38 جنرالا المانيا اسيراً يدعون للاستسلام ، باولوس يستسلم للقوات الروسية بعد يوم واحد من ترقيته لرتبة المارشال مع استمرار المناوشات المتقطعة داخل الطوق, وسقوط جميع المطارات التي كان الألمان يتخذون منها قواعد لتموين الجيش السادس, واضطرار الطائرات لقطع مسافات أبعد لنقل المؤن, جرى تخفيض حصة الجندي من الطعام الى 75 جراما من الخبز فقط. وكان جنود وحدات عديدة يعيشون على الآمال الزائفة التي كان الضباط المتشددون في ولائهم للقائد يزرعونها في أنفسهم. فقد قيل لوحدات عديدة ان النجدة مقبلة, وان خطة الهجوم المضاد يتم تنفيذها بنجاح, وان القوات التي ستخلصهم استعادت كلش وستصل إليهم خلال أيام قليلة. وما من شك في ان صدمتهم كانت رهيبة عندما علموا بالواقع المرير والقدر الذي ينتظرهم. كان للأحداث اليومية دورها في انهيار الروح المعنوية للمدافعين الالمان, حتى بالنسبة لأولئك المتشددين. وكان من بينها ما لا حظه كل جندي ألماني, وهو ان أعدادا قليلة من الأسرى السوفييت الذين وقعوا في الأسر قبل أشهر, طلبوا أن يسمح لهم بالقتال إلى جانب القوات الغازية. وكان معظمهم من قوميات صغيرة, مثل الاوكرانيين والتتر والشركس. ونظرا للحاجة الماسة لليد العاملة, فقد أوكلت إليهم الأعمال التي تفرضها طبيعة المعارك. وعندما حوصر الجيش السادس, تبدلت الأمور, وأعطي هؤلاء أسلحة روسية تم الاستيلاء عليها ليقاتلوا إلى جانب الألمان. وخلال المعارك اللاحقة أبدى هؤلاء من صنوف الشجاعة والمهارة ما أذهل الألمان. فقد نشأوا على تعاليم هتلر التي تعتبر العرق الجرماني أرفع العروق البشرية وأسماها. وها هم الآن يشاهدون بأعينهم أناسا من أعراق أدنى بكثير يحاصرونهم ويأسرونهم ويقاتلونهم أفضل منهم. فأخذت القيم والمبادئ تنهار وتجرف في انهيارها كل ما سبق أن أصبح جزءا لا يتجزأ من الشخصية المتفوقة للجندي الألماني. الحلقة تضيق في العاشر من يناير بدأ تنفيذ عملية (الحلقة) التي كانت الهجوم النهائي للقوات السوفييتية على الجيش السادس. وانطلقت ألوف المدافع في قصف تمهيدي مرعب مزق كثيرا من الوحدات المدافعة وأثار الهلع الشديد في نفوس جنودها, حتى ان الضباط اضطروا لإعدام العديد من جنودهم لاجبار الباقين على البقاء في مواقعهم. وعلى الرغم من النجاحات الأولية التي حققها الهجوم في البداية, إلا انه لابد من الاشادة إلى ان المقاومة التي أبداها المدافعون, وهم في حالة من الاعياء الرهيب بسبب الجوع والبرد, كانت مذهلة. وليس أدل على ذلك من حجم خسائر جبهة الدون الروسية التي بلغت 26 ألف قتيل وأكثر من نصف عدد الدبابات المشاركة في الهجوم, وذلك خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط. لكنه كان واضحا للجميع ان المعين السوفييتي لا ينضب. فالهجوم يستمر, ووحدات جديدة تشارك فيه. وكانت حالة المدافعين تثير الشفقة. فالذخائر على وشك النفاد, وهو ما كان يمنعهم من اطلاق نيرانهم إلا عند أقرب مدى ممكن. ودباباتهم القليلة العاملة أصبحت من دون وقود, وكان لابد من نسفها عند أي تراجع. ومن يخرج منهم من خندقه أو متراسه كان عليه أن يواجه المصير المحتوم في العراء, فيما كانت الطائرات الروسية تحكم سيطرتها تماما على الأجواء وتنقض بالعشرات على أي هدف متحرك. كانت مساحة (القلعة) كما كان يحلو لهتلر ان يسميها, تصغر وتتقلص يوما بعد يوم. والوحدات المدافعة تتراجع من دون نظام إلى الداخل بعد أن تركت مواقعها وخلفت وراءها آلاف القتلى والجرحى. ومع تقدم أولئك وتراجع هؤلاء أخذت كتائب ألمانية بكاملها ترفع العلم الأبيض وتستسلم, وهو ما لم يحدث من قبل في الحرب العالمية الثانية. انقض الجنود الروس من الشمال والغرب على مطار بيتومنيك, واستولوا عليه في 16 يناير, فلم يتبق من وسيلة لامداد المدافعين سوى عبر مطار جومراك, ومهبط صغير آخر لا يصلح لهبوط طائرات النقل. وفي 22 يناير سقط مطار جومراك. وانسحب بقايا المدافعين إلى داخل الجزء الذي كان رفاقهم ما زالوا يحتلونه في ستالينجراد. في خضم فوضى التراجع, علم باولوس ان آخر خطة اقترحها لمحاولة اختراق الطوق وانقاذ ما يمكن انقاذه قد لقيت رفض هتلر الحازم. وبعد ساعات وصلته برقية من الفوهرر: (الاستسلام مرفوض قطعا. عليكم القتال حتى النهاية..... لقد أمكننا بفضل بطولاتكم وعزيمتكم اقامة جبهة أخرى وشن هجمات مضادة. لقد أنجز الجيش السادس إسهامه التاريخي في كتابة صفحات المجد الألماني) !! الانتحار أو الاستسلام أخذت الوقائع تتسارع ساعة بعد ساعة, وشعر الألمان بعجزهم الفاضح عن وقف تقدم الدبابات الروسية بأسلحتهم الفردية. ولم يكن أمام الضباط, خاصة بعد أن نجح الجيش الأحمر في تجزئة الجيب إلى جيبين, سوى أحد خيارين: الانتحار أو الاستسلام. القليل منهم اختاروا الحل الأول, فأنهوا حياتهم بأيديهم. أما الغالبية العظمى, فقد رفضت الانتحار لأسباب مختلفة. باولوس مثلا, رفض الفكرة (أنا غير مستعد للانتحار كي أرضي غرور ذلك العريف (هتلر) المجنون) . ومع التقدم الروسي المتواصل, كرت مسبحة الاستسلام, خاصة بعد أن أمر باولوس ضباطه بعدم تعريض أنفسهم متعمدين للنيران الروسية أملا في ميتة شريفة. وكان من أوائل المستسلمين الجنرال الدر فون دانيلز, ثم تبعه الجنرالات سايدلينز وبفيفر وكورفيس وسان. وفي الساعة 7.45 من صباح 31 يناير, كان الجنود الروس قد حسموا المعركة عند مدخل المبنى الذي اتخذه باولوس مقرا لقيادته وبعد مفاوضات قصيرة لترتيب شروط الاستسلام خرج باولوس الذي كانت أوامر ترقيته إلى رتبة مارشال قد صدرت قبل يوم, على أمل اقناعه بالانتحار, وبصحبته رئيس أركانه الجنرال شميدت ومرافقه الكولونيل آدم حيث اصطحبهم الجنرال الروسي لاسكين بسيارة باولوس نفسه إلى معسكر الاعتقال. كان هدف الجنود السوفييت الأول العثور على أولئك الذين تعاونوا وقاتلوا مع الالمان, وكذلك على عناصر الشرطة العسكرية والجستابو (المخابرات العسكرية) وجنود المدرعات. وقد لقي المتعاونون اجمالا حتفهم إعداما فوريا, وكذلك معظم الباقين, على الرغم من أوامر القيادة العسكرية الروسية آنذاك بعدم اعدام الأسرى. عندما تسكت المدافع في اليوم الثاني من فبراير, استسلم الجنرال ستريكر, الذي كان يقود الجزء الشمالي من الجيش, مع جنرالاته وضباط الفرق الست التي كانت بأمرته. وكان ذلك مؤشر نهاية معركة ستالينجراد. اصيب هتلر بنوبة جنون عندما بلغه نبأ استسلام باولوس, وانطلق يصرخ في الضباط الذين حوله: (ما يحز في نفسي ان كل تلك البطولات التي حققها جنود جيش باكمله محاها شخص واحد جبان, ما هي الحياة؟ الحياة هي الامة, والانسان سيموت في كل حال, ما يؤلمني اكثر من اي شىء أني قمت بترقيته إلى رتبة مارشال, اردت ان اعطيه ما يرضيه, كان بوسعه ان يتخلص من كل همومه وان يرقى سلم الخلود الوطني, لكنه اختار ان يذهب إلى موسكو) ! في المدينة نفسها, صمتت المدافع والاسلحة فجأة في الثاني من فبراير, واخذ المدافعون يخرجون من اقبية المباني ومن خلف المتاريس, ليسيروا في قوافل لا تنتهي نحو اسر لا يعلمون متى ينتهي, بدت المدينة فجأة وكأنها مهجورة وميتة, لم تشهد صراعا دمويا على مدى اشهر عديدة. الجنود السوفييت الذين بقوا على قيد الحياة بعد ذلك الصراع لم يصدقوا ما حدث, كان صوت الانفجارات المتواصل هو القاعدة والهدوء هو الاستثناء, فلما صمت كل شىء, اخذت صور المعارك تكر امامهم مثل شريط سينمائي, لم يكن هناك جندي واحد لم يفقد صديقا أو عزيزا في القتال, فالجيش الاحمر دفع ثمنا باهظا لتحقيق النصر وتحويل الهزيمة إلى نقطة انطلاق في الهجوم النهائي نحو تحرير بقية الارض, فقد خسر خلال عمليات ستالينجراد 485.751 قتيلا واكثر من 600.000 جريح. وفي برلين, بدأ احصاء الخسائر لكن جميع الاحصائيات, حتى هذا اليوم, لا تعطي الارقام الدقيقة لمجمل خسائر معركة ستالينجراد, هناك فقط بعض الارقام الاستدلالية, سلاح الجو مثلا خسر 488 طائرة نقل و1000 من افراد اطقمها خلال جسر الامداد الجوي الفاشل, عدد القتلى بعد عملية (اورانوس) جاوز 60.000 رجل, اما قبلها, فلا احد يعلم بالضبط, عدد الذين سقطوا في الاسر بلغ 130.000 من الجنود والضباط. كما لم يتمكن احد من تفسير التناقض بين عدد الاسرى الذي اعلنه الروس, وهو 91000 والعدد المثبت في المراجع الالمانية, لكن مصادر مختلفة تشير إلى ان الفارق هو عدد المتعاونين والجرحى, فالمتعاونون اعدموا, والجرحى تركوا حيث هم ليموتو لان الجيش الاحمر لم يكن قادرا على توفير العناية اللازمة لهم. النظام النازي الذي لم يعترف علنا بان الجيش السادس قد حوصر الا في 16 يناير, وقع في مأزق اطلاع الشعب الالماني على الحقيقة المرة, وفي النهاية صدر بلاغ من هتلر اذيع على الهواء, ومفاده ان الجيش السادس قد ابيد بالكامل, بعد مقاومة بطولية امام ستة جيوش سوفييتية, ثم تلت ذلك سلسلة اجراءات شملت اغلاق النوادي والملاهي الليلية في برلين وغيرها من المدن الالمانية, وعندما اعيد فتحها بعد اسبوع, فوجىء زبائنها بانها اخذت تقدم لهم طعاما مثل طعام الجنود على الجبهة الروسية, تقوم باعداده مطابخ ميدان, وكان هدف هذه الاجراءات الصبيانية جعل المدنيين يدركون بصورة غير مباشرة حجم معاناة الجنود هناك. اما هتلر, الذي لم يكن يقبل بتحمل مسئولية ما جرى على الجبهة الروسية, فقد القى باللوم كله على المارشال باولوس, وتعهد بمحاكمته عندما تنتهي الحرب بانتصار المانيا, لكن المارشال جودريان الشهير, يذكر في مذكراته انه قابل هتلر بعد المعركة فوجده اكثر ميلا للعزلة, و(كانت يده اليسرى ترتعش باستمرار, كان ظهره محنيا, ونظراته غير ثابتة وزائغة وعيناه جاحظتين, وقد فقدتا بريقهما المعهود, وكان خداه مزروعين بالبقع الحمراء) . في ذلك اللقاء تعهد هتلر بانهاء الحرب ـ الانتصار طبعا ـ في تلك السنة, وقال انه قرر حشد جميع طاقات الشعب الالماني لذلك الغرض. في موسكو اصبحت اخبار انتصارات ستالينجراد على كل لسان, ولم يعد احد يفكر متشائما بالمحصلة النهائية للحرب, وارتفعت معنويات الوحدات التي قاتلت في ستالينجراد فجرى توزيعها على مختلف الجبهات لرفع معنوياتها. وعادت صور ستالين إلى الظهور في وسائل الاعلام, بعدا ن ابعدت بأمر منه خلال فترة الهزائم الاولى, واصبح فجأة هو (العبقري الذي صنع الانتصارات) والقبطان الحكيم للشعوب السوفييتية. وانتشرت اخبار الانتصارات الروسية في جميع ارجاء اوروبا, فشدت عزيمة حركات المقاومة, وفتحت الابواب امام الانتساب للحركات الشيوعية, وهو الامر الذي كان له اعظم الاثر في اقتطاع اوروبا الشرقية لتقف إلى جانب الاتحاد السوفييتي بعد الحرب وابان الحرب الباردة. المدينة الميتة اخذت تعود للحياة ببطء وكان من اكثر الامور اثارة للدهشة ان يتم العثور بين الخرائب على 9796 مدنيا معظمهم من النساء والاطفال على قيد الحياة, لكن المآسي اللاحقة كانت كثيرة, فمن بين 994 طفلا صغيرا بقوا احياء, لم يمكن اعادة سوى تسعة منهم لعائلاتهم, لان ذويهم كانوا قد قتلوا. اما الاسرى الالمان, فان اقل من نصفهم بقي على قيد الحياة عندما حل الربيع, وعند نهاية الحرب لم يكن موجودا منهم خمسة بالمئة فقط, وقد تضاءلت آمالهم كثيرا بالعودة إلى بلادهم, لان موسكو اعلنت رسميا ان احدا منهم لن يرى بلده قبل اعادة اعمار ستالينجراد. ومثلما يحدث عادة في مثل هذه الحالة, حيثما كان, تغيرت مواقف العديد من الاسرى الضباط, واخذوا في التعاون مع آسريهم, وكان بينهم عدد من الجنرالات, مثل سايدلينز ولاتمان وكورفس, الذين اذاعوا بيانات في الراديو ووقعوا منشورات كانت تلقيها الطائرات الروسية على المواقع الالمانية ويحضون الجنود على الاستسلام, اما باولوس نفسه, فلم يتخذ قراره ويشترك مع غيره في ذلك الا في 21 اغسطس من عام 1944, عندما وقع مع 29 جنرالا اسيرا اخر نداء يدعو فيه للاستسلام. اخذ الاسرى الالمان ـ أو من بقى حيا منهم ـ في العودة تدريجيا إلى ديارهم, وبلغ مجمل من عادوا ممن وقعوا في الاسر في ستالينجراد قرابة 5000 جندي وضابط, وكان بين اخر العائدين المارشال باولوس الذي اطلق سراحه في خريف 1953 حيث اقام في المانيا الشرقية حتى وفاته بعد اربعة اعوام. لقد كانت نهاية أليمة للرجل الذي شاء قدره ان يجد نفسه قائدا لمعركة لم يكن يوافق عليها, وان يرى كيف قادت تلك المعركة القوات الروسية حتى برلين.