لا اتوقع ان تفرج ازمة الحرية في عالمنا العربي بين يوم وليلة.. لا اتوقع ان يضغط احدهم على زر في كمبيوتر, فتتحقق حرية الرأي, وحرية المعلومات, وحرية قراءة السلطة, وحرية البحث العلمي. صحيح ان الحرية حق من حقوق الانسان, وفي البدء كانت الحرية, ثم تطورت المجتمعات فباتت الحرية مقابل المسئولية وباتت حريتك تقف عندما تبدأ حرية الآخرين, وباتت السلطة مفوضة وحاكمة في الوقت نفسه... مفوضة من المجتمع لتنظيم قضية الحرية, وحاكمة تضع القيود والسدود او تطلق الحريات.. تفتح السجون او تفتح الصحف ومنتديات الرأي. اساءت السلطة, على مر التاريخ استخدام التفويض الصادر لها, وكانت الاساءة تتناسب تناسبا طرديا وفق طبيعة المجتمع وطبيعة نظام الحكم. في مجتمعنا العربي, ظلت كلمة الديمقراطية غريبة على الاسماع الى وقت قريب, فالسلطة ابوية, والعلاقات قبلية, واخلاق المدنية والمؤسسة شيء طارئ. في مصر والتي عرفت اول برلمان واول صحيفة في الوطن العربي يروي الحزبيون القدامى انه في العشرينيات من هذا القرن جرى اسقاط سياسي كبير في الانتخابات البرلمانية (واظنه احمد لطفي السيد) لأنه يقول انه ديمقراطي, وجرى ايهام الفلاحين والبسطاء بأن الديمقراطية هي الكفر بالله, هكذا جرى امتهان الكلمة واللعب بها.. و ... مازال ذلك كقائما وان تم في ثوب عصري.. فالدساتير تشير للديمقراطية والحرية, والحاكم ـ اي حاكم ـ يتغنى بها.. والضرب بعد ذلك (تحت الحزام) لاجهاض كل شيء! والمعادلة بسيطة للغاية فكلما زادت مساحة حرية المواطن كان ذلك على حساب حرية الحاكم والحكومة ومن بيده الامر.. صاحب السلطة او حاجة الثروة او صاحب الجاه.. والعكس صحيح انه كلما زادت حرية من يحكم, قلت حرية المحكوم. خذ مثلا حرية الصحافة او حرية الاعلان, وهي بشكل او بآخر تعني حرية القول.. ماذا نجد في بلادنا العربية؟ اذا كنت صحفيا او تجد وسيلتك للصحافة فأنت حر في ان تنقد النظم الاخرى.. وانت خارج دائرة الرضا.. او في دائرة الحساب او العتاب او العقاب او السجن او القتل اذا اقتربت مما يحدث في وطنك, او اذا كشفت المستور! ويجد ذلك كله سياجا من القانون, بحيث تأتي الدساتير لتفسح مجالا واسعا لحرية الرأي والتعبير (في حدود القانون), ويأتي القانون ليسمح بمساحة اقل, ثم يأتي التطبيق لينسخ كل ذلك ويلغيه! وخذ مثلا حالة مصر مرة اخرى, وهي افضل حالا من غيرها دون شك, فإن الحرية في هذه الحالة, مكفولة للدستور, لكن حرية الاصدار للصحف او امتلاك الاذاعات مصادرة او محددة باطار حديدي. وخذ مثلا, عقوبة الحبس في قضايا الرأي والنشر, وتشترك فيها كل البلاد العربية.. اما التهم فهي فضفاضة وخاضعة لهوى الحكومة وتقدير قاض قد لا يكون منزها عن الغرض.. و .. من ثم تأتى عبارات مثل (المساس بالوحدة الوطنية, والاساءة لممثل دولة اجنبية, واهانة مصلحة حكومية).. يأتي كل ذلك ليكون ذخيرة فاسدة لبندقية يصنعها حاكم او برلمان مزيف ويحملها قاض.. وهل هناك سلطة اعلى من القضاء؟ والحرية تعني الشفافية, فالصحافة والتلفزيون والاذاعة والحزب السياسي والجمعية والنقابة.. كلها تنظيمات من حقها ان تعرف, وحق المعرفة في مجتمعات متقدمة مثل الولايات المتحدة ينظمها القانون بحيث تستطيع ان تذهب الى القاضي لتعرف ماذا يفعل الوزير, ولكن ـ في بلادنا او معظمها ـ وحيث تختلط المصالح الشخصية بالمصالح العامة, وحيث يلعب البقاء طويلا في المناصب دوره في ستر العورات.. في بلداننا نجد اصحاب القرار فكرة الشفافية عيبا لأن الله قد امر بالستر, ولأن التوكيل او التفويض الصادر من الشعب للحاكم او النائب او الوزير قد بات حقا من حقوق الملكية يتصرف بموجبه المسئول كما يشاء. فاذا اضفنا لذلك ضعف البنية الاساسية التي تتيح نمو الديمقراطية, نسبة التعليم ونسبة الامية والكفاءة الاقتصادية التي تمنع تركيز رأس المال وانتشار الفقر.. اذا اضفنا ذلك فاننا ندرك أي معضلة نواجه ونحن نتحدث عن قضية الحرية. هذه هي الصورة العامة, لكننا نجد المتناقضات في الواقع العربي.. فالقنوات الفضائية العربية, وهي كثيرة, تتمتع بحرية اوسع من القنوات المحلية.. او الصحافة بشكل عام تجد هامشا يزيد في حريته عن هامش الاذاعة المسموعة والمرئية. وصحافة الخارج, لبعض الدول, شيء آخر غير صحافة الداخل, وكأن المقصود بالجهل والجهالة هو المواطن في الداخل! والاعلام بات عالميا, والمعلومات تتمتع بالشيوع عبر وسائل كثيرة منها الفضائيات والانترنت, والمواطن العربي غير محروم من الاتصال بكل ذلك.. و ... مع هذا فإن قائمة المحظورات في قوانين النشر, او في التطبيق العملي قائمة طويلة وغير محدودة, وكأن هناك في كل دولة.. دولتين! و.. تمضي رحلة التناقضات لنجد ان الجميع يغنون بالحرية الاقتصادية, لكنهم يقفون بالمرصاد للحرية السياسية.. فالنقابات والاحزاب والجمعيات ـ وفي حالات كثيرة ـ رجس من عمل الشيطان.. والصحف عليها ان تلتزم بالادب والسمع والطاعة والاشادة بكبار القوم! وفي كل يوم نسمع عن تحرير التجارة, وتحرير انتقال الاموال والسلع والخدمات.. لكن المخطورات تأتي عندما نتحدث عن انتقال البشر وانتقال الافكار! اليس ذلك كله تناقضيا نعيشه؟ الجواب: نعم. .. وقد تجعلنا هذه المعطيات عازفين عن اقتحام قضية الحرية, او حرية الصحافة والاعلام حتى تصلح احوال المجتمع.. ولكن لأن الواقع العربي يعيش (اللامنطق), ولأن الجزئيات في حياتنا كثيرا ما تحكم الكليات وليس العكس لأن الامر كذلك فانه يمكن التفكير في القضية بمنطق ان الجزء يساهم في الكل, قد يطوره ويعمل على خلقه من جديد. ولنأخذ مثلا حرية الصحافة والاعلام وقد بات مفهومها مختلفا عن ذي قبل.. اي انه لم يعد مجرد (حرية رأي) .. وهو ما يفرض واجبات عاجلة. من واجبنا الآن ان نضغط من اجل: ** حرية امتلاك الوسيلة, وهي الصحيفة, او محطة الاذاعة او التلفزيون.. فلا ينبغي ان يكون ذلك احتكارا للدولة او ضمن شروط مالية وقانونية يعجز الافراد عن الوفاء بها. ** حرية المعلومات, فالاعلامي غير الشاعر.. بضاعته المعروفة, ومهمته ان ينقل المعارف للرأي العام الذي يشارك في الحكم من خلال المعرفة بما يجري حوله.. والانجاز ديمقراطيا لهذه السياسة او تلك. و.. في هذا الباب لابد من تنقية القوانين التي تجعل كل ما هو حكومي (سرا حربيا)... وكل ما يدور في قطاع الاعمال (اسرار مهنته) او مجالا للحسد...! في الولايات المتحدة, اخترق الاعلام غرفة مكتب كلينتون, وكأنه يخترق فراشه.. وعندما جرت مساءلته برلمانيا اتيح للجمهور ان يحضر ويدفع ثمن تذكرة الفرجة على الرئيس! وفي بريطانيا تحتل اخبار الملكة اليزابث حيزا محدودا من الصفحة الاولى او الصفحات الداخلية للصحف.. وفي كل دورة برلمانية تثار مناقشته: (جمهورية .. ام ملكية؟) كما تثار قضية نفقات القصر! انها حرية الرأي تختلط بحرية المعلومات .. بل انها تجد بنيتها الاساسية من رفع الغشاوة ورفع القداسة من على الاشخاص والمؤسسات ذات الاتصال بالعمل العام. ** في هذا المجال ايضا, لابد من الحديث عن حرية النشر, وحرية التنظيم الشعبي.. والاطار القانوني الحاكم لهما. .. اقصد بذلك كله ان (مالا يدرك كله.. لا يترك كله), وان قضية الحرية لا ينبغي ان تكون مؤجلة الى اجل غير مسمى. وفي هذا الاطار يصبح نضال الاعلاميين, والمؤسسات الاعلامية والنقابية وجمعيات النفع العام والاحزاب في الدول التي تملك مثل هذا النظام.. يصبح لزاما التحرك في اتجاه المزيد من الحرية. نعم.. لحرية اصدار الصحف. نعم.. لامتلاك محطات التلفزيون والاذاعة ودور النشر. نعم.. لحرية تدفق المعلومات. نعم.. لحرية النشر وحرية الرأي وحرية النقد. الاحترام للمحاكم واجب, واحترام خصوصية المواطن ضرورية.. ولكن لا قدسية لاحد, فتلك هي روح العصر, ولا يمكن ان نقف ضد تيار التاريخ. لقد فتحنا النوافذ, ولا يمكن ان نظن اننا نصد الرياح باصبع او اشارة. بقلم: محمود المراغي