ومن المؤكد أن الحديث العلمي عن مسئولية المؤسسات الدولية في ثنائيات التنمية والتخلف, أو الغنى والفقر, يظل حديثا عن المسئولية (النسبية) , بما لا يغفل عن تفاعل الشروط الذاتية الخاصة بمجتمعات الجنوب وفي القلب منها نظمها السياسية, في تفاعل هذه الشروط مع تاريخ من العلاقات المتوترة مع دول الشمال بكل ما أدت اليه تلك العلاقات غير المتكافئة من حاضر مرير. الصندوق عما قادت اليه خططه وبرامجه ونصائحه في الواقع الحي. البنك والصندوق والجات ولا يجري الحديث عن صندوق النقد الدولي بعيدا عن البنك الدولي, أو دون ذكر اتفاقية ومنظمة الجات, باعتبار الثلاثة أدوات المراكز الرأسمالية المتقدمة الراهنة في الهيمنة على العالم المعاصر, لكن الصندوق والبنك في هذه الثلاثية الرأسمالية (توأمان) , فقد تم انشاء كل من الصندوق والبنك بموجب اتفاقية واحدة أقرها مؤتمر (بريتون وودز) في شهر يوليو من عام ,1944 حيث دخلت تلك الاتفاقية حيز التنفيذ في 27 ديسمبر عام 1945. وتبين واقع (توأمة) كل من الصندوق والبنك من تكاملية هدف انشاء كل منهما منذ أكثر من نصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان الهدف من انشاء البنك الدولي (للاعمار والتنمية) هو المساعدة على اعادة اعمار دوله الأعضاء بعد الخراب الذي لحق باقتصادها نتيجة للحرب العالمية الثانية, وتنميتها عن طريق تيسير استثمار رؤوس الأموال لاغراض انتاجية, وتشجيع الاستثمارات الخاصة الأجنبية بواسطة تقديم الضمانات, والمشاركة في تقديم قروض لاستثمارات يقدم عليها القطاع الخاص, والعمل على تطوير نمو متوازن للتجارة الدولية, والمحافظة على استقرار موازين المدفوعات بتشجيع الاستثمارات الدولية الهادفة التي تنمية الموارد الانتاجية للدول الأعضاء. وفي نفس السياق, وطبقا لأحكام الاتفاقية المنشئة, يهدف صندوق النقد الدولي الى تشجيع التعاون الدولي في المجالات النقدية والمصرفية, وتوسيع وتنسيق مجال التبادل التجاري بين الدول الأعضاء, والمساعدة في حل المشاكل المالية العالمية من خلال وضع نظام مناسب للتجارة الدولية, والعمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف وتصحيح أوجه الخلل في موازين المدفوعات للدول الأعضاء. ولم تنشأ الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات (الجات) بعيدا عن سياق انشاء كل من البنك والصندوق الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية, كاستجابة لدعوة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لمنظمة الأمم المتحدة عام 1946 لعقد مؤتمر دولي لبحث مسألة التجارة والتبادل التجاري, وقد استجابت الدول لهذا الأمر واجتمع ممثلوها في (هافانا) عام ,1947 وتم توقيع ما سمي بميثاق هافانا الذي نص على انشاء ما عرف بمنظمة التجارة الدولية, تلك التي لم يقرر لها ان ترى النور بسبب عدم القدرة على التصديق على ميثاق هافانا, واعادة المحادثات خلال عام ,1947 تلك التي انتهت في 30 نوفمبر 1947 بالتوقيع على الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات (الجات) حيث حددت هذه الاتفاقية أهدافها في الغاء كافة أشكال القيود التي تعرقل حرية التبادل التجاري بين الدول الموقعة, والأخذ بمبدأ التفاوض والحوار في حل أي مشكلات تظهر في نطاق العلاقات التجارية. وقد حلت محل منظمة (الجات) (G.A.T.T) منظمة التجارة العالمية (W.T.O) تلك التي انبثقت عن دورة أوروجواي, لتشكل أحد الأذرع الثلاثة للعولمة, على صعيد تحرير المبادلات التجارية في جميع المجالات: تجارة السلع, تجارة الخدمات بأنواعها, العقود والمشتريات الحكومية, حقوق الملكية الفكرية, التدابير التجارية المتعلقة بالاستثمارات. فقر وبطالة وديون ولم يستطع صندوق النقد الدولي بخططه وبرامجه ونصائحه تحقيق أهدافه المعلنة حول دعم التنمية أو تحقيق الاستقرار في العلاقات الاقتصادية الدولية, فوفق تقديرات البنك الدولي توأم الصندوق وشريكه الدولي, ارتفع عدد الأشخاص تحت خط الفقر, ويقل دخل الواحد منهم عن (دولار واحد) في اليوم من 3.1 بليون نسمة عام 1993 الى 6.1 بليون نسمة في نهاية عام ,1998 وأصبح أكثر من 5.1 بليون انسان في بلدان العالم الثالث يفتقرون الى الرعاية الصحية والمياه النظيفة الصالحة للشرب, ويعاني 60% من السكان من انتشار الأوبئة. ووفقا لمنظمة العمل الدولية فان البطالة تؤثر في بليون انسان من قوة العمل العالمية, وجلهم ينتمي الى العالم الثالث, وفي حين قدرت الديون بنحو 2 تريليون دولار في نهاية عام ,1997 وبلغت ديون افريقيا لأوروبا وحدها ما يزيد على 350 بليون دولار, وتشير تقارير الأمم المتحدة الى أن الفارق بين دخل الأغنياء في دول المراكز الصناعية والفقراء في الأطراف يزداد اتساعا, حيث كان هذا الفارق في الستينيات يصل الى 30 ضعفا وأصبح في الثمانينيات 60 ضعفا أما في التسعينيات فقد بلغ هذا الفارق 90 ضعفا. تفاقم الأزمات والعنف ولا يقف صندوق النقد الدولي في طرحه للحلول عند أيديولوجيته الرأسمالية التقليدية, ما قبل كينز, بل يتجاهل البيئة الاجتماعية للأزمات, ولا يقف عند استخدامه لآلية الديون لاعادة تمويل المراكز الرأسمالية المتقدمة على حساب العالم الثالث, عن طريق خطة اعادة جدولة الديون, تلك التي تتطلب قروضا جديدة لتمويل متطلبات خدمة الدين, الأمر الذي يفاقم من المديونية, ويستهلك الدخل القومي, فضلا عن عملية نزح أكثر من نصف القرض في تمويل أجور الخبراء الأجانب ودراسات الخبرة الأجنبية, الأمر الذي يدفع المفكرين والخبراء الاقتصاديين الوطنيين الى الدعوة للامتناع عن دفع الديون, ودفع فيدل كاسترو في مؤتمر هافانا الأخير, حيث عقدت قمة الـ77 التي شارك فيها قادة وممثلون لـ122 دولة في منتصف ابريل ,2000 الى ضرورة هدم صندوق النقد الدولي والغاء الديون الخارجية للدول النامية, ووصف النظام الاقتصادي العالمي بأنه شكل من أشكال التمييز العنصري يفرض على ملايين البشر العيش في فقر, بل يقدم صندوق النقد الدولي برامجه ونصائحه وقروضه مشروطة بضرورة انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي, والغاء الدعم على السلع الاساسية, وضرورة بيع شركات ومؤسسات القطاع العام, وترك النشاط الاقتصادي الاستثماري والخدمي لآليات السوق, والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية, وتخفيض ثمن العملات الوطنية أمام العملات الأجنبية.. الخ. وتتصور هذه الوصفات التي تنتمي الى ليبرالية ما قبل كينز, أو ليبرالية المنافسة الحرة, أو ليبرالية آليات السوق, أن الدور الاقتصادي الاستشاري للدولة في العالم الثالث هو المتسبب في الأزمة الاقتصادية, متجاهلة الأسباب الحقيقية المرتبطة بكل من الديون والفساد, ومتجاهلة حقيقة غياب فئات رأسمالية قادرة على موازنة الدور الاقتصادي الاجتماعي للدولة طوال المراحل التاريخية في الخمسينيات والستينيات وحتى الآن, أي في مراحل ما قبل وما بعد الاستقلال وقيام الدول الوطنية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. ويؤدي هذا التجاهل الى وصفة حلول تقود في جوهرها الى انسحاب الدولة من دورها الاقتصادي الاجتماعي, حيث تشتعل أسعار السلع والخدمات, وتزداد معدلا ت التضخم, وتتقلص فرص العمل, ويؤدي كل هذا الى تفاقم التناقضات الاجتماعية بين قلة ثرية مترفة طفيلية, وأغلبية من الفقراء, وجيوش من البطالة, الأمر الذي يؤدي الى انفجار العنف الاجتماعي والديني والطائفي. أندونيسيا وماليزيا وتتقدم كل من أندونيسيا وماليزيا كنموذجين للتعامل مع اقتراحات وبرامج وحلول صندوق النقد الدولي في مواجهة الأزمات. فحين اندلعت الأزمة المالية في آسيا منذ عام 1997 وتفاقمت الأزمة في عام 1998 تقدم صندوق النقد الدولي بخطته لحل الأزمة, وكانت الخطة موحدة في تجاهل للفروق بين عناصر الأزمة في كل دولة. والتزمت ثلاث دول آسيوية رئيسية هي كوريا الجنوبية وأندونيسيا وتايلاند بتطبيق البرنامج التقشفي مقابل تنظيم الصندوق لبرامج لانقاذها ماليا, بينما رفضت ماليزيا برنامج الصندوق وأعدت برنامجها الخاص الذاتي لمواجهة الأزمة. وفي أندونيسيا قاد برنامج صندوق النقد الدولي الى كثير من الجدل والى مفاقمة الصراع السياسي والاجتماعي, والى ثورة الطلبة التي ساهمت في ازاحة سوهارتو وتفجير العنف الاجتماعي في البلاد. أما ماليزيا التي رفضت خطة صندوق النقد الدولي فقد رأت أن خطة الصندوق يمكن أن تعرض البلاد لأزمة كبرى, ويمكن القول أن نتائج البرنامج الذي طبقته ماليزيا بالاعتماد على نفسها لمواجهة الأزمة المالية كانت نتائجها أفضل من النتائج التي حققتها أندونيسيا, مع العلم أن أندونيسيا قد تلقت نحو 2.41 مليار دولار كمساعدات من صندوق النقد والبنك الدوليين, بينما اعتمدت ماليزيا على نفسها في مراعاة لأوضاعها الداخلية, معتمدة على آلية تدخل الدولة بقوة من خلال آليات السوق, في سوق العملات والبورصة لدعم العملة الماليزية, الأمر الذي كان يرفضه الصندوق رفضا أيديولوجيا. وبسبب تجربة النمور الآسيوية, وتجارب الأنظمة التي تحولت الى نظام آليات السوق وفقا لخطط وبرامج صندوق النقد الدولي, وبسبب تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال العقد الأخير من القرن العشرين, تدهورت سمعة صندوق النقد الدولي, وحامت حول خططه الشبهات, واندلعت ضده التظاهرات, في الجنوب كما في الشمال. بقلم: محمد فرج كاتب مصري