمكن ان تنتج القمح بكميات وفيرة هي الجزائر وسوريا, والعراق والسودان.. ويمكن للموقف السياسي ان يلاحظ على الفور ان ثلاث من تلك الدول الاربع تعاني من حالة تمزق سياسي حاد, ولا يمكن ان تكون تلك مجرد مصادفة, وانما انسياق مع خطة تحقيق وتأييد صفة التبعية لعالمنا العربي, الذي يدفع حاليا اكثر من عشرين بليون دولار سنويا لاستيراد الحبوب, ويمثل احدى اضخم كتل العالم في استيراد الحبوب اذ ان العالم العربي يستورد حاليا حوالي ربع المعروض للبيع في سوق القمح العالمي.. بدخول الصين مشتريا للقمح, فإن الدول الغربية لن تكون في حاجة الى سوق العالم العربي لتسويق القمح.. ولكن خناقها السياسي عليه سيزداد كثيرا مع تأزم وضعه في موضوع الغذاء, الذي ربما لن يجده ولو بأقصى الاسعار وحينها لن يصبح الموضوع موضوع سياسة وحسب.. وانما موضوع بقاء او فناء. ان قضية الاكل بطبيعتها الاولى قضية فوق سياسية بمعنى انها اهم من قضايا السياسة جميعا ولكننا مضطرون دائما الى تناولها في سياق سياسي, واني لاسف اني اقحمتها في هذا السياق فهي بذاتها قضية واضحة جدا, واستخدام مصطلحات سياسية مبهمة في شأنها مثل مصطلحات (الامن الغذائي) و (الاستراتيجية الغذائية) وغيرها من التعبيرات التجريدية التي تجلب السآمة لن يزيد امرها الا غموضا, ولن يلفت الانظار الا بعيدا عنها, ولذلك فإني ارجو ان نتواطأ جميعا على التذكير بها وطرقها من زوايا شتى ولكن بأسلوب تبسيطي يذكر بخطرها المنسي فالأكل عملية بسيطة (من اليد الى الفم) وربما لبساطتها فهي تلاقي كل هذا الاهمال والتجاهل والنسيان وتلقى بالتالي في سجلات القضايا المفروغ منها على وجه الاجمال. ان العالم العربي ينبغي ألا تشغله طوارىء القضايا والمسائل التي تدهمه حاليا عن ام القضايا والمسائل جميعا.. وهي مسألة (الاكل) التي تشير كل الاحصاءات والاحتمالات الى انها ستغدو مسألة المسائل المتعذرة في مقبل الايام. بقلم: محمد وقيع الله