من أخطر المشكلات التي تواجه الإنسانية ذلك التفاوت الصارخ في مستويات المعيشة بين أكثر دول العالم ثراء واشدها فقرا, وإذا نظرنا إلى مقياس من المقاييس التي تحدد حظ الدول من الثراء أو الفقر, وهو معدّل دخل الفرد, نجده يتجاوز أربعين ألف دولار في السنة في سويسرا (43 ألف دولار) وفي لوكسمبرج (41 ألف دولار) بينما لايزيد في دولتين افريقيتين هما الكونجو واثيوبيا على 110 دولارات في السنة, أى ان دخل الفرد في أغنى دول العالم يوازي وحسبك ان تعرف ان متوسط عمر الفرد في دولة مثل اليابان, حيث يبلغ معدّل دخل الفرد 38160 دولاراً في السنة, يصل إلى ثمانين سنة ينعم خلالها في الاغلب الأعم بصحة جيدة ويلقى من عناية المجتمع واهتمامه بل وتكريمه في شيخوخته ما يلقى, بينما لايزيد متوسط عمر الفرد في دولة افريقية مثل سيراليون حيث لايتجاوز معدل دخل الفرد 160 دولاراً في السنة, على 37 سنة, وأي تحد يمثله هذا التباين الصارخ بين أغنياء العالم وفقرائه, بين أقل الدول نموا وأكثرها تقدما, امام المبشرين بما دخل ادبيات السياسة والاقتصاد في عشر السنوات الأخيرة أو نحو ذلك من مصطلحات العولمة والعالم والقرية الكونيّة وما شئت أن تضيفه من مسميات. ومع انتهاء الحرب العالمية في الاربعينيات ساد الشعور بأن تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي سيكون الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها الأمل في عالم يسوده السلام, وانه لا غنى عن اقامة مؤسسات دولية تقدم لدول العالم ما تحتاجه لتوفير مستويات معقولة من الحياة لمواطنيها, واسفر مؤتمر بريتون وود الشهير عام ,1944 والذي شارك فيه ممثلون عن 44 دولة, من بينها الاتحاد السوفييتي, عن انشاء مؤسستين عالميتين لهذا الغرض, الأولى هي البنك الدولي لإعادة الاعمار والتنمية, وصدقت الدول المشاركة في المؤتمر على اتفاقية انشائه عام ,1945 واصبح يعرف فيما بعد باسم البنك الدولي, والمؤسسة الاخرى هي صندوق النقد الدولي, والتي صدقت الدول المشاركة على اتفاقية انشائها عام ,1946 وتندرج تحت البنك الدولي عدة مؤسسات هي أكبر مصدر لتقديم القروض لتمويل مشروعات البنية الأساسية مثل الطرق ومحطات توليد الكهرباء وما اليها, وتقدم حاليا ما يقرب من 30 بليون دولار في السنة للدول الأعضاء في البنك (181 دولة), بينما يقدم صندوق النقد الدولي القروض للدول الأعضاء لمساعدتهم على التغلب على المشكلات الناتجة عن العجز في موازين المدفوعات, واضيفت إلى هاتين المؤسستين عام 1947 الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة والتي تغير اسمها عام 1945 إلى منظمة التجارة العالمية ويبلغ عدد الدول الأعضاء فيها في الوقت الحاضر 135 دولة, وهدفها هو العمل على حرية انتقال البضائع ورؤوس الأموال من دولة إلى أخرى دون قيود أو عوائق. وهذه المؤسسات الدولية الثلاث هي من وجهة نظر مؤسسيها الاعمدة التي ينهض عليها الاقتصاد العالمي الجديد, أو لنقل العولمة الاقتصادية, وفي الوقت نفسه من وجهة نظر منتقديها هي الأجهزة التي تستخدمها الدول الصناعية الغنية للسيطرة على الدول الأقل حظا, تمنحها القروض وتفرض عليها شروطا تخل بالتماسك الاجتماعي فيها, وتعجزها عن توفير الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية لمواطنيها بما تمتصه من مدفوعات خدمة الدين, ثم تفرض عليها عن طريق قواعد منظمة التجارة العالمية ان تفتح أبوابها لتدفق البضائع من الدول الصناعية دون قيود, ولاتسمح لها بأن تحمي الصناعات المحلية التي لاتستطيع ان تصمد في التنافس, من ثم تحكم عليها ان تظل تابعة لاقتصاد الدول الصناعية الغنية, لاتملك فكاكا من اسر الحلقة المفرغة للفقر والاستدانة ومزيد من الفقر والتخلف. ومشكلة الديون الأجنبية من المشكلات العسيرة التي تواجه العديد من الدول النامية, خاصة ما يسمى بالدول الاقل نموا, وتحكم عليها بالبقاء في دائرة الفقر والتخلف, ومعظم هذه الدول في افريقيا, حيث توجد 33 دولة من بين 44 دولة اطلق عليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اسم (الدول الفقيرة المثقلة بالديون) (HIPC), وقد بدأت رحلة الاستدانة في هذه الدول في السبعينيات, وربما لم يدرك المسئولون عن اقتصادياتها حينذاك, ان الارتفاع الذي طرأ علي اسعار صادراتها من المحاصيل الزراعية أو المواد الاولية لن يكتب له الدوام, ولم تتوقف عن الاستدانة والانفاق والاستدانة من جديد وقد شجعتها المؤسسات المالية الغربية على الوقوع في ربقة الديون, وكانت شهية تلك المؤسسات مفتوحة حينذاك لاقراض الأموال التي اتخمت خزاناتها والحصول على فوائد مرتفعة وتحقيق ارباح باهظة, وهذا التوافق في المصالح بين حكومات قليلة الخبرة وبنوك يحركها الجشع لتحقيق الأرباح إلى تدفق الأموال على الدول الافريقية لتهدر في مشروعات القدر الأكبر منها لايمس الاحتياجات الحقيقية للمواطنين التعساء, اضافة إلى ذلك انفق نحو 20% من القروض التى حصلت عليها تلك الدول الفقيرة على شراء الأسلحة, وزادت المديونية شيئا فشيئا دون ان تنتبه تلك الحكومات إلى الخناق الذي يضيق حول اعناقها, والمؤسسات التي تقدم القروض لاتهتم إلا بالحصول على أقساط الدين مع الفوائد, والجميع يستفيدون من هذا الوضع عدا المواطنين التعساء الذين لايلمسون تحسنا فى احوالهم المعيشية, وعندما انهارت أسعار الصادرات الافريقية من السلع الأولية وارتفعت في الوقت نفسه أسعار الوقود والأسمدة عجزت الدول الافريقية عن الوفاء بمدفوعات الديون, ومع بداية الثمانينيات كانت الدول الافريقية تئن تحت وطأة ما استباحته لنفسها من ديون سهلة قبل ذلك بسنوات, وعندما أدركت البنوك التي اقرضت تلك الدول ان لاسبيل إلى الحصول على ديونها لجأت إلى صندوق النقد الدولي ليقوم باقراض الدول المدينة حتى تستطيع تلك البنوك ان تستخلص مستحقاتها, ومن أمثلة ما حدث حصول سيتي بنك على الديون المستحقة على زائير (الكونغو الآن), فقد سدد صندوق النقد الدولي ما عليها من قروض للسيتي بنك, ومما ساعد عن ذلك ان زائير كانت حينذاك تحت حكم موبوتو سيسيكو الذي كان حليفا لواشنطن, وظلت زائير مثقلة بالديون, وكل ما حدث هو تغير الدائن, وهكذا دفعت الدول الفقيرة في افريقيا ثمنا باهظا يقتص من مستقبل ابنائها. وقد اصبح من المستحيل في الوقت الحاضر على الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) ان تسدد ديونها وما عليها من تبعات, الدول الافريقية وحدها في هذه المجموعة تبلغ ديونها 227 بليون دولار, ومن اين لبلد مثل موزمبيق ان تدفع 4.1 مليون دولار كل اسبوع, لكي يحدث هذا لابد ان يوجه كل سنت تحصل عليه الدولة من أي مصدر لدفع الديون, ولن يكون لديها ما تنفقه على الخدمات التعليمية أو الصحية أو توفير مياه الشرب والمرافق الأساسية لمواطنيها, والديون في الوقت الحاضر تستهلك دخل العديد من الدول الفقيرة في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية, وعندما يقدم صندوق النقد الدولي قروضا جديدة يربط هذه القروض بشروط ادخال ما يسمى (تعديلات هيكلية) في الاقتصاد, وهذه التعديلات تتضمن في أحوال كثيرة خفض الانفاق الحكومي على الخدمات ورفع أسعار الفائدة وفتح الاقتصاد أمام المستثمرين الأجانب, والاعتماد على رخص الأيدي العاملة لانتاج محاصيل زراعية وبضائع موجهة للتصدير, وغالبا ما تلقي هذه التعديلات الهيكلية بالعبء الأكبر على المواطنين, وتجعل حياتهم أكثر صعوبة ومعاناة. وتتعرض ممارسات صندوق النقد والبنك الدوليين لانتقادات عنيفة تحملهما مسؤولية الفقر والتخلف في دول العالم الثالث, والاجتماع الأخير في 16 و17 ابريل في واشنطن لوزراء الاقتصاد ومحافظي البنوك المركزية من نحو 25 دولة مع المسؤولين من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية, ما يعتبر بمثابة مجلس إدارة العولمة الاقتصادية, اثار مظاهرات وحملة احتجاجات عنيفة تذكرنا بما حدث عند اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل في العام الماضي. وتفاقم مشكلة الفقر والتخلف في دول العالم الثالث واستمرار التفاوت المشين بين مستويات المعيشة فيما يسمى بدول الشمال والجنوب يفرض الحاجة الى تغيير القواعد التي تحكم عمل المؤسسات الدولية, صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية, والانتقادات الموجهة الى اسلوب عمل هذه المؤسسات لا تقتصر على الدول المتضررة فقط بل تأتي كذلك من الدول الغربية التي تسيطر على هذه المؤسسات وتوجه مسارها ووزير الخزانة الامريكي لورنس سومر في تصريحاته بمناسبة اجتماع هذه المؤسسات في واشنطن في 16و17 ابريل يقر بأوجه القصور ويرى ان الفوائد التي ترتبت على المساعدات التي قدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كانت (مخيبة للآمال) خاصة في اكثر الدول فقرا, ويرى انه في الوقت الذي لا يزال فيه 1.3 بليون شخص في العالم يعيشون على اقل من دولار واحد في اليوم يحتاج العالم بشكل ملح ومتزايد الى أن تقوم المؤسسات الدولية بدور اكثر فعالية في تحقيق التنمية البشرية. وملامح التغيير الذي يحتاجه النظام المالي العالمي للتقدم نحو عالم اكثر عدالة وامنا يمكن ان نتبينها في عدة عناصر اولها واهمها اعفاء الدول الفقيرة من الديون التي تثقل كاهلها والدعوة الى الاعفاء من الديون اصبحت اكثر تقبلا وتكسب انصارا في الغرب والبعض يطالب بالغاء المديونية كلية واعتبار القروض التي حصلت عليها لدول الفقيرة منحا لا ترد والداعون الى ذلك يشيرون الى ان دولة غنية مثل الولايات المتحدة لو تنازلت عن كل ما لها من ديون على الدول الفقيرة لما كلف ذلك المواطن الامريكي اكثر من بضعة سنتات وتوجد اعتراضات عديدة على فكرة الالغاء الكلي للديون, بدعوى ان الالغاء يضعف الثقة في النظام المالي الدولي وسيكون من الصعب في المستقبل وجود مقرضين وقد لا يكون ذلك في صالح الدول التي قد تحتاج الى قروض والاتجاه الاغلب هو تخفيف عبء المديونية والتنازل عن جزء كبير من الديون خاصة المستحقة على الدول الاكثر فقرا وقد بدأت الدول الصناعية الكبرى برنامجا للتنازل عن 29 بليون دولار مستحقة على الدول الفقيرة, وذلك بهدف اعطاء تلك الدول الفرصة لانفاق قدر اكبر من مواردها على مشروعات التنمية الاجتماعية الا ان برنامج تخفيف الديون يرتبط مثل كل ما تقدمه الدول الغنية من مساعدات بشروط وينبغي للدول الفقيرة ان تتقدم باستراتيجية لتخفيف الفقر, وان يعتمد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هذه الاستراتيجية حتى تتأهل الدول المدينة لتخفيف المديونية وقد يكون هذا الاعفاء غير كاف لتحرير الدول الفقيرة من عبء المديونية وقد تكون تلك الاستراتيجية المطلوبة عائقا جديدا امام هذه الدول الا انها بداية الطريق نحو مساعدة الدول المثقلة بالديون على ان تجد طريق الخلاص. والعنصر الثاني في الهيكل المالي الجديد هو الحد من تدخل صندوق النقد الدولي وما يرفضه من شروط تحت عنوان (التعديلات الهيكلية) ومن المعترضين على هذه الشروط جوزيف ستجليتز وكان كبير الاقتصاديين ونائب مدير البنك الدولي وعضوا سابقاً في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الامريكي ووجهة نظره ان صندوق النقد الدولي يقوض الاسس الديمقراطية بما يفرضه من سياسات على الدول المقترضة ويرى ان السياسات التقشفية التي يشترطها صندوق النقد الدولي تزيد الاحوال الاقتصادية سوءا وتؤدي الى تفكك الخدمات الاجتماعية وانهيار شبكة الامان الاجتماعي في الوقت الذي تكون الدولة المقترضة في اشد الحاجة الى هذه الضمانات والنقطة المهمة التي يشير اليها في نقده لسياسة صندوق النقد والبنك الدوليين هي ان الرأسمالية في المجتمعات الغربية لا تستسلم لقوى السوق وحدها بل تقترن ببرامج اجتماعية مثل التأمين ضد البطالة والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية, اذا لا تقبل هذه المجتمعات ان يكون العمال او كبار السن او الفقراء تحت رحمة الازمات الاقتصادية وبينما اصبح وجود هذه البرامج الاجتماعية في الغرب من المكاسب المسلم بها كيف يفرض صندوق النقد او البنك الدولي تحت ما يسميه (تعديلات هيكلية) شروطا تتعارض مع المكاسب الاجتماعية التي تحققت في الدول الرأسمالية ذاتها. لذلك من الضروري ان يحدث تغير في الاسلوب الذي يتبعه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وان تدرك المؤسستان ان الشروط الصارمة التي تفرض على القروض مثل رفع سعر الفائدة وخفض الانفاق الحكومي والغاء دعم المواد الضرورية يمكن ان تأتي بنتائج عكسية ولابد ان تترك ادارة الاقتصاد للدولة التي تحصل على قروض دون تدخل يحد من سيادتها ويعرضها لقلاقل اجتماعية. والعنصر الثالث في الاستراتيجية المطلوبة والتي يمكن تخطو بالعالم نحو تخفيف حدة الفقر المشين والفجوة بين المجتمعات الغنية والمجتمعات الفقيرة هو اعطاء الدول النامية شروطا افضل في ظل منظمة التجارة العالمية, حتى تستطيع هذه الدول توفير الحماية لصناعاتها الوطنية وعدم وقوع اسواقها تحت غزو منتجات تقوض القاعدة الصناعية فيها, وفي الوقت نفسه فتح اسواق الدول الغنية امام منتجاتها. ولا يزال الطريق طويلا امام القضاء على الفقر والتخلف وتغيير فلسفة المؤسسات المالية الدولية التي تديرها وتسيطر عليها الدول الصناعية الغنية سيخطو بالعالم ولو خطوات محدودة نحو مستقبل افضل. بقلم: محمد خليل كاتب مصري مقيم في لندن