لماذا فتحت الصحف نيرانها على أنان، شيراك يصر على تنحية بتلر من منصبه رغم حماس واشنطن له يقع هذا الكتاب الذي أصدره المؤلف البريطاني وليام شوكروس في صميم تخصصه حيث يقدم فيه خلاصة تجربته وتأملاته, كمراسل حربي نشرت مقالاته في العديد من الصحف العالمية, وعلى رأسها (التايمز) البريطانية والنيو ستيتسمان الأمريكية, وفار ايسترن ايكونوميك ريفيو التي تصدر في هونج كونج. وفى هذا الكتاب الجديد يطور شوكرس افكاره التى مضى يطرحها منذ ان أصدر كتابه الأول بعنوان: (كيسنجر ونكسون والتخلي عن كمبوديا) حين كان يعمل مراسلاً في كمبوديا, يرى اثار القصف الأمريكي هناك على البيئة وعلى السكان, وينقل تفاصيله وصوره إلى العالم اجمع. الآن يوسع وليام شوكروس اهتماماته بشئون السلام العالمي, حيث يدعو لاستحداث حاكميات ومراجع وفعاليات سياسية اخرى, بجانب الدول القومية, وصناع قراراتها, ممن تهُمهّمُ شئون الأمن القومي, اكثر مما تهمهم شئون الأمن العالمي. فى نهار معتم من أيام يناير من العام الماضي, تدنت على امتداده الحرارة إلى عشر درجات تحت الصفر, أطل السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان, من نافذة مكتبه في الطابق الثامن عشر من مبنى الأمم المتحدة بنيويورك وهو بادي عليه الاعياء, مثقل بالهموم, لينطق بعبارة متشائمة قائلاً: (كان العام الماضي نكداً وجحيماً.. وكل الدلائل تشير إلى ان العام المقبل سيكون اشد نكداً بكثير) . كان كوفي انان قد تمكن قبل احد عشر شهراً, من ذلك من اقناع صدام حسين, بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة بزيارة بغداد, الأمر الذي جنب العراق حملة قصف أمريكي ـ بريطاني, كانت على وشك الانطلاق, وعندها اطلقت احدى الصحف على كوفي أنان لقب (بابا العالم العلماني) وهو لقب جميل على الرغم من انه يستدعي إلى الاذهان ذكرى السخرية المريرة التي كان جوزيف ستالين قد اطلقها على البابا الكاثوليكي عندما تحدث البعض امامه عن قوته السياسية فقال: (وكم وحدة عسكرية يملك بابا الفاتيكان؟!) . غارت لمعة التفاؤل التي طرأت على كوفي انان للمحة, اذ ما عتم الرئيس العراقي صدام حسين ان نكص على عقبيه واخلف وعده, وخرق عدة قرارات لمجلس الأمن استتبعت ان تنطلق الغارات الأمريكية ـ البريطانية المشتركة لتستبق قدوم شهر رمضان, ومواسم عيد الميلاد, ووسط استياء المندوبين الروسي والفرنسي بمجلس الأمن, اضطر انان إلى اصدار بيان جاء فيه: (هذا يوم حزين جداً في تاريخ العالم, وفي تاريخ مجلس الأمن, وفي تاريخي الشخصي كذلك (ثم انقلب ليجيب على المكالمات الهاتفية المجلجلة بالاحتجاج من بعض رؤساء الدول, وقد كان اعنفهم على الاطلاق الرئيس الفرنسي جاك شيراك, الذي اتخذها سانحة ليهاجم التكتل الانجلو سكسونى ولم يكن يعز بذلك التكتل التحالف الأمريكي ـ البريطاني وانما اشار إلى ادانة ريتشارد بتلر, الاسترالي الذي تعوزه البراعة الدبلوماسية في تصريحاته واحاديثه, وهو مرؤوس مباشر لكوفي انان, وقد طلب شيراك بصورة حادة ان يقوم مجلس الأمن بفصل بتلر على الفور, وكان الروس قد قدموا ذلك الطلب ايضا من قبل, ولم يلبث كوفي انان ان انضم لمساندة ذلك المطلب, وتسريب معلومات لكل من (واشنطن بوست) , و(بوسطن جلوب) , تقول بان انان يتهم الولايات المتحدة, باستخدام بتلر ولجنته للتجسس على العراق, فكأنما اصبح بتلر موظفاً لدى الولايات المتحدة ورئيسها, لا الأمم المتحدة وامينها العام. الهجوم على انان اثار ذلك الموقف من كوفي انان احد محرري صحيفة (نيويورك تايمز) , وهو كاتب العمود الشهير, روزنتال, فشن حملة عنيفة على انان اتهمه فيها بأنه يمثل سنداً وطابوراً خامساً لصدام حسين بمجلس الأمن: وتضافر محرر آخر بمجلة اليمين الاقصى وهو ديفيد زيف مع روزنتال فكتب مقالاً عاصفاً بعنوان (الرجل الذي يدعي الحصافة والوقار) قال فيه ان كوفي انان فشل في ان يدرك او يقدر مدى الشر المستطير الذي يشتمل عليه صدام العراق, وانه لذلك ـ أي انان ـ يحاول ان يعقد صفقات السلام, متجاهلاً ان صدام لا يؤمن بالسلام قط. وانطلقت بقية الصحف المتعاطفة مع اسرائيل تنشر مقالات وتعليقات في هذا الاتجاه, الأمر الذي دعا انان للتريث في أمر اقالة بتلر, ولكنه برر تريثه بشيء آخر, اذ ذكر انه طالما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بالاستناد إلى تقرير بتلر, في قصفهما للعراق, فإن الاقالة الفورية لبتلر تبدو متعذرة ولابد من اعادة النظر في الموضوع وعدم معاندة الكبار. كان انان يعرف أيضاً حدود قدراته جيداً, ولا يورط نفسه في مغبات العناد. وهكذا بدا مجهود انان لتفادي القصف ومنع الحرب محل تهمة شخصية له, فطفق يقول انه كان يحاول ان يجترح معجزة, ولكن اجتراح المعجزات ليس أمراً متاحاً دائما لاسيما في هذا الزمان الصعب الأخير ونعلل بانه لايريد ان يحقق مطالبه طرف من دون طرف اخر, وانما ان يوفق قدر الامكان بين مطالب الدول الخمس والثمانين والمائة الأعضاء بالأمم المتحدة. اضيفت اليها دولتان الآن!.. وقال انه يبدو وكأنه يتولى رئاسة كل تلك الدول, وفي الوقت نفسه فليست له القوة اللازمة لاتخاذ أو تنفيذ القرارات التي يراها هو من منطلق تقديراته السياسية والاخلاقية. وكوفي انان مسيحي متدين, يمارس شعائره الدينية بانتظام, ويرعى مثله بعناية فائقة, وأكثر ما يؤرقه في شأن الأمم المتحدة, هو ذلك الفاصل السحيق ما بين فكرتها الأساسية كحكومة عالمية, محايدة, وموضوعية الاحكام, واداة منصوبة لتحقيق أهداف السلام, والعدالة, والتنمية الاقتصادية, ومابين واقعها وادائها المسخر لخدمة اهداف القوى العظمى, التي تحتكر معظم النفوذ على المسرح السياسي العالمي باستخدامها لحق الفيتو بمجلس الامن وهكذا فلا يمكن لمجلس الامن ابدا ان يتخذ اي قرار ضد اي عضو دائم فيه. تدخلات بلا معنى لم يكن عنان مشغولا بأزمة العراق وحدها, فقد كان يقرأ حينها التقارير الصادرة من كوسوفو وفي احد هذه التقارير جاء ان جيش تحرير كوسوفو قد نشر قواته في الريف وبدأ على اهبة هجوم كاسح لاستسلام الاقليم الامر الذي دفع ببلجراد لتعبئة جيوشها واكتساح كوسوفو كانت تلك التطورات محبطة للاتفاق الذي عقده المبعوث الامريكي رتشارد هولبروك مع الرئيس اليوغسلافي ميلوسوفتش بقبول قوات محايدة لحفظ السلام بالاقليم, وكما كان الشأن بحال العراق فقد انقسمت مواقف اعضاء مجلس الامن بشأن كوسوفو, فروسيا وقفت بحزم في تأييد الصرب, اما الصين التي تخشى ان يتخذ الموقف نفسه ضدها في موضوع انفصالي التبت فإنها بدت ايضا غير مساندة لاي تدخل دولي لصالح اهالي كوسوفو المضطهدين. كانت هناك مشكلات اخرى تعم العالم بعضها سلطت عليها الاضواء, وبعضها خسرت عنها كاميرات الاعلام من تلك المشكلات ما كان يعم هايتي من فوضى رهيبة, لقد قمت بزيارة هايتي في يناير 1999 وبالكاد كنت ارى فيها اثرا لحكومة, واما الفقر الذي يعم تلك المنطقة, التي هي افقر منطقة في العالم الغربي, فقد كان يستشري باطراد, ومع ذلك فقد غضت العالم, وخاصة الولايات المتحدة الابصار عن هايتي في ضوء الاعتقاد بأن التدخل الامريكي الذي جرى فيها في 1994 قد حل كل مشكلاتها بلا استثناء!. في تلك الاونة ذاتها انهارت ميليشا (الخمير الحمر) بكمبوديا, ومات زعيمها الاجرامي بول بوت المتهم بقتل ما يزيد عن المليون شخص, ومع ان العالم كان يطالب بمحاكمة بقية افراد العصابة القيادية للخمير الحمر, فقد ضعفت بإزائهم حكومة كمبوديا, واعطت لبعضهم شبه حصانات قضائية, ونظمت لاحدهم جولة سياحية, تشمل مختلف اصقاع كمبوديا, مما مثل ضربة قوية لجهود كثيرة مخلصة في العالم, كانت تتنادى بضرورة القبض على مجرمي الحرب, في كل من رواندا ويوغسلافيا وغيرها. واما في افريقيا التي كانت تستنزف 60% من جهود مجلس الامن حينها فقد انهار الصلح في انجولا, وعاد القتال يتجدد بين الحكومة وقوات (يونيتا) وادانت حكومة انجولا الامم المتحدة, وطالبت بنزوح لجنتها من انجولا, بينما طالبت بقية دول افريقيا ببقاء تلك اللجنة لتواصل اعمالها لارساء السلم بانجولا, ولكن لم يكن امام أنان الا ان يقدم توصية لمجلس الامن بضرورة سحب تلك اللجنة, لانه لا امل في صلح ولا سلم بانجولا عن قرب, ولم يكد امر التوصية ينحسم حتى تفاقمت حرب الكونجو, فتداعى انصار كابيلا عليه, يقصد ان يقصوه عن السلطة, وتداعت دول افريقية اخرى لنصرته وبدأت الحرب الباردة تمنعها الى حين. وفي السودان كانت الحرب الاهلية مستعرة وجهود الامم المتحدة السلبية نحوها بدت وكأنها تدعم موضوع استمرار الحرب, وذلك باكتفائها لاعطاء الاغذية للمتحزبين, والى الشرق من السودان انفجرت حرب كبرى بين اريتريا واثيوبيا, وبادر أنان بإرسال مندوبه محمد سحنون للتصرف بإزائها. وفي سيراليون اشتدت المعارك بين قوات الحكومة المنتخبة ولكن غير الفعالة بقيادة احمد تيجان وبين قوات المتمردين التي حطمت القطر وتركته مجرد اشلاء وحطام وقد ادى دور نيجيريا المساند لحكومة احمد تيجان الى انقسام حاد بين دول الاقليم على خط دول الكومونولث والدول الفرانكفونية, ولم تقبل الدول الفرانكفونية بالتصدي لقوات المتمردين, التي كانت تقوم بغزو المدن والارياف, والبحث عن انصار الحكومة وقطع ايديهم بالفؤوس وتهشيم اسنانهم بالمطارق وتركهم ليموتوا على تلك الحال وكانوا يستهدفون بذلك استئصال كل المسلمين من سيراليون وعندما تمكنت الحكومة من محاصرة الثوار تدخلت بعض الدول الفرانكفونية للضغط على كوفي أنان لاعلان وقف اطلاق نار في سيراليون الامر الذي اثار احمد تيجان, ودفعه للتصريح بأن الغرب لا يساند الديمقراطية في بلاده برغم دعواه بمساندتها في العراق! تناقض القيم انتقادات تيجان نفسه للغرب بالازدواج القيمي, تعالت في كل من تاجيكستان وافغانستان والشيشان ودول اخرى في اسيا وافريقيا وكلها تدعو الأمم المتحدة للعب دور ما لحماية الديمقراطية فيها وحقوق الانسان, ولم يجد كوفي أنان اي اجابة بها على تلك الانتقادات والتساؤلات ولم يعرف كيف يبرر تركيز مجلس الامن على مناطق دون اخرى من مناطق اشتداد الازمات, ومع ذلك انطلق في الوقت نفسه في رحلة الى ايرلندا ثم الى بلجيكا, ليلاقي ضباط ناتو كبار ليناقشهم في خطط غزو كوسوفو لوقف المذابح, نفس المذابح التي رفض التدخل لوقفه في رواندا. في اثناء ذلك كان لي لقاء مع أنان, حيث سألته: في كل هذه المشكلات التي تبحثها ومحاولات التوفيق والصلح التي تدرسها الا ترى انك تتعامل مع درجات متصارعة من الشر المحض؟ فأجاب: ذلك هو لب المشكلة وهي انواع متحركة من الاشكالات لا تكاد تثبت على حال. ـ وانت الان فقط في منتصف ولايتك: الا ترى ان مركب صعب وضعت نفسك فيه؟ قال: بلى؟ ـ وما هو اهم شيء تريد فعله فيما تبقى لك من زمن؟ اجاب: انني في سباق مع الزمن لايقاف المجازر ولأجبر الحكومات على احترام حقوق الانسان, ومن النواحي التي احاول ان احقق فيها بعض الانجازات ناحية التنمية والصحة العامة وتوفير مياه الشرب النقية, لاسيما في افريقيا, وكثيرا ما تحادثت مع رؤسائها بذلك الخصوص, وكل منهم يؤمن على مقولاتي ولكن حالما يرجعون الى بلادهم يعودون لشن الحروب على بعضهم البعض وبتلك الحال لا جدوى تذكر للمساعدات, ولا امل في اجتذاب المساعدات لقارة تصطلي بالاضطرابات والاحترابات. خلال العقد الماضي بدأ العالم يجرب حلولا اخرى لمعضلات التخلف والحروب عن طريق المنظمات غير الحكومية التي تعمل في سبيل تحريم استخدام الالغام وانشاء محاكم مجرمي الحرب ونضغط في ذلك السبيل من اجل تكوين رأي عام دولي مساند لذلك الاتجاه وهي تنجح احيانا في انشاء ذلك الرأي العام المساند وينجح ذلك الرأي العام في الضغط على الحكومات الغربية لفعل شيء تجاه الازمات المتفجرة, ولكن من الغريب ان ذلك الرأي العام الذي يساند التدخل سرعان ما يعود فيضغط مجدداً على حكوماته طالبا الانسحاب وذلك ما حدث بشأن البوسنة وكوسوفو على سبيل المثال. العراق العبور الى المستحيل افريقيا.. في كل موضع للثروة يتدفق شلال دم