لا تزال معاناة محمياتنا الطبيعية ترخي بظلالها الرمادية على التنوع الحيوي (النباتي والحيواني والاحياء الدقيقة) التي تتعايش ضمنها وفق نظم بيئية معينة نتيجة استمرار غياب القانون البيئي الذي يصون بقاء التنوع الحيوي في سوريا. ورغم الاهمية الكبيرة، لاقامة هذه الموائل الا انها تتعرض للكثير من التعديات والتجاوزات بالرغم من وتيرة التوعية العامة بضرورة حمايتها .. الامر الذي يعرض مكونات التنوع الحيوي لاخطار تؤدي بها الى الانقراض وحدوث خلل في النظام البيئي من خلال فقدان احدى حلقات السلسلة الغذائية المتوازنة. ففي بحث علمي اعده الدكتور اكرم درويش مدير دائرة التنوع الحيوي بوزارة البيئة تحت عنوان (كيف نحمي موائلنا الحيوية) يبين ان الجهود المبذولة لاقامة المحميات الطبيعية مازالت دون المستوى المطلوب .. وتتعرض لصعوبات ابرزها قصور التشريع البيئي الذي ينظم اقامة هذه المحميات ويخصص الجهات المعنية بتنفيذها والافتقار الى ادارة واعية مدربة علميا على تنظيمها فضلا عن استكمال المحميات الموجودة لمقومات اقامتها وتطويرها. ويكشف د. درويش ان ضعف الوعي العام وعدم ادراك اهمية المحميات الطبيعية خلخل البنك الوراثي الحي لانواع كثيرة من الكائنات الحية والمصادر الوراثية النباتية والحيوانية التي تعتبر موردا لكل الكائنات الاقتصادية .. كما تعاني المحميات الطبيعية من سوء التنسيق بين القائمين على حمايتها. وفي اشارة الى الاخطار التي تهدد الموائل الطبيعية في كثير من المواقع .. تحذر الدراسة من تدهور مساحات كبيرة من الغابات في سوريا وتراجع التنوع الحيوي بشكل عام اضافة للتوسع المتزايد في العمران والطرقات والمنشآت التي تؤدي الى تغيير في طبيعة الموائل والمحميات والغاء وجودها في العديد من المواقع. وفي هذا الاطار يشير د. درويش الى ان التوسع الزراعي واستصلاح الاراضي وتجفيف المستنقعات ادى الى تشويش الاوساط الطبيعية اضافة لعوامل التلوث التي اثرت بشكل مباشر على خلخلة السلسلة الغذائية .. ويبين ان نسبة مساحة النظم البيئية الطبيعية الى مساحة الاوساط الحضرية (النظم البيئية الصناعية) تشوشت كثيرا بسبب الزيادة الكبيرة في السكان من ناحية اخرى .. لكنه ترك الاثر البالغ في قيمة ومدى التنوع بكامله وتقليص المحميات والموائل الطبيعية. وعن الامكانات المتاحة لحماية الموائل الطبيعية تحث الدراسة على ضرورة اقامة المحميات والحفاظ على التنوع الحيوي وتوازن الحياة من خلال سن تشريع خاص بحمايتها وتعميم التوعية بأهميتها من خلال الوسائل المسموعة والمرئية الاعلامية والتوجيه التربوي اضافة الى الانخراط الفعلي لخبراء البيئة والتنوع البيولوجي في التنبيه للعوامل المهددة لتلك المحميات والحد من تلوثها وترشيد استخدامها السياحي. يذكر ان هذه الدراسة اخذت بالاعتبار لدى اعتماد الصيغة النهائية لاستراتيجية التنوع الحيوي من الاطراف الوطنية مؤخرا وركزت في احد بنودها على العمل لانشاء شبكة من المحميات الطبيعية التي تغطي مختلف النظم البيئية على الساحل والشاطىء والانهار والبحيرات وفي الغابات والبادية اضافة الى الاهمية الاقتصادية والتنموية للتنوع الحيوي واعتباره ضرورة حياتية لمستقبل البشرية وتنشيط استخدام التقانات الحيوية والالمام بالهندسة الوراثية واستخدامها في التنمية الاقتصادية وشددت على صيانة المصادر الوراثية والحيوانية المحلية والعمل على اكثارها وتحسينها والاستفادة منها بصورة مستدامة. واشار الدكتور اكرم عيس درويش رئيس وحدة التنوع الحيوي في وزارة البيئة الى وجود اكثر من ثلاثة آلاف نوع من النباتات في سوريا منها 243 نوعا متوطنا 7.8% من النباتات الطبيعية الموثقة وهذه النسبة تعتبر اعلى مما هو متوطن في معظم الدول العربية والسبب كما يذكر يعود الى الخواص الجغرافية والمناخية لسوريا والتباين في هذه الخواص ويتركز توطن هذه النباتات في بعض المناطق المهمة منها: جبال القلمون والحرمون والجبال الساحلية والغربية والبادية السورية وجبل العرب, ويحذر درويش من تعرض هذه الثروة النباتية الوطنية لخطر التراجع والاختفاء لاسباب عديدة يذكر اهمها في الاستثمار الكثيف للعديد من هذه النباتات الهامة طبيا أو عطريا كالبابونج والزعتر والزلوع وغيرها اضافة للرعي الجائر والمبكر وهذا يتم في كل المواقع دون استثناء ودون اية رقابة او تنظيم. ويعرف د. درويش الكائن المتوطن بانه الذي يقتصر وجوده في منطقة محددة او اقليم محدد وتعتبر زيادة عدد الكائنات المتوطنة في بلد ما ميزة ايجابية تجعل من البلد وطنا متفردا لهذه الكائنات التي تعتبر كنزا حيويا مميزا لها. واهم مثال لمخاطر انقراض هذه النباتات المتوطنة يذكر د. درويش نبات الزلوع الذي يعتبر احد النباتات المهمة المتوطنة والذي يميز جبال القلمون وخاصة القمم المجاورة لبلدة بلودان في ريف دمشق حيث يتعرض هذا النبات للاستثمار الجائر بسبب الاعتقاد السائد باهميته كمنشط جنسي ويضيف نحن لا ننكر ان لكل نبات اهمية طبية اوعطرية او رعوية او غذائية وحتى اجمالية وقد يكون عرف او انه مازال مجهول الاهمية الا ان انقراضه او اختفاءه يعنيان انه قد تم دفن كائن متمتع بذخيرة وراثية حيوية اكتسبها عبر ملايين السنين. وتعتبر اهم مميزات موقع الزلوع والريباص والذي يبدأ من القمم المحيطة بمصيف بلودان ويمتد الى السهول الشمالية لقرية (هريرة) في حوض بردى الى مناطق رنكوس والمناطق المحيطة بها غناه بالانواع النباتية وخاصة العشبية والتي تبلغ ذروتها في فصل الربيع بالاضافة الى العديد من الانواع النباتية الشجرية والتي تمثل بقايا اخيرة لغابات حراجية واصول وراثية نباتية كاللزاب, الخوخ البري, الاجاص البري, الزيزفون .. ويبلغ عد الانواع المتوطنة في هذا الموقع اكثر من 40 نوعا وهذا مايزيد من اهميته وان حماية هذا الموقع تعني الحفاظ على الكنز الحيوي اولا وامكانية استغلاله في السياحة البيئية. ويتساءل د. درويش : متى سيتم تنظيم الاستغلال لهذه الثروة الوطنية والتي تتراجع مساحتها بشكل ملحوظ بسبب جمعها وبيعها الى الاسواق الداخلية والخارجية باسعار متهاودة وبشكل غير اقتصادي وهنا نرجو, يضيف د. درويش ان لا يفهم اننا نبحث عن الاستثمار الاقتصادي اي رفع الاسعار بل المقصود ان تتم حماية هذه النباتات المهمة في مواقعها البيئية وبالتالي ترشيد استثمارها وان تعود بالفائدة في المقام الاول على السكان المحليين وليس التجارة والشركات المستثمرة والحل كما يراه د. درويش ان يعمل المستثمرون والمستفيدون على انشاء مزارع خاصة للنباتات الطبية والعطرية تستغل كيفما يشاؤون بعيدا عن هذه المواقع المهمة ويختم د. درويش حديثه بالقول: ان ما يحيط بنبات الزلوع من خطر هو نفسه الذي يحيط كل النباتات ذات الفوائد المعروفة حتى الآن وان اختلفت مواقعها ومنها نبات الآس (الريحان) والغر الذي يقتطع منه بالاطنان خاصة في مواسم الاعياد الدينية وكذلك الاشجار الحراجية التي تقطع بعشرات الاطنان في كل المدن السورية وخاصة في اعياد رأس السنة وفي مواسم ومناسبات اخرى.