رغم التهليلات التي بثها الاعلام الامريكي الموجه للاجتماعات التي جرت في واشنطن لصندوق النقد الدولي بهدف تحسين صورة هذه المؤسسة النقدية, إلا ان الصورة هذه الايام باتت اشد قتامة بالنسبة للدول التي اخذت بالنصائح والوصفات الجاهزة التي قدمها القيمون والمتخصصون على آليات هذا الصندوق وما يخفي خلفه من ويلات جرها على الدول الفقيرة فمنذ البداية استخدم هذا الصندوق وملحقاته ليكون فخا سياسيا يصطاد العديد من البلدان التي وبذريعة الحرب الباردة ومواجهة المد الشيوعي الذي زعم العالم الغربي انه يشكل خطرا على القيم بشكل عام ,حاول ان يبني القيمون على هذه المؤسسة النقدية صورة جميلة وانسانية لها على حساب ذلك المد الذي وصل بلحظة من اللحظات التاريخية كالنار في الهشيم. لكن ما ان اتضحت الصورة على حقيقتها حتى بدأ العالم يجد في هذه المؤسسات شكلا جديدا من اشكال الاستعمار الحديث الذي يطال هذه المرة ليس دول الجنوب وحدها بل اوروبا التي تسعى جاهدة من اجل الخروج من تحت العباءة الامريكية وعلى ما يبدو ان المؤسسات غير الحكومية المتواجدة بالغرب هي الاكثر تحسسا بل ومعرفة الى الاهداف الخبيثة الذي يخبئها هذا الصندوق والتي تهدف الى السيطرة الكلية على النظم الوطنية فيما يسمى بدول الجنوب والشمال معا وتبديد قيمها العقائدية بكل اتجاهاتها خاصة بعد ان خرج الصندوق على الاسس والبرامج الذي انشىء من اجلها في العام 1944 اي من زواج مختلط للافكار كما اسماه اللورد كاينز سابقا الى نظام للاستعمار الحديث يمتص من شرايين الفقراء وجيوبهم ليزيد في سمنة الاغنياء وتراكم ثروتهم من خلال ما يسمى بـ (سياسات التعديل البنيوية) وانه فقد وظيفته الذي نادى بها منذ البداية والمتمثلة في تمويل الاختلالات الحاصلة في التوازن بل واجبر مؤسسات مالية عالمية مثل البنك الدولي للانشاء والتعمير لأن يكون تابعا له وزاد الامر سوءا بأنه فرض على هذه المؤسسة المالية من خلال شعارات اقتصادية براقة في شكلها خادعة في مضمونها التخلي عن برنامج ماكنمارا للاقراض الموجه نحو مكافحة الفقر لصالح مراعاة اكثر انصياعا لرغبات الشركات متعددة الجنسية والمحكومة امريكيا كما انه خلق واقعا جديدا بالتواطؤ مع منظمة التجارة العالمية (الجات) بهدف توجيه الاقتصاد العالمي والذي خلق بدوره هوة واسعة بين دول الشمال ودول الجنوب لا يمكن جسرها الا بقدر الانصياع السياسي لهذه الدولة او تلك والذي بالضرورة سيفقدها استقلالها السياسي عبر فرض سياسات على تلك البلدان تجبرها على خفض الانفاق على التعليم ومراكز البحث العلمي والتكنولوجي والصحة بشكليه العام والخاص والغاء الدعم عن السلع الضرورية التي تعتبر بالأساس حقا مكتسبا وتخفيض قيمة عملاتها الوطنية بما يضرب القيمة العامة لصادرات هذه الدول الى ادنى حدود الربح والمردودية والذي سينعكس بشكل ميكانيكي على ضرب القطاع العام لصالح جنون الخصخصة كمقدمة فعلية لتجميد الاجور بالاضافة الى لعبة الاوراق المالية التي تلعب بها الكارتيلات المالية وما يحدث هذه الايام في الاسواق المالية والنقدية من انتكاسات, مرده بكل تأكيد لجملة السياسات والقوانين التي اقرتها الدول الصناعية الكبرى باملاءات امريكية تحت شعار وهمي وكاذب لا يوجد له آليات مؤنسنة لتطبيقه والذي ينادي بـ (تحرير الاسواق المالية والنقدية) وهي الشعارات الزائفة التي سرعان ما تساوق معها صندوق النقد الدولي باجباره مختلف دول العالم على تطبيقها والتي ادت الى ذات النتائج التي ادرجناها دون اغفال التضحية بالعدالة الاجتماعية في عملية توزيع الناتج الوطني للبلدان المختلفة. ناهيك عن ان عدم تدخل الدولة الوطنية المفروض بشكل قسري مع تحرير التجارة بالتلازم مع حرية انتقال رؤوس الاموال والتي صبت في نهاية الامر في صناديق الحكومات المؤمنة بأداء السوق في ترسانة المؤسسات والمنظمات الدولية الميسرة ولعل هذه الاحتجاجات والمظاهرات تؤكد جملة من الحقائق التي لا يمكننا صرف النظر عنها او تجاوزها واسقاطها سهوا, وهي انه حتى وان غاب الطرف الثاني في معادلة الصراع فإن الصراع قضية سرمدية بين الفقراء والاغنياء وان الفقر والغنى لا وطن لهما وكلما تناقص حجم الاغنياء بسبب مركزية رأس المال, ازداد طردا حجم الفقراء ليقتربوا فيما بينهم من اجل تأمين مستلزمات الحياة, الذي يعتبر الرغيف والصحة والتعليم الشعار الابرز في التقائهم ووحدتهم والحقيقة الاخرى ان الجشع والسيطرة القسرية وحب الامتلاك باستخدام لغة التهديد والوعيد للآخرين الذي يحكم النظام الرأسمالي هو بحد ذاته يمثل بذرة فنائه ناهيك عن ان كل الاشياء تحمل بذور فنائها في داخلها وما يجري هذه الايام كمن يحفر قبره بيده, ويعجل بأجله لانه سيخلق حالة من الوحدة بالرؤى ايضا كحاجة ماسة لا يمكن تجاوزها بين الدول النامية وتلك المنظمات التي لا تزال فاعلة في المجتمعات الغربية خاصة في الولايات المتحدة تعيد الى الاذهان عملية تصنيع الطرف المقابل او المواجه لاستحواذ هذا الطرف المتمثل بالولايات المتحدة على المستوى الكوني واذا تعذر ذلك ستعود المجتمعات الى ما كانت عليه في الربع الاول من القرن المنصرم تتسم بالصراعات الاجتماعية والسياسية, لكن هذه المرة ستكون على شكل مهزلة شعارها التطرف والقتل وانهيار الدول الوطنية وتفسخها الى دويلات اثنية وطائفية ومناطقية وقد يكون التعبير الحقيقي لهذا الخوف هو ما ابدته البلدان الفقيرة ضمن مجموعة الـ 24 في بيان السبت, عن قلقها الشديد من المشاريع الاصلاحية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي قد تحول بنظرهم, دون حصول عدد منها على قروض جديدة وقد جاء بيان الـ 24 ردا على توصيات لجنة خبراء عينها الكونجرس الامريكي ذو الغالبية الجمهورية لجنة ميلتزر التي طلبت من صندوق النقد الدوليألا يمنح قروضا الا في الحالات الطارئة واستتبع ذلك طلب الادارة الامريكية على ان يركز الصندوق على القروض قصيرة الاجل وطالبت المجموعة آنفة الذكر ايضا بتمثيل افضل في المنتديات الدولية المكلفة بالشئون المالية مثل (لجنة بال) للرقابة المصرفية او لجنة مجموعة السبع للاستقرار المالي التي تهتم بكل الانظمة المصرفية ولعل احتجاج هذه الدول الـ 24 والتي تعتبر الهيئة السياسية في الصندوق والتي تضم 24 من وزراء المال وحكام المصارف المركزية يمثلون 182 دولة عضوا في المؤسسة الدولية جاء ايضا نتيجة لتحول صندوق النقد الى العمل بسرية وكأنه حزب سري مغلق ولا يخضع للمحاسبة تحت قيادة مجموعة من رؤساء البنوك المركزية وكبار المسئولين في وزرات المالية لاصدار قرارات تتعلق بحكومات اخرى في شئونها الداخلية ويقاوم الصندوق كل الدعوات الى قبول العلنية والتقدير المستقل لاعماله. كما تدعم سياسة الصندوق من جهة اخرى رفاهية المؤسسات عن طريق فرض سياسات على البلدان النامية بتشجيع الاستيراد وتمنح اعفاءات ضريبية للشركات الاجنبية ومن الملاحظ ان القوى المحتجة داخل الولايات المتحدة والدول الغربية وبعض مؤسسات دول العالم الثالث هي ذاتها التي وقفت في سياتل ضد منظمة التجارة العالمية ومن نافلة القول ان ابرز هذه الاتجاهات اكثرها نشاطا هذه الايام هي منظمة (التبادل العالمي) والتي تعتبر العمود الفقري بالنسبة الى حركات الاحتجاج الاخرى ضد صندوق النقد والبنك الدوليين وان ما شجع هذه الاتجاهات على اتخاذ مثل هذه المواقف احساس العالم الغربي نفسه بمستقبل مظلم ينتظره فقد اوردت جريدة (الاوبزيرفر) في عام 1997, ان (ما يقرب من مليونين من الاطفال البريطانيين يعانون من اعتلال الصحة وتأخر النمو بسبب سوء التغذية وذلك نتيجة للفقر الذي وصل الى مستويات لم تشهدها بريطانيا منذ الثلاثينيات وقد تراجع التوجه السابق نحو تحسين صحة الاطفال كما ان امراض الطفولة التي كانت تحت السيطرة فيما مضى تتزايد الآن في معدلات هائلة بفضل التبشير بالسوق الحرة الذي يعجب المنتفعين من عوائده اعجابا كبيرا (هذا اذا ما تجاهلنا كاليفورنيا التي تعتبر من اكبر الولايات المتحدة الامريكية على المستوى الصناعي والتي تعج بالفقراء حتى اصبح عدد الحراس الذين يحرسون اصحاب رؤوس الاموال ومؤسساتهم اكثر من فرص العمل وان مدخولاتهم تتجاوز مدخولات العمال المنتجين في تلك المصانع الكبرى والسؤال الابرز والاهم هل حقا ستسلم الشعوب الاوروبية برفاهيتها التي استحوذت عليها بعد الحرب العالمية الثانية وبعودتها الى دورة الفقر مرة اخرى نزولا عند رغبة وتوجهات حفنة من المتحكمين بالسياسة المالية على المستوى الدولي في الولايات المتحدة الامريكية وبعض الشركاء الاوروبيين وسماسرة دول الجنوب؟ بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق