وصل جنرال اسرائيلي في قافلة عسكرية مؤلفة من أربع سيارات جيب مصفحة لقاعدة مدفعية اسرائيلية داخل الجنوب اللبناني المحتل مؤخرا, ثم نزل من سيارته ودخل الموقع وطلب من الضباط التجمع بشكل فوري في لقاء عاجل. قال ضابط اسرائيلي شاب: (هل ترغب الاستماع لمشكلاتنا أولا؟) رد الجنرال وهو قائد فرقة الجليل في الجيش الاسرائيلي: (الأفضل أن نبدأ بمهمتكم هنا) . قال الضابط: (حسنا. مهمتنا هي أن ندافع عن القاعدة والمنطقة, وأيضا أن نطلق نيران مدفعيتنا على العدو) . تجهم الجنرال موشيه كابلنسكي ليقول: (مهمتكم الرئيسية هي اطلاق نيران مدافعكم وليس الدفاع عن القاعدة. يجب أن نساند الجيش الاسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي بنيران مدفعيتنا, هذه هي المهمة الرئيسية. لو كانت هذه القاعدة عادية لكان فيها مزيد من جنود المشاة للدفاع عنها. لكنها ليست قاعدة عادية, وإنما هي قاعدة مدفعية, مهمتكم اطلاق نار مدافعكم) . بعد مرور أكثر من عقدين على الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني ومقتل أكثر من 250 جندي اسرائيلي منذ عام 1985 قررت اسرائيل أخيرا الانسحاب في موعد لاحق خلال الشهرين المقبلين, وعلى أبعد تقدير في الأول من يوليو المقبل. ونتيجة لذلك أخذ أعداء اسرائيل هنا وخصوصا حزب الله بإعلان النصر. أما الجنود الاسرائيليون الضجرون, الخائفون, المتمترسون, والذين نادرا ما يخرجون من قواعدهم فينتظرون أوامر الانسحاب. لا أحد منهم يريد أن يكون آخر القتلى الاسرائيليين في الجنوب اللبناني. كما ان بعضهم يثير علنا يثير تساؤلات عن مهمتهم كما لم يسبق لهم من قبل. يقول الياف شموليتز (19 عاما) الذي يؤدي خدمته العسكرية في جنوب لبنان: (أعتقد ان من الأفضل لنا ألا نكون هنا, وجودنا يسبب لنا المشكلات, لكن هذه المشكلات نحن من بدأها, إنها ليست بلادنا على كل حال, يمكن القول اننا أتينا لانا كنا مضطرين, حسنا. لكن لا يمكن أن نبقى للأبد) . دخل شموليتز الجيش منذ عام, ولم يمض عليه أكثر من شخص في جنوب لبنان, وخلال هذه الفترة تعلم كيف ينام على دوي قصف المدفعية الاسرائيلية في قاعدته التي تضم خمس مدافع أمريكية الصنع من عيار 155 ملم. أما عمله اليومي الروتيني فيتضمن الحراسة على بوابة القاعدة اضافة لكنس الأرض وتنظيف الحمامات. ومعظم وقته يمضيه داخل التحصينات بضجر. ولم ير شموليتز حتى الآن أيا من مقاتلي حزب الله, لكنه يعلم مثلما يعلم كل اسرائيلي بأن حزب الله قد قاتل اسرائيل حتى أجبرها على الانسحاب. وهو يقول: (انهم يعرفون ما يقومون به. إن نظرت لنا ونظرت لهم فستجدهم أكثر تألقا لانهم يقاتلون دفاعا عن أرضهم.. ومن يقاتل دفاعا عن أرضه يكون أكثر قبولا) . لكن شموليتز أقل تفاؤلا بالنسبة لقادة جيشه, حيث يقول: (آمل انهم يعرفون ما يقومون به أيضا) . ان يقوم جندي من الجيش الاسرائيلي بالحديث بهذه الطريقة كان يعتبر شيئا غير مألوف قبل فترة وجيزة. لكن ان كانت القيادة السياسية الاسرائيلية قد قررت ان الاستمرار في الاحتلال غير ممكن, فلم يتوجب على المجندين أن يكونوا متحمسين للاحتلال؟ وإذا ما كان الشارع الاسرائيلي غير قادر على تحمل نزيف الخسائر البشرية في جنوب لبنان, فلم يتوجب على المجندين الاسرائيليين قبولها؟ لقد أنشئت هذه القاعدة العسكرية للمدفعية داخل الحدود اللبنانية بعمق ستة كيلو مترات منذ 16 عاما, ومدافعها الخمسة الكبيرة ومتاريسها الضخمة المنخفضة غير مرئية تقريبا من السواتر الترابية التي تحيط بها, كما لو انها كانت فوهة لبركان. القاعدة مشغولة دوما باطلاق قذائف المدفعية. إذ ترسل المدافع بنيرانها فوق الوديان بدوي منتظم حوالي 12 مرة يوميا على الأقل. تبدو المتاريس وكأنها بنيت لتبقى. إذ صممت جدرانها الاسمنتية السميكة المسلحة بالقضبان الفولاذية لتتحمل الهجمات بالصواريخ وقذائف الهاون بحيث تحمي 60 جنديا داخلها. وحول محيط القاعدة رفع الجيش, مؤخرا, ستارا فولاذيا مصمما ليقوم باضعاف تأثير الصواريخ المضادة للدروع التي بدأ حزب الله باستخدامها مؤخرا هذا العام. لكن على الرغم من ذلك فإن الجيش الاسرائيلي وضع خططه لتفكيك القاعدة وتدميرها في موعد نهائي يحل في يوليو المقبل. وفي غضون ذلك, لا يزال الروتين اليومي مستمرا فيما تبقى من أسابيع على الاحتلال. إذ تستمر القوات بالوصول إلى القاعدة في برنامج للخدمة يتضمن مناوبات من ثلاثة إلى أربعة أشهر تتخللها اجازات نهاية كل أسبوع. وتقدم تقارير يومية بما يحدث, وحينما يوصل كيبلنسكي لضباطه أوامره في اليوم التالي يطلب منهم اعادة تعداد الدروس التي تعلموها من أخطائهم الصغيرة. ويصر الجنرال كليبلنسكي على ارتفاع معنويات جنوده ويقول: (انها مهمة حساسة في عيون جنود أعمارهم 18 عاما. انهم مندفعون ومعنوياتهم مرتفعة جدا. إنهم يعرفون بالمخاطر, لكنهم يعرفون أيضا كيفية التعامل معها) . لكن باعتبار ان الوقت أصبح متأخرا جدا على الحديث عن أي نصر, فإن انتباه الجنود يتوجه أحيانا نحو النجاة أكثر من القتال. ويقول جندي أشار لنفسه باسم (نمرود) في صحيفة (يديعوت أحرونوت) : بدلا من أن نكون صيادين, أصبحنا طرائد. لكن كبار قادة الجيش الاسرائيلي الذين تثيرهم مثل هذه الأقوال يصرون على ان المعنويات الاسرائيلية لا تزال مرتفعة, ويقولون ان جنودهم يعرفون انهم يؤدون دورا بالغ الأهمية في الابقاء على مقاتلي حزب الله وغيره من أعداء اسرائيل بعيدين عن الحدود الشمالية. ويقول الرقيب ايهودا كلين (شهران آخران وأقول وداعا للقاعدة. الفترة المتبقية تبدو سببا لمزيد من التوتر. أحس بهذا في داخلي. آمل ألا يقتل منا أحد فيما تبقى لنا هنا) . وقد أمضى كلين حتى الآن تسعة شهور في جنوب لبنان, وهذه هي المناوبة الرابعة له هنا. ويقول: (ربما يصاب المرء بالاضطراب لمعرفته بأن هذا الموقع سيتم اخلاؤه في غضون شهرين. نحن لا نعلم ان كان اخلاء الموقع سيجعلنا أكثر أمانا. معظم الجنود يرون في الانسحاب تصرفا جيدا. أنا غير واثق من ذلك) . ومن جانبه لا يحاول الجنرال كيبلنسكي أن يخادع أحدا ممن حوله. فهو يعرف ان الفترة المتبقية على تنفيذ الانسحاب معقدة وربما خطرة أيضا. يقول: (لا أحد يريد أن يكون آخر القتلى في جنوب لبنان, أو في منتصفهم أو أولهم. لا أحد يريد أن يكون على قائمة القتلى أبدا) . ترجمة: جلال خليل ، عن (واشنطن بوست)