ولكن ليس لنا يد طولى يمكن أن توقف ذلك )المارد الإمبريالي) الزاحف الذي ينذر بابتلاعنا, سوى محاولة إبعاده عنا وابتعادنا عنه قدر الإمكان, وهذا الرأي يثير الإعجاب كثيرا لدى بعض السياسيين الذين يخشون هذا الوجه من (العولمة) , أي وجه الإعلام المفتوح. فيما يرفع البعض الآخر من الإعلاميين شعارات تقف على النقيض تماما, فيعلنون تأييدهم للعولمة الإعلامية بلا فيها للهندي الأحمر في أحراش الأمازون وللبدوي في الصحراء أن يعلم بما يحدث في قلب غرفة اجتماعات مجلس الأمن بالأمم المتحدة, فقط بالضغط على (زر) جهاز صغير ينقل إليه الصوت والصورة. هذا الرأي له قليل من المؤيدين من بين حكومات (العالم الثالث) , التي تخاف من أن يكون ذلك بداية لنشر فكر لا تراه بعين الرضا, فتقوم بدعوى (الحفاظ على الأخلاق) بوضع ضوابط على هذا المارد الجديد الذي يهددها, خاصة ما يمكن أن ينتج عن (إعلام) بلا ضوابط من (مضار) يمكن وضعها في إطار تهديد (السلام الاجتماعي) , مع أنها تعلم أن إعلامها يعيش على ما تبثه أدوات التكنولوجيا الإعلامية من أفكار دون أن تتخذ أي خطوة إيجابية لمواجهة تلك الأفكار سوى بإغلاق الأبواب جميعا, فإذا بتلك التكنولوجيا تتقدم وتدخل من كل الشقوق التي تمتلئ بها جدران العالم المتخلف . لكن أيا من الجانبين سواء الراضخ لمصيره والمُسَلِّم لمارد العولمة ليقوده عبر مستقبل لا يعلم أحد إلى أين يسير بنا, وما موقعنا الذي ينتظرنا فيه, أو الجانب الآخر المهلل للعولمة الإعلامية بشكل خاص فيصف الحياة في (القرية العالمية) على أنها المأمول الوحيد من كل المستقبل, يعرف ما هي الحكاية بالضبط, ولا ما هي تلك الأدوات التكنولوجية التي تقف وراء هذه العولمة التي يتحدث عنها الجميع ليل نهار, وإذا كان هناك من يعرف فإنه يقف عند حد المعرفة لنفسه دون أن يجهد نفسه في تقديم معرفته للآخرين, ودون أن يبدي وجهة نظر حول كيفية الاستفادة من تلك العولمة وأدواتها التكنولوجية, أو حتى يطرح رأيا يجتهد فيه لوضع ضوابط للاستفادة من جوانبها الإيجابية, ومحاولة مواجهة جوانبها السلبية, أو على الأقل التخفيف منها. لو أننا حاولنا أن نتفحص الجانب التكنولوجي من العولمة فإننا نجد أن بلادنا والبلاد الأخرى المنتمية إلى العالم المتخلف, السائر في ركابها دون أن تكون لديها القدرة على وضع فكرة محددة لهذا النسق الجديد, ولا تفعل شيئا لتشارك أو حتى تستفيد من تلك الأدوات التي توفرها لنا تكنولوجيا المعلومات, بل تترك الأمر بين يدي من ملكوا بناء هذه التكنولوجيا وطوروها لتخدم أهدافهم, ويملكون الآن إجبار الآخرين على السير في ركاب تلك التكنولوجيا, بل وتقديم العون المادي والمعنوي لدفع التكنولوجيا الإعلامية إلى مزيد من تقييدهم, وذلك من خلال المشاركة في بناء مؤسساتها, من انترنت ووكالات أنباء إخبارية مقروءة ومسموعة ومرئية, بدلا من أن تحاول أن تقيم مؤسساتها الخاصة, التي يمكن أن تجعلها مشاركة حقيقية في صناعة تلك التكنولوجيا الجديدة, وليست فقط مستهلكة لمنتجات التكنولوجيا الإعلامية. هذا الكلام ليس مجرد كلام فقط يكتبه كاتب للاستهلاك, بل هو نابع من هم حقيقي يؤرق الكثير من العاملين في مجال وسائل الإعلام المختلفة, خاصة من يقيم منهم في المركز من تلك (القرية الإعلامية) المتقدمة, ويساهم بشكل ما في العمل في الجانب الآخر من الإعلام الذي يعيش على (الهامش) من تلك القرية, لأن من يعيش في المركز ويتابع التطور اليومي على الطبيعة, ويمكنه أن يتعامل مع هذا التطور بلمسة بأصابعه, ليس كمن يعيش على الهامش ويسمع عن تطورات التكنولوجيا الإعلامية ولا يرى من هذا التطور إلا ما توصله إليه وكالات العالم المتربع على قمة المركز في القرية الإعلامية الكبرى, الذي يقدم فقط إلى الهامش ما يريد المركز من الهامش أن يعرف. لو عدنا قليلا في الزمن إلى الوراء, وتابعنا تطور وسائل العمل الإعلامي في العالم لتعرفنا على حقيقة وضعنا في الإطار الخاص بالتكنولوجيا الإعلامية. قبل أعوام ليست بالكثيرة, في بداية ظهور بعض أدوات التكنولوجيا الإعلامية, كان من يعمل منا في مجال الإعلام في البلاد البعيدة عن التقدم, كان يجد صعوبة في إقناع أي وسيلة إعلامية في التعاقد معه كمراسل لها من الدول التي تعيش في المركز الآن من هذه التكنولوجيا, وبالطبع كان للمسئولين عن تلك الوسائل الإعلامية مبرراتهم المنطقية في ذلك الوقت, تلك المبررات التي لا يمكن لأي خبير في هذا المجال أن يناقضها بسهولة, منها مثلا صعوبة نقل الخبر الذي يحصل عليه المراسل الخاص بالسرعة التي كانت تصل بها تلك الأخبار إلى الصحف والإذاعات والقنوات التليفزيونية عبر أجهزة (التيكرز) , وغيرها من وسائل البث التي لم تكن تتوفر لأفراد كالمراسلين. ثم تطور الأمر وتحول إلى جهاز (الفاكس) , الذي كان في البداية جهازا عجيبا يمكن أن يسهل من مهمة الصحفي البعيد عن الوسيلة الإعلامية التي يعمل كمراسل خاص بها, ولكنه في الوقت نفسه كان مرتفع التكلفة نظرا لتكلفة الخط التليفوني الذي يجب أن يستخدمه, إضافة إلى أن جهاز الفاكس لم يكن متوفرا بأسعار اقتصادية تجعل مسألة الحصول علية وامتلاكه مسألة غير ميسرة للجميع. بعد أن أصبح جهاز الفاكس متوفرا وموفرا للجهد والمال, خفت حدة مقاومة القائمين على الإعلام في بلادنا للتعامل مع مراسلين خاصين بهم, لكن التعاقد مع مراسل خاص كان يتم في إطار ضيق جدا, تحدده رواسب سياسية تعكس في عقل القائمين على إدارات الوسائل الإعلامية المختلفة, والتي تجعل من عو اصم بلاد معينة أهمية تفوق أهمية عواصم أخرى, دون النظر إلى كم العمل الإعلامي الحقيقي الذي يميز هذه العاصمة من تلك. كانت العواصم الاستعمارية القديمة والحديثة تحظى بالاهتمام أكثر من غيرها, من تلك العواصم التي يمكن أن تكون لها أهمية غير منظورة في السياسية الرسمية للدولة التي تصدر فيها تلك الصحيفة أو الإذاعة أو القناة التليفزيونية, لذلك كانت عواصم مثل لندن وباريس وواشنطن وموسكو تحظى باهتمام المسئولين عن وسائل الإعلام في معظم دول العالم الثالث, ومن بينها بالطبع البلاد العربية, التي كانت ولا تزال ترتبط بدول مستعمريها القدامى بعلاقات وثيقة, وبدول استعمارية جديدة كالولايات المتحدة, التي احتلت موقع الصدارة بعد أن أزاحت بعض دول الاستعمار القديم, أو لدول أصبحت تشكل دعما معنويا مثل العلاقة بين الاتحاد السوفييتي السابق وبعض الدول المستقلة حديثا التي كانت تحاول الهرب من علاقاتها بالمستعمر القديم. بينما تكون عواصم مثل العاصمة الاسبانية مدريد أو لشبونة البرتغالية بعيدة عن الاهتمام الخاص من جانب وسائل الإعلام العربية بشكل خاص, على الرغم من الأهمية الخاصة لهاتين العاصمتين اللتين ترتبطان بالعالم العربي بروابط خاصة تاريخية قديمة, باعتبارهما تنتميان إلى الأرض التي كانت يوما ما (الأندلس) العربي الإسلامي, وتشكلان في العالم المعاصر أهمية خاصة لمن يريد الاهتمام حقيقة بتنمية علاقاته بدول تقع في دائرتنا كعالم نام, مثل دول أمريكا اللاتينية التي تمتد على مدى قارة واسعة, وتشكل عمقا حقيقيا لأي فكرة يمكن أن تنمو لمواجهة الهيمنة التي تحاول فرضها دول الاستعمار القديم والجديد. كذلك الأمر بالنسبة لبعض الدول الأفريقية والآسيوية التي كانت في يوم ما مستعمرات لاسبانيا والبرتغال لفترة طويلة, وأصبحت الحليف الطبيعي لبلادنا العربية بعد ما أصبح يجمع بيننا وبينهم, ليس فقط وحدة المصير المشترك سياسيا, بل وحدة المصير الحاضر والمستقبل, التي زاد من تقويتها وجود عدد منها كدول منتجة ومصدرة لمواد خام استراتيجية هامة كالبترول. عندما بدأت الخطوات الأولى للعولمة الإعلامية وأدواتها التكنولوجية المتقدمة والرخيصة في الوقت نفسه في الانتشار, توقع البعض أن يتغلب القائمون على وسائل الإعلام في البلاد التي تعيش على هامش القرية الإعلامية العالمية على تحفظاتهم, وأن يبدأوا ثورة حقيقية تقربهم من مركز القرية الإعلامية العالمية, وفرض طريقة جديدة في التعامل مع الأحداث العالمية بعيدا عن هيمنة (الاستعمار الإعلامي) , من خلال خلق شبكة من المراسلين الخاصين بهم, ينقلون وجهة نظر مختلفة عن الأحداث التي تقع في مختلف مناطق العالم, خاصة بعد أن وفرت لهم تكنولوجيا المعلومات الحديثة الأدوات التي تمكنهم من القيام بهذه المهمة بتكاليف قليلة, لا تزيد كثيرا على تكاليف استخدام وكالات الأنباء العالمية, التي لا تقدم لهم إلا ما يريد (مركز قيادة القرية الإعلامية) أن يقدمه لدول (الهامش) , لأن أي مراسل يمتلك جهاز كمبيوتر مجهزا بالانترنت والإسكانر لبث الصور يمكنه أن يقوم بعمل وكالة أنباء كاملة . إلا أن القائمين على وسائل الإعلام في العالم النامي ومن بينها وسائل الإعلام العربية ظلوا ينظرون إلى المراسل الصحفي نظرتهم إلى (موظف) خارج نطاق السيطرة, ويمكن الاستغناء عنه لأن وسائل توصيل الأخبار الأخرى في تطور أيضا, لكنهم لم يفكروا لحظة واحدة في أن وجود مراسلين خاصين بهم في مناطق متعددة من العالم يخلق لهم وللثقافة التي يمثلونها وجودا وثقلا أكبر مما هو قائم فعلا, بل أن وجود مراسلين يمكن أن يغير الرؤية إلى تلك الدول, وذلك من خلال الاستعانة بالمراسل للعمل في الاتجاه المعاكس, أي يكون أيضا أداة لنشر الثقافة التي ينتمي إليها , مستخدما في ذلك احتكاكه اليومي بوسائل الإعلام في الدول التي يعمل من خلالها. المراسل الحقيقي, إذا أُحسن اختياره, يمكن أن يضيف كثيرا إلى وسيلة الإعلام التي يمثلها, لأن وكالات الأنباء العالمية تنقل إلى عالم الهامش في الإعلام ما يريده المركز, وتخفي ما لا تريد للهامش أن يعرفه عن المركز, لذلك يقتصر الخبر المنقول عبر وكالات الأنباء العالمية على المعلومات الأولية, وإذا تبعه تحليل أو توضيح يكون لتكوين فكرة معينة تجعل وكالة الأنباء العالمية أقرب إلى (المندوب السامي) للدول الكبرى لدى الدول الصغرى, وهنا تأتي الحاجة إلى المراسل الخاص, لأن دور المراسل الحقيقي, أن يوضح من خلال معايشته اليومية, الحقائق التي تنطوي عليها الأخبار المنقولة. أيضا هناك الدور الآخر الذي يلعبه المراسل على الساحة الداخلية للدولة التي يقيم فيها, لأن الكثير من وسائل الإعلام تلجأ إلى المراسل لإيضاح الحقائق التي تنشرها عن الدولة التي يمثل المراسل أحد وسائل إعلامها, واللجوء إلى المراسل لإيضاح تلك الحقائق يكون عادة أكثر مصداقية من الإيضاحات التي يمكن الحصول عليها من المكاتب الرسمية, أو التي يمكن الحصول عليها من السفارات باعتبارها تمثل الرؤية الرسمية لدولها, وكل ما هو رسمي في الشرق ليست له مصداقية في الغرب (!). إذا كانت تكنولوجيا الإعلام وفرت للدول المسيطرة على (المركز) وسائل تجعل إحكام السيطرة على إعلام دول (الهامش) أكثر قوة وإحكاما, فإن تلك الأدوات نفسها يمكن استخدامها أيضا لمقاومة السيطرة الاستعمارية على الإعلام, بحيث أصبح وجود وسائل الإعلام الرافضة لتلك السيطرة ميسرا من خلال مكاتب ومراسلين يعملون مباشرة لصالحها, ويكشفون ما تنطوي عليه بعض الأخبار المنقولة من حقائق خفية أو أهداف غير معلنة. إلا أن السؤال الذي يظل مطروحا, ولا يمكن أن يجيب عنه أحد, بل يجب أن يجيب عنه المسئولون عن الإعلام ووسائله في بلادنا, التي تسعى إلى الهروب من سيطرة العالم المتقدم: هل استفادت وسائل الإعلام العربية من التكنولوجيا الإعلامية؟, وإذا كانت الإجابة بالنفي إجابة طبيعية, يبقى السؤال الآخر: متى تنتبه وسائل الإعلام العربية إلى تلك الوسائل لتتحرر من سيطرة من يحركون تكنولوجيا الإعلام؟. بقلم: الدكتور طلعت شاهين كاتب صحفي مصري مقيم في اسبانيا.