كشفت انقسام المثقفين والنخبة السياسية المصرية تجاه نشر وزارة الثقافة لرواية (وليمة لاعشاب البحر) لمؤلفها السوري حيدر حيدر, عن حالة استقطاب حادة لا سابق لها في المجتمع المصري. واكدت ظاهرة انقسام المثقفين السياسيين تجاه الرواية عمق عزلة النخبة المصرية، عن الشارع المصري, واغترابها عن رؤاه, ومشاعره, فمن جهة يتجادل المثقفون والسياسيون حول قيمة (وليمة حيدر) الادبية والسياسية, في حين يشعر الشباب وطلاب الجامعات بعمق المهانة لورود عبارات بذيئة تسيء للمقدسات. واصيب نحو 55 طالبا من طلاب جامعة الازهر خرجوا في احتجاجات عنيفة على نشر الرواية يوم الاثنين الماضي خلال مواجهات مع الشرطة التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع والطلقات المطاطية لتفريق مئات الطلبة. في حديث مع رويترز قال جمال الغيطاني الروائي المعروف (اعتقد انه يجب علينا ان نحسم نقطة مهمة اولا هي انه لايجب ان نتناول الادب بمقاييس من خارج الادب ولايمكن الحكم على العمل الادبي الا من خلال العمل نفسه واذا تضمن الادب ما يعتقد المؤمن انه يمس عقائده فهناك طرق مشروعه مثل النائب العام والقضاء) . وتابع (الموضوع اكبر من الرواية التي هي منشورة وما يحدث مستمر منذ سنوات فكل فترة يحدث هجوم على احد الكتب او احدى الروايات كما حدث مع رواية (اولاد حارتنا) لنجيب محفوظ وكتاب (النبي) لجبران خليل جبران) . وقال ايضا ليس من المقبول ان نتناول الرواية بشكل مجتزئ ولا يمكن اعتبار كلام احد الشخصيات كلاما للكاتب نفسه (فالكتاب يقدمون شخصيات سيئة هل معنى ذلك انهم يؤمنون بما تقوله هذه الشخصيات؟) . لكن المفكر الاسلامي محمد عمارة كان له طرح اخر اعتبر فيه ان مظاهرات الطلبة ترجع بالاساس الى غيرتهم على الدين. وقال لرويترز (الشعب المصري لايغضب لشيء كما يغضب للاهانة اذا وجهت الى عقيدته الدينية.. منذ سنوات طويلة تحدث العقاد عن هذه الحقيقة واعتبر ان هذه احدى السمات الاساسية للشخصية المصرية) . وحول رفض الادباء لما يسمى بالتقييم الاخلاقي للعمل الادبي ولوصاية الاسلاميين على الدين قال عمارة (دعنا من الاسلاميين نحن بلد ينص على تجريم ازدراء الاديان فما بالك بازدراء الدين الرسمي للدولة .. هذه جريمة بنص الدستور وتساءل (هل هناك ناقد في العالم يقول ان سب الدين ابداع؟) . على الجانب الاخر تساءلت الكاتبة رضوى عاشور (هل هناك بالفعل مساس بالمقدسات الاسلامية هل نجزئ العبارة ونعتبر كلام احد الشخصيات هو رأي الكاتب؟) . واضافت (هناك حالة استقطاب في المجتمع ونحن مقبلون على فتنة وهذا اخر ماينقصنا.. لاافهم ما الذي يدعو جريدة الى اثارة هذه القضية بهذا الشكل الذي يؤدي الى التفتيت والتشرذم) . ولفتت عاشور الى ان الطالبات والطلاب تظاهروا ضد كتاب لم يطلعوا عليه وعلى كاتب لا يعرفون عنه شيئا قائلة (هؤلاء الطلاب استثارتهم مجموعة من المقالات الصحفية لأشخاص صوروا انفسهم كمسئولين عن الاسلام) . وطالبت لجنة الشئون الدينية بمجلس الشعب المصري امس بمصادرة الرواية ودعت الى محاسبة كل المسئولين عن نشرها وترويجها. وتهيمن اغلبية من الحزب الوطني الحاكم على المجلس. وشدد عمارة على ان القضية ليست قضية رواية او عمل فردي (بل ان المسألة هي ان النشر جاء من جهة مؤسسات الدولة وذلك جزء من منظومة تطفح بالكثير من التجريح لثوابت الامة ومعتقداتها سواء في التأليف او الترجمة) . واتفق محمد عباس الذي كان فجر قضية الرواية على صفحات جريدة الشعب المعارضة مع عمارة قائلا ان المشكلة ليست في الرواية (ولكن في المنهج الذي تنتهجه وزارة الثقافة بالكامل) . وقال (ليكتب حيدر كما يشاء ولكني اتساءل عن حق الوزير في ان يدعم هذا الكتاب كي يطبع ويباع بسعر التكلفة او اقل.. نحن ضبطنا الدولة متلبسة بفعل فاضح ومشين.. الحكومة في وضع سيء) . وتساءل (كيف تتبنى الوزارة كتابا... يقول ان (....) اكثر قداسة من الله.. وان الاسلام جلد بالي قديم علينا ان نتخلص منه) . قال فاروق حسني وزير الثقافة المصري لرويترز الثلاثاء الماضي ان (الرواية ليست معروضة في الاسواق بمصر.. ربما بيع منها 1100 نسخة والباقي موجود في المخازن) . ورغم التباين الكبير في مواقف المثقفين فانهم اتفقوا على ما وصفوه بخطورة غياب مناخ الحرية وعلى علاقة ذلك بما حدث في جامعة الازهر. وقالت عاشور (ماينال الكاتب الان هو جزء من واقع مجتمعي يسود فيه الرأي الواحد ويتم فيه مهاجمة كل من يختلف مع هذا الرأي الواحد) . وتابعت (المسألة لاتنحصر في الرواية لان هناك استبدادا في كافة مناحي الحياة.. ولذلك فاننا نطالب بمساحة من الحرية للمواطنين) . وقال عباس (لو ان مجتمعنا يتمتع بالحرية الحقيقية فلن يأخذ المثقفون هذا الموقف) .رويترز