قال الدكتور جاسم المناعي المدير العام رئيس مجلس ادارة صندوق النقد العربي ان هناك دورا متزايدا للمنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية ومنطمة التجارة العالمية وغيرها من المنظمات والشركات التي تعمل لمزيد من الترابط بين مصالح دول العالم وتسعى الى تبني دول العالم تشريعات وممارسات متقاربة ومنسجمة سواء في مجال السياسات الاقتصادية او في مجال التجارة الدولية او في المجال المالي وقال في حديث لـ (الملف السياسي) ان المشهد الاقتصادي العالمي بما يتضمنه من اتجاهات اقتصادية حديثة تعكسها عدة مؤشرات في كل من اقتصاديات امريكا واوروبا واليابان بالاضافة الى الاوضاع في البلدان الناشئة تؤكد وتعزز المعطيات الجديدة لاقتصاد القرن الواحد والعشرين. واستذكر بهذا الصدد عولمة الاقتصاد والدور المتزايد للشركات والمنظمات الدولية وقال ان التفهم لهذه المعطيات يساعد على قراءة المستقبل, على الاقل, المنظور لاقتصاديات دول العالم. وقال الدكتور المناعي ان العولمة والتطور الهائل في وسائل الاتصال سوف تؤدي الى ممارسات جديدة في الانتاج وانماط العمل المتعارف عليها وكما ادى اجماع دول العالم تقريبا الى تبني اقتصاديات السوق الحر والمناداة بالنظام الديمقراطي كأفضل ترتيب اقتصادي وسياسي لدول العالم الى درجة تصريح بعض المفكرين مثل فوكوياما بنهاية التاريخ فإن العولمة وتقدم الاتصالات يشيران بشكل متزايد الى نهاية مفهوم الجغرافي, وفي الواقع تنبني مثل هذه التغيرات الهامة على توجهات جديدة لدول العالم في مجال الانتاج والعمل والتجارة والاستثمار وما يترتب على ذلك من سياسات اقتصادية تعكسها مثل هذه التوجهات. واضاف ان نظريات اقتصاديات الحجم والمزايا النسبية اخذة في التغير وفقا للتطورات التي عرفها العالم مؤخرا فلم تعد الدول الصغيرة على ضوء تحرير وفتح اسواق العالم محرومة من تحقيق اقتصاديات الحجم الذي كانت تحكمه في السابق محدودية هذه الدول وقدراتها الشرائية وكذلك فإن مفهوم المزايا النسبية القائم على توفر الموارد الطبيعية لم يعد حسبما يبدو يؤثر كثيرا في توطين المشاريع والاستثمار بقدر ما يلعبه تطور ووضوح التشريعات الاستثمارية وتوفر العناصر البشرية المؤهلة. وقال ان العالم يتجه الى تعزيز اقتصاديات الخدمات على حساب القطاعات الاقتصادية التقليدية مثل الصناعة والزراعة, كذلك فإن العالم يتجه وفقا للمتغيرات الحديثة الى انعطاف كبير في ممارسة العمل, فمن ناحية نجد ان تطور التكنولوجيا وخاصة في مجال الاتصالات يعمل في اتجاه لا مركزية العمل او بمعنى آخر امكانية ممارسة العمل عن بعد. مرحلة اقتصادية جديدة. وبغض النظر عن الدور الذي يلعبه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في رسم مسار الاقتصاديات العالمية الا ان العالم كما يرى الدكتور المناعي يتجه الى مرحلة اقتصادية جديدة لا يمثل فيها التضخم الهاجس الاكبر للسلطات النقدية حيث كما يبدو فإن متوسط معدل التضخم وصل الى ادنى مستوى له منذ 40 عاما, ولا شك ان العولمة وما يصحبها من منافسة لم تسمح بارتفاع في الاسعار كما ان الانضباط في السياسات المالية والنقدية التي كانت احدى مقومات الاصلاح الاقتصادي قد ساعدت في كبح جماح التضخم بشكل مهم, هذا في الوقت الذي بدأ اهتمام السلطات النقدية يتجه الى التخوف من تضخم اسعار الاوراق المالية وفيما اذا استدعى مثل هذا الامر تحرك هذه السلطات على جبهة اسعار الاوراق المالية حتى لا يؤثر اي اضطراب او انتكاسة في هذه الجبهة على سلامة السياسات النقدية بوجه خاص والسياسات الاقتصادية بوجه عام. توجهات اقتصادية جديدة ورصد الدكتور المناعي عددا من التوجهات الاقتصادية الجديدة وهي: تقلص سلطات الحكومات المحلية فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الدولية التي اصبحت تحكمها معايير وتشريعات دولية لا تترك الكثير لحكومات دول العالم. وقد بدا هذا الامر واضحا سواء في مجال التجارة الدولية او الاستثمار او الانشطة المصرفية التي اصبحت تدريجيا تعمل وفقا لقوانين وتشريعات دولية اكثر منها قوانين ولوائح محلية وطنية, هذا التوجه يزداد مع العولمة بشكل سيقلل الى حد كبير من التباين المتبقي في سياسات الدول المالية والاستثمارية والتجارية والمصرفية. تقليص هذا التوجه لسيادة الحكومات في هذه المجالات الا انه من الناحية الايجابية سيدفع الدول الى الارتقاء بممارساتها الاقتصادية والاقتراب بها الى مستوى الاجماع الدولي. مستقبل الاقتصاد العربي يقول الدكتور جاسم المناعي انه مما يزيد من اهمية انعكاس المعطيات الدولية على اقتصاديات الوطن العربي هو الانكشاف الخطير لمعظم الاقتصاديات العربية على الاقتصاد العالمي. وقال ان مستوى انكشاف الاقتصاديات العربية ممثلا في نسبة التجارة الخارجية الى الناتج المحلي الاجمالي المحلي يصل في بعض الحالات الى حوالي 84% في المتوسط وهو مستوى مرتفع بالمقاييس الدولية. وكذلك فإن اقتصاديات الدول العربية تعتمد على تصدير سلع اولية محدودة تتعرض لتقلبات وتتأثر بالمعطيات الاقتصادية على الساحة الدولية الا ان اداء الاقتصاديات العربية في المتوسط يعتبر متواضعا واقل بكثير من اداء الدول النامية الامر الذي لا يساعد كثيرا في اللحاق بقطار التقدم الذي تسير به الدول الغربية. واكد مدير عام صندوق النقد العربي ان التحولات والتوجهات الاقتصادية العالمية الجديدة تحتاج الى جهود اكبر حتى يمكن للعالم العربي مجاراتها والعمل من ناحية على الاستفادة من ايجابياتها وتجنب من ناحية اخرى مخاطرها وسلبياتها وعلى العالم العربي بدون شك العمل اقتصاديا على عدة جبهات حتى يستطيع التعامل بشكل مفيد وايجابي مع المشهد الاقتصادي العالمي. وقال انه لابد من العمل على التقدم في مجال الاصلاحات الاقتصادية لكي نضمن حسن توظيف الموارد وتحقيق معدلات النمو التي تتناسب وحجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها معظم دولنا العربية, كما ان الاقتصاديات العربية تحتاج الى مزيد من الترشيد واعادة النظر في هيكل الانفاق حتى نضمن تقدم مستوى الانشطة الاقتصادية وعملية التنمية بشكل قابل للاستمرار. واضاف الدكتور المناعي انه لابد من مزيد من الافصاح والشفافية والسعي الى تحرير كثير من الانشطة الاقتصادية وذلك لتشجيع المنافسة واكتساب المهارات وتعزيز ثقة المتعاملين في انشطة الاقتصاد العربي من مواطنين واجانب. وقال ان عدم تكامل الاقتصاديات العربية مع الاقتصاد العالمي بشكل كاف وعدم تمكن اقتصاديات الوطن العربي من جذب الاستثمارات الاجنبية بحجم مطلوب ترجع الى جهل كثير من المستثمرين محليين واجانب بالامور التي تحيط بممارسات الانشطة الاقتصادية في الدول العربية بالاضافة الى البيروقراطية والروتين وكذلك التردد في فسح مزيد من المجال للمنافسة الامر الذي لم يوفر للكثير من الانشطة الاقتصادية العربية الظروف والبيئة الصحية المؤاتية التي من شأنها تعزيز القدرة على التعامل مع المعطيات العالمية بالشكل الذي يتيح لها الاستفادة من الفرص المتوفرة على الساحة الدولية كما ان من شأنها زيادة مناعة اقتصادياتنا تجاه عدوى الازمات وتحديات العولمة الاقتصادية وقال ان هذه الامور تنطبق بشكل خاص على قطاع التجارة والقطاع المالي من انشطة مصرفية واسواق رأس المال لا تزال تعيش في جانب مهم منها تحت مظلة الحماية الحكومية وتفتقد الى درجة اكبر من الشفافية والافصاح. الموقف العربي من العولمة: وقال الدكتور المناعي ان من الامور المهمة الاخرى التي نحتاج لمعالجتها لمواجهة المشهد الاقتصادي العالمي هي حسم موقفنا كعرب من العولمة وقال انه لا ينبغي ربط العولمة بالمشاعر التي خلفها لنا الاستعمار تجاه الاجانب والغرب لاننا نعيش في عالم جديد نحتاج ان نتعامل معه بعقلية جديدة غير مكبلة بإرث الماضي, ولابد من ان ندرك وفقا لاوضاعنا المتواضعة بأننا نحتاج الى الاستفادة من العالم اكثر من حاجة العالم الى الاستفادة منا. وقال ان مصير العزلة والتقوقع هو بدون شك التهميش الذي لا ينبغي ان نترضيه بل لابد من العمل على تحقيق اقصى استفادة ممكنة من الفرص التي توفرها العولمة كما عملت على تحقيق ذلك كثير من الدول النامية من خلال تحسين مستوى معيشة مواطنيها خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا وهذا لا يقلل من اهمية الصعاب والتحديات التي ترتبط بالعولمة والتي لا يجب ان تثنينا عن تثبيت وتعزيز مواقعنا على الخارطة الدولية. ودعا الدول العربية للالتفات الى العنصر البشري وتأهيل الموارد البشرية بالشكل الذي يحقق الاندماج المطلوب لهذه الموارد في عملية التنمية لضمان مشاركتها وتفاعلها حتى نحقق افضل استثمار لمواردنا الاقتصادية وقال ان العنصر البشري في الدول العربية يعاني من ارهاصات العولمة كما ان الانسان العربي يبدو مشوشا تجاه العولمة فمستوى البطالة في الدول العربية يعتبر الاعلى بين دول العالم في حدود 15% في المتوسط بما يتضمن من احباطات وظروف نفسية ومعيشية مزرية هذا بالاضافة الى استمرار الارتفاع في نسبة الأمية التي لا تزال تفوق 40% في عصر الانترنت واقتصاد المعلومات ودعا الدكتور المناعي الى ضرورة زيادة درجة التنسيق وتعزيز التعاون الاقتصادي العربي كما ان مشروع منطقة التجارة العربية الحرة من شأنه ازالة الكثير من القيود والعقبات امام انتقال السلع بين الدول العربية, واشار الى ان الدول العربية قطعت حتى الآن شوطا لا بأس به في هذا المشروع حيث وصل تخفيض الرسوم الجمركية على البضائع العربية الى 30% الا اننا نأمل في مزيد من التقدم في هذا المجال واعرب عن امله بأن تتمكن منظمة التجارة العربية الحرة من ادراج قطاع الخدمات والسلع ضمن الانشطة التي يشملها انجاز الاتحاد الجمركي الذي يمثل مرحلة متقدمة من التعاون الاقتصادي العربي. اجرى الحوار: د. جمال المجايدة