تواجه صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة المصرية مأزقا حرجا مع اقتراب التنفيذ الكامل لنصوص اتفاقية الجات حيث زادت خلال الفترة الأخيرة عمليات تهريب الملابس والأقمشة والمنسوجات مما أدى إلى تكبد شركات الغزل المصرية خسائر إجمالية وصلت إلى 4 مليارا ت جنيه. وتؤكد الدلائل أن هناك مافيا منظمة لتهريب المنسوجات والأقمشة داخل السوق المحلي وبيع المنتجات المستوردة بأسعار تقل كثيرا عن سعر المنتج الوطني مما يعني تدمير الصناعة الوطنية وإصابتها في مقتل حيث تتعدد وسائل ومنافذ التهريب سواء من خلال المناطق الحرة أو السماح المؤقت أم من خلال التحايل على القوانين. وتؤكد بيانات الإدارة المركزية لمكافحة التهريب في منفذ بور سعيد الجمركي تزايد حالات تهريب الملابس والأقمشة خلال عامي 99,98 ففي عام 98 بلغت حالات تهريب الملابس الجاهزة التي تم ضبطها 438 حالة شملت 78 ألفا و265 قطعة بلغت قيمة تعويضاتها 227 ألف جنيه بجانب 339 حالات تهريب أقمشة بلغ وزنها 19 طنا وتم تحصيل تعويضات من المهربين بلغت 6.2 مليون جنيه وفي عام 99 بلغ إجمالي عدد حالات التهريب بالنسبة الملابس والأقمشة حوالي 330 حالة بلغت تعويضاتها 6.3 ملايين جنيه منها 297 حالة لتهريب 93 ألفا و80 قطعة ملابس جاهزة و33 حالة لتهريب أقمشة مستوردة ومنها 16طنا. في البداية يقول السيد راشد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ورئيس النقابة العامة لعمال الغزل والنسيج ان المشاكل المزمنة التي يتعرض لها قطاع النسيج المصري مشاكل موروثة منذ زمن بعيد لأن الشركات كانت تعتمد على الدولة اعتمادا كليا في تصريف منتجاتها في ظل القطاع العام أو من خلال تصدير السلع النسيجية لدول أوروبا الشرقية ثم اتبعت الدولة سياسة الدعم أو البيع بسعر التكلفة فكان ذلك أبرز واهم العوامل التي ساعدت على تدمير صناعة النسيج في ظل عدم وجود سيولة مالية لدى الشركات بالإضافة إلى الإهمال الشديد في إحلال وتجديد الآلات والمعدات كما أن عدم وجود إدارة علمية تطبق مبدأ الثواب والعقاب وتضخم حجم العمالة كانت من الأسباب التي رفعت من سعر التكلفة وضربت الصناعة الوطنية في وترتب على ذلك تراكم المديونات على الشركات. ومن ثم فان تلك الصناعة تتعرض لصدمات عنفية متعددة. ويطالب راشد الحكومة وعلى رأسها الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء أن يكون العام الحالي هو عام تدعيم صناعة الغزل والنسيج لحماية الثروات المصرية المتميزة في هذا المجال مثل القطن الممتاز والأيدي العاملة المدربة والمؤهلة والتي تتفوق في خبرتها على افضل النساجين في العالم بعد أن استوعبت وسائل العلم والتصنيع الحديث. ويتدخل فتحي نعمة نائب رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج في القضية بقوله أن صناعة الغزل والنسيج تعتبر من أهم وأعرق الصناعات المصرية لأنها تمثل 25% من إجمالي الصادرات ويعمل بها 950 ألف عامل يمثلون حوالي 30% من حجم القوي العاملة وقد ظهرت بوادر أزمة قطاع النسيج بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وحدوث نوع من الانكماش الاستهلاكي للمنتج المصري في هذه الدول لأن التصدير لدول الكتلة الشرقية كان معدل جودة المنتج اقل مما تطلبه أوروبا الغربية و بدأت المشكلة لأن 80% من الإنتاج كان يباع بأقل من سعر التكلفة ثم ظهرت مشكلة اختلال الهيكل التمويلى لشركات اقترضت من البنوك لتمويل عمليات الإحلال والتجديد بفائدة وصلت إلى 20% مما أدى في النهاية إلى انهيار بعض الشركات العريقة مثل مصر حلوان للغزل والنسيج التي وصلت خسائرها إلى 200 مليون جنيه, والقاهرة للمنسوجات الحريرية التي تمت تصفيتها نهائيا. ويستطرد فتحي نعمة الله في سرد مشاكل صناعة النسيج قائلا أن أسعار القطن زادت بعد عام 94 عقب إعلان مصر تحرير تجارة القطن فوصلت الزيادة إلى 125 جنيها فوق السعر الأصلي للقنطار فأصبح القطن المصري أعلى سعر موجود بالعالم فتضاعفت خسائر الشركات ومنها شركة المحلة الكبرى التي تستهلك مليون قنطار من القطن سنويا مشيرا إلى أن بعض المنسوجات تدخل مصر من آسيا والصين ويكتب عليها (صنع في مصر) ويتم تصديرها إلى الولايات المتحدة وتخصم من حصة مصر التصديرية إلى السوق الأمريكي ويضاف إلى ذلك أن الدولة سهلت كثيرا لمصدري القطاع الخاص بعد أن وافقت لهم على إقامة مناطق حرة داخل مصانعهم حيث يتم التصدير مباشرة من داخل المصنع كما أن نظام الدروباك يعتبر نوعا من التهريب المقنن حيث يتم استيراد كميات من المنسوجات لتصنيعها وإعادة تصديرها ولكن لا يتم تصدير سوي 50% منها والباقي يدخل في السوق مهربا بدون دفع أي رسوم جمركية أو ضريبة مبيعات وبالتالي يكون سعر المستورد أقل من سعر المنتج الوطني مؤكدا على ضرورة بذل المزيد من المساعي مع البنوك لتسوية مديونات شركات النسيج حتى تتمكن من استمرار عملية الإنتاج. ويقول المهندس عبد الوهاب الشرقاوي أن هناك طوفانا متدفقا من الأقمشة الأجنبية المهربة من منافذ الجمارك إلى السوق المحلية والتي تباع بسعر منخفض لأنها مدعومة من مصادرها ومحررة من عبء رسوم الجمارك وضريبة المبيعات حيث يتجه البعض إلى استيراد منتجات الغزل والنسيج من سوريا والأردن لأن هذه المنتجات تتمتع بمزايا عند استيرادها طبقا للاتفاقيات الموقعة مع مصر وتباع في السوق المحلي بالنسبة للأقطان السورية بنصف السعر المحلي. فشركة مثل النصر للاستيراد والتصدير اشترت من إحدى الشركات الأردنية خيوط البوليستر وتم بيعها في السوق بسعر حوالي 1000 جنيه في الطن عن السعر الذي تبيع به شركة الحرير الصناعي بكفر الدوار نفس المنتج رغم أن الأردن ليس بها شركات لإنتاج البوليستر وعندما تستورده من تركيا وتستخرج منها منشأة أردنية مشيرا إلى أن الصناعات النسيجية تئن تحت وطأة الضرائب التي تدفعها للحكومة فهناك ضريبة مبيعات بنسبة 18% من قيمة الخامات و10% على الآلات المستوردة و30% رسوما جمركية و32% ضريبة أرباح صناعية وضريبية إيراد عام تبدأ من 8% وتصل إلى 50% وضريبة أجور تبدأ من 2% وتصل إلى 22% وضريبة دفعة تتراوح بين 6 في الألف و8 في الألف والتأمينات الاجتماعية على الأجور 40% منها 26% لصاحب العمل و14% للعامل و8% ضريبة عقارية بالإضافة إلى ذلك زادت أسعار الطاقة بنسبة 1100% منذ عام 84 حتى الآن ووصلت نسبة الزيادة بين شهري يونيو ويوليو الماضيين 125% حيث ارتفع سعر الكيلو وات ساعة من الكهرباء .. كما ارتفع المتر المكعب من المياه من 5.2قرش إلى 50 قرشا. ويؤكد شحاته حميدة مدير عام غرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات المصرية أن التهريب يعتبر من الجرائم الاقتصادية الخطيرة التي تصيب صناعة النسيج والملابس الجاهزة المصرية في مقتل ويحرم الدولة من تحصيل قيمة الرسوم الجمركية المقررة عن السلع التي يتم تهريبها مشيرا إلى أن تزايد عمليات التهريب سوف يؤدي إلى كساد اقتصادي وتهديد المصانع بالإغلاق وتصفية نشاطها خاصة وأن المهربين يحققون أرباحا طائلة من وراء التهريب ويبتكرون كل يوم وسائل وحيل جديدة مستغلين في ذلك التيسيرات التي قررتها الدولة في قانون حوافز وضمانات الاستثمار رقم 8 لسنة 97 حيث يتم حاليا إغراق الأسواق بالأقمشة والملابس الجاهزة عن طريق بور سعيد وليبيا وأحيانا من خلال مطار القاهرة بجانب بعض المصدرين الذين يستوردون أقمشة وملابس جاهزة بنظام السماح المؤقت حيث تدخل هذه الأقمشة إلى الأسواق دون أن يكون عليها أي أعباء مالية فتضر بالمنتج الوطني الذي يكون أغلى سعرا. الملابس ايها اصلي وايها مهرب؟