حتى يستطيع الكاتب الصحفي ان يؤدي دورا ناجحا في خدمة مجتمعه والاسهام في حل قضايا امته وانارة الشموع امام قومه, لابد ان تتوافر له جملة من العوامل والحوافز التي تساعده وتشجعه على امتطاء صهوة جواد العمل الصحفي, وركوب مراكبه الصعبة والسباحة في خضم امواجه الهائجة. وأول ما يخطر ببالنا في هذا المجال السماح للصحفي بالتعبير الحر الامين عما يجول في فكره ويعتمل في خاطره ويختمر في لواعج صدره. ولكن هذا الامر يتعلق بحرية الصحافة. وهي قضية سياسية قبل ان تكون صحفية. ومن المؤكد ان توفير ليس بالأمر الهين اليسير لانه يستلزم قرارات حاسمة من اعلى المستويات ولا شك ان هذه المسألة تحتاج الى معالجة متأنية ومستفيضة في مقالات مستقلة نستطيع ان نجد امثالها في هذا الملف السياسي الخاص. وحسبنا ان نتصدى في مقالنا, لحافز اخر لا يقل اهمية وخطورة عن حافز حرية الكلمة. ونقصد به ضرورة توفير مستوى عيش معقول للكاتب الصحفي. وهذا انجاز غير بعيد المنال, ويمكن ان يصبح في متناول اليد, اذا امكن النظر اليه والتعامل معه بمنظار حضاري متقدم يأخذ في الحسبان اهمية الصحافة في حياة الامم. فهي من انجح وسائل التثقيف وتكوين الرأي العام والتأثير في عقول الناس ومواقفهم وتنوير القراء بشأن ما يجري في كل جنبة من جنبات هذا العالم العجيب المترامي الاطراف. والصحافة ايضا, مرآة صافية تعكس احوال المجتمع, بجميع جوانبه السياسية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. ولكن للأسف, فعلى الرغم من انه لا صحافة بدون صحفيين ومع ان هؤلاء هم طليعة المثقفين الذين يحملون بأقلامهم مشاعل المعرفة ومنارات الفكر, فإن حقوقهم المادية, ما زالت مهضومة نسبيا في الدول المتخلفة التي لا تقيم وزنا كافيا لقدسية الكلمة. فالأجور والمكافآت المالية التي يتقاضونها, اقل نسبيا ما يستحقون. وهذا الاجحاف بحقوقهم يفضي الى انخفاض مستوياتهم المعاشية واضعاف حافز التجويد الكتابي والتحليق الادبي عند البعض منهم, مما يؤثر سلبيا في مجمل حركة الانتاج الصحفي والثقافي. وبالاضافة الى ان الكاتب الصحفي ينال مردودا ماديا يقل عما يحصل عليه اصحاب الاختصاصات الاخرى, فإن هناك ملابسات وحساسيات كثيرة مرتبطة بأجره المادي. فهو يدفع قبل ان يقبض. اي انه يكد ويعرق ويصل اناء الليل بأطراف النهار, حتى ينتج اعمالا كتابية قيمة, ثم عليه بعد ذلك ان ينتظر طويلا قبل ان ينال استحقاقه المالي. واكثر من ذلك, فإن حصوله على هذا الاستحقاق, كثيرا ما يقترن بالحرج. فبينما يطالب الطبيب او المهندس او المحامي بأتعابه جهارا وفي وضح النهار فإن الكاتب الصحفي قد يخجل احيانا من المجاهرة بطلب اجره المادي, لأن البعض يرون في ذلك غضا من قدره وانتقاصا ادبيا من قيمة عمله الكتابي, مع ان كون الكتابة عملا فكريا راقيا يجب ان يستتبعه بالضرورة مردود مادي راق يتناسب مع رقيها! ان سعر الكلمة الصحفية في الدول النامية منخفض بصورة عامة, وموضعه في المقياس المالي, هو موضع الحصرم لا الزبيب. ومن المؤكد ان هذه المشكلة تلقي بظلها الكئيب الثقيل على مستقبل الصحافة والادب. صحيح ان الكتابة الصحفية هي رسالة سامية قبل اي شيء اخر, الا ان توفير ظروف معيشية مريحة للصحفي, هو من ابرز الدلائل على اعتراف امته بموهبته. ولا شك ان المجتمع الذي يحترم كتابه وينزلهم المنزلة المادية العالية التي هم اهل لها, هو المجتمع الجدير بالتقدير. ان في البلدان النامية, وفي الوطن العربي, اليوم مئات الصحفيين الموهوبين الذين تجود قرائحهم بأعمال كتابية راقية تنم عن فكر عظيم, وتومىء بقدرات ابداعية لا تجارى. ومع ذلك فإن بعض هؤلاء يتمرغون في اوحال الفقر, وبعضهم الآخر يحيون بمستويات معاشية دنيا تقل عما يرفل فيه اصحاب المهن العادية, كالنجارين والبقالين والجزارين, من نعمة العيش, مع احترامنا من حيث المبدأ لجميع المهن. وهذا امر غير طبيعي, ولا يجوز استمراره لمجرد اننا اعتدنا عليه, وأصبح جزءا من تقالدينا. وهناك كثير من الاوضاع والمواقف غير المنطقية التي تستمر كما هي في حياتنا دون ان يطالها التغيير, لكونها قد تأصلت وترسخت في سياق العلاقات العامة, حتى غدت وكأنها حقيقة لا مناص منها. ولا شك ان العمل على وضع حد لهذا الوضع المجحف, يعد واجبا قوميا ملحا. ولو اننا احصينا عدد الصحفيين في اي قطر عربي, لوجدنا انه يقل عن عدد اصحاب كثير من المهن الاخرى. صحيح ان عدد المثقفين كثير جدا الا ان القلائل منهم يتقنون فن الكلمة ويجيدون حرفة الكتابة. ونحن هنا بالطبع, نقصد الكتاب الحقيقيين القادرين على العطاء الجيد والانتاج المفيد بالابداع الاصيل. اما اشباه الكتاب وادعياء الادب والمتطفلون على الصحافة, فهم خارج الحساب. ان غمط الصحفيين حقوقهم المادية الكاملة, هو من ابرز سمات المجتمع المتخلف. ونعتقد ان تقدير اجور هؤلاء انما جاء من عصور قديمة واستمر بعد ذلك بحكم العادة ولابد من اعادة النظر فيه وسط خطة شاملة تستهدف وضع اجور مهنة الكتابة في الدرجة المناسبة من سلم اجور المهن. فالكتابة كما اسلفنا فن رفيع. وهو لا يزهر ويزكو ويترعرع الا في تربة العطاء المادي وفي كنف التشجيع المعنوي. وتحقيق ذلك هو من اهم الشروط لارتقاء مدارج التقدم وتسنم ذرى المدنية. ومن الناحية المهنية, فإن تقدير قيمة العمل الكتابي للصحفي, يجب ان تستند الى المقاييس التالية: 1) اهمية محتوى اعماله الكتابية وحيوية المضمونات التي يطرقها ومدى موضوعيتها ونزاهتها. 2) عدد صفحات الانتاج الكتابي الذي يقدمه الصحفي. 3) جودة الاسلوب وسلامة اللغة وحسن الصياغة. 4) المؤهلات التي يحوزها صاحب العمل الصحفي. 5) طبيعة الجهد المبذول, من حيث كونه اصيلا وابداعيا او مقلدا وروتينيا. 6) مدى ما يلاقيه العمل الكتابي من تجاوب من جانب القراء. وطبعا يختلف التقدير المادي حسب كون الكاتب متفرغا للعمل الصحفي, او انه يعمل على اساس تقديم موضوعات خارجية. وبعد, فلنكن واثقين ان القوى المعادية للعرب, يهمها جدا وتحرص دائما, على ابقاء طبقة الكتاب والصحفيين في الوطن العربي, محرومة من حقوقها المادية والمعنوية وفي ادني مراتب العيش حتى لا تقوى على القيام بأدوارها العظيمة المتمثلة في تثقيف الجماهير وتوعيتهم وانارة الدروب امامهم. فالصحفي هو لبنة الصحافة ولحمتها وسداها فإذا عرج عرجت هي واذا ارتقى هي بدورها. وتحضرني اخيرا طرفة طريفة لعلها تكون خير ما اختتم به هذا المقال: فقد قال رجل لبرناردشو لي سبعة اولاد, ستة منهم يريدون ان يصبحوا كتابا, وواحد صانعا. فرد شو ضاحكا: امن العدل ان يكون واحد مكلفا باعالة اخوته الستة؟! بقلم: ياسر الفهد كاتب سوري