في بداية العام 1997م, أصدر البنك الدولي تقريراً اشاد فيه بالاقتصاد الاندونيسي الذي كان يحقق نمواً اقتصادياً لافتاً إلى جانب اقتصاديات دول النمور الآسيوية. وبعد اشهر عديدة تفجرت أزمة النمور بانهيارات مالية واقتصادية قضت على سنوات عشرين من التنمية الاقتصادية, وكانت اندونيسيا الأكثر تضرراً من بين النمور حيث سيق الملايين إلى مادون الحد الأدنى من الفقر, وتأكد ان تقرير البنك الدولي كان يعتمد بشكل رئيسي على معلومات هذه الحادثة اثارت تساؤلات عن دور المؤسسات المالية الدولية وخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين يتحملان جزءاً مهماً من أسباب الأزمات الطاحنة التى مرّت بها دول النمور الآسيوية وأغلب دول العالم الثالث. والتساؤل موصول عن الأسباب التي أدت إلى تفاقم الفقر والتدهور في أوضاع أغلب دول هذا العالم التي لايبدو انها قادرة على حل معضلاتها الاقتصادية والاجتماعية. والمعطيات التي تفرزها الاوضاع الراهنة, تنذر بأزمات أكثر خطورة, خاصة في ظل انعدام المعايير والمقاييس المطبقة في التعاطي مع قضايا الاقراض وقضايا تنفيذ بنود منظمة التجارة العالمية المؤسسة لمرحلة (العولمة الأميركية). وتشير الاحصائيات المتعددة المصادر إلى ان هناك قرابة ثلاثة مليارات نسمة, من اصل ستة مليارات هم سكان الارض, يعيشون في فقر, منهم 2.1 مليار نسمة يعانون من فقر مدقع, وان هناك 250 مليون طفل في العالم يستغلون بصفتهم عمالاً يشتغلون ما بين 10 ـ 15 ساعة يومياً, حسب تقديرات منظمة اليونيسيف, الجزء الأعظم منهم في العالم الثالث. كما ان ديون الدول الأشد فقراً قد بلغت أكثر من 300 مليار دولار لاتستطيع دفع حتى فوائدهما, الأمر الذي يفاقم من الوضع وتتحول معه المديونية إلى كابوس معطل لأي تنمية حقيقية حتى وان حصلت هذه الدول على المزيد من القروض, حيث تستنزف أغلبها في تسديد خدمة الدين وبعض القطاعات غير المؤثرة في التحول الاقتصادي المطلوب. واذا كانت الاوضاع الاقتصادية بهذا الحجم من السوء, فإن انعكاساتها الاجتماعية تبدو اشد قسوة في بعض المناطق بسبب الجفاف وعدم وجود بنى تحتية يتعرض اكثر من خمسة عشر مليون اثيوبي لخطر الموت جوعاً, ولا يقدم العالم لهم سوى جزء يسير من الاحتياجات الضئيلة لابقاء بعضهم على قيد الحياة, وان عاشوا فان الامراض تفتك بهم حيث يموت يومياً عشرات الأطفال هناك, كما ان الحروب التي تعصف بافريقيا في الوقت الراهن تحصد المئات وترسلهم إلى الحياة الأخرى. هل العالم أمام تطبيق بغيض لنظرية مالتوس الشريرة؟ وهل قدر العالم الثالث ان يعيش وسط أزمات اقتصادية وسياسية تفتك بابنائه؟ربما جزء من النظرية الشريرة يطبق على أرض الواقع, بسبب وضع تلك البلدان السياسي والجغرافي والتدخلات الخارجية. من هنا يمكن مناقشة مسئولية المؤسسات المالية الدولية في ما وصلت اليه العديد من الدول النامية فهذه المؤسسات, كما هر معروف, مُسيّرة من قبل الدول الصناعية الكبرى. وتطبق الجزء الأكبر من سياساتها الاقتصادية والسياسية. فهي تتحرك وفق اجندة مقررة سلفاً, فتعطي قروضاً لدول بشروط تضعها هي, وتُحرمّ القروض على دول أخرى وان كانت مستوفاة الشروط المالية, الاقتصادية, لكنها على خلاف سياسي مع التوجه العام للدول المتحكمة في هذه المؤسسات. لقد لعب صندوق النقد الدولي وشقيقه الاصغر البنك الدولي دوراً سلبياً في تفاقم المشاكل الاجتماعية في الدول النامية. فالوصفات الجاهزة لصندوق النقد, مثلاً, تسببت في تحريك الفئات الاجتماعية في العديد من الدول, واحداث ,18 19 يناير ,1977 في مصر شاهدة على وصفات الاصلاح الاقتصادي المفروضة من الصندوق نفسه. ويبدو ان المفاوضات التي عقدت قبل اسبوعين بين مصر والصندوق حول مشكلة السيولة قد وصلت إلى طريق مسدود بالرغم من ان شيئاً لم يرشح بعد. ومع ذلك تعتبر مصر من الدول القليلة التي انجزت مراحل مهمة في الاصلاح الاقتصادي وتفادت تبعات بسبب (الوصفات) المتكررة. الا ان ذلك لايعني ان المؤسسات الدولية على حق حين تفرض شروطها القاسية على المدنيين بل ان بعض التوجهات المالية تؤكد على ان للمؤسسات المالية يداً في تفشي الرشوة والفساد في العالم الثالث, اضافة للشركات متعددة الجنسيات التي تستخدم وسائل غير اخلاقية لعقد الصفقات التجارية والعسكرية. وتفيد العديد من المصادر ان الشركات الأمريكية التي تخضع لقانون محاربة الرشوة خارج حدود الولايات المتحدة تعرضت لخسارة عقود تقدر بـ 45 مليار دولار منذ العام 1994م, بسبب عدم وجود هذه القوانين في الدول المتقدمة الصناعية الاخرى. ومع تصاعد الاتهامات ضد المؤسسات المالية الدولية الدائنة, حاولت الأخيرة تغيير صورتها. وترافق ذلك مع توجهات الأمم المتحدة في وضع معايير جديدة للنمو الاقتصادي والتنمية البشرية, تشمل جوانب اجتماعية, في قياس الاداء الاقتصادي منها نسب البطالة والشفافية والمكاشفة وحجم الفساد والتبعات الاجتماعية لاي توجه اقتصادي. وقد نفذت الأمم المتحدة جوانب من هذه المعايير واعتمدت في تقاريرهما السنوية الخاصة بالتنمية البشرية. وخطت المؤسسات المالية الدائنة خطوة صحيحة نحو الأمام حين اشترطت في بعض القروض المقدمة لدول في العالم الثالث بان تحّد تلك الدول من ظواهر الفساد الإداري والمالي المستشري, وان تمارس بعضاً من عمليات الانفتاح السياسي والمكاشفة لتحقيق الاستقرار المجتمعي. وفي هذا السياق اقدم البنك الدولي على تنظيم استبيان شمل مائة وخمسين من كبار مسئولي القطاع العام في ستين دولة نامية حول موضوعة الرشا والفساد. واعتبر الذين شاركوا في الاستبيان ان فساد القطاع العام يعتبر من أكثر العناصر المعيقة للتنمية الشاملة. وفي وقت لاحق باشر البنك الدولي وضع استراتيجية ضد ما اسماه (سرطان الفساد) الذي يلتهم المداخيل والقروض الخارجية في الدول النامية. تتضمن هذه الاستراتيجية: 1 ـ منع كافة اشكال الاحتيال والفساد في المشاريع التي يمولها البنك. 2 ـ تقديم العون للدول النامية التي تعتزم مكافحة الفساد. 3 ـ تحديد شروط ومعايير الاقراض ووضع سياسة المفاوضات واختيار وتصميم المشاريع المستهدفة. 4 ـ تقديم الدعم والعون للجهود الدولية لمحاربة الفساد وقد خطا صندوق النقد الدولي خطوات مماثلة وقرر وضع ضوابط وأكد على وقف وتعليق مساعداته المالية لأي دولة يثبت ان المسئولين فيها يمارسون عمليات فساد ورشوة. اذن فالتبعات الاجتماعية لسياسة الاقراض التي تمارسها المؤسسات المالية الدولية وضعت في ميزان التقييم, وتوصلت هذه المؤسسات نفسها إلى خلاصات لاتعفيها من مسئولية الفساد المستشري في العالم الثالث. لكن أيضاً, فسوء النظم السياسية في العديد من الدول النامية يتحمل القسط الأكبر من الأزمات التي وصلت إليها حال تلك الدول. ولا يبدو ان هناك مخرجاً للمآزق هذه اذا لم يتم اصلاح سياسي مواز للاصلاح الاقتصادي الذي يجب ان يكون مدروساً من ناحية تبعاته الاجتماعية. بقلم: رضي الموسوي