في لبنان حريات اعلامية وعامة واضحة المعالم, لكن رغم ذلك فاننا لا ننام على حرير . عبارة وردت في حديث خاص لنقيب الصحافة اللبنانية محمد البعلبكي تلخص الواقع الملتبس عما يدور من مناقشات حول مدى التراجع او مدى الاستقرار في واقع تلك الحريات لبنانيا وعربيا ايضا. وللتوضيح ينطلق البعلبكي في حديث لـ (الملف السياسي) في القول ان المؤتمر الاخير لاتحاد الصحافيين العرب في القاهرة, قد اسس لايجاد قانون عربي موحد للمطبوعات الصحفية, على ان تتم متابعة هذه المسألة لاحقا. ويلفت الى ان على الصحافة اللبنانية ان (لا تنام على حرير) , من دون ان يعني هذا تشكيكا بمستوى الحرية الاعلامية القائمة حاليا, والمنتجة من نضالات ومواقف ومحطات. وفيما يلي الحوار مع النقيب البعلبكي: * ثمة جدال سياسي حول مستوى توافر الحريات الاعلامية والعامة في لبنان, خاصة بعد ان تعددت في الآونة الاخيرة الملاحقات القضائية والامنية, فهل صحيح ان حرية التعبير باتت في حالة غيبوبة (جوما) ؟ ـ يجب ان نميز بين نوعين من الملاحقات الصحفية امام القضاء, فهناك منها دعاوى يقيمها اشخاص على صحف تنشر ما يعتبره المدعون مساً بكراماتهم, هذه دعاوى شخصية, وهي كثيرة, ولا شأن لنقابة الصحافة بها, وهي تعبير عن حق شخصي مقدس لكل مواطن يجد فيما تنشره صحيفة او مطبوعة ما يمس كرامته, واخر دعوى مهمة على هذا الصعيد اقامها الوزير السابق النائب الياس حبيقة على عدد من الصحف كمواطن عادي, اي ان السلطة لم تكن في هذه الحالة هي المدعية, لكن الدعوى كانت في غير موقعها القانوني لانها اقيمت على رئيس التحرير صاحب المطبوعة, فيما يحصر القانون المسئولية الجزائية بالمدير المسئول عنها. لقد ولدت هذه الدعوى مخاوف من ان يكون هناك تجاوز لاحكام قانون المطبوعات, بما قد يمس حرية الصحافة, لذلك حصل تحرك نقابي, كما حصلت متابعة له في العالم العربي. كما صدر بيان مشترك لاتحاد الصحافة اللبنانية الذي يضم نقابتي الصحافة والمحررين وضع النقاط على الحروف بكل صراحة, وبكل قوة وانتهى الامر الى اقتناع الياس حبيقة بوجوب سحب الدعوى واسقاطها, فهذا النوع من الملاحقات الصحفية يتعلق بالدعاوى الشخصية. لكن ثمة نوع اخر من الدعاوى وهي التي تقيمها السلطة على الصحف (المطبوعات) والصحافيين, وهنا اريد ان انوه بما صرح به رئيس الجمهورية العماد اميل لحود عند انتخابه (قبل حوالي السنة) , عندما ذهبنا لتهنئته, حيث اعلن انه لن يلاحق اي صحافي او اية صحيفة طيلة فترة ولايته كرئيس للجمهورية وهذا ما هو حاصل حتى الآن, لكن هذا لم يمنع النيابة العامة من التحرك ضد عدد من الصحف في بعض المناسبات, في محاولة لتحميلها مسئولية بعض الاخبار التي نشرت عن امور وقعت بالفعل في قصر العدل (نشر اخبار ومعلومات قضائية) اي ان الصحافة لم تختلقها. * ماذا حصل آنذاك؟ ـ حصل عندما علم الجميع في اروقة قصر العدل ان ملفات معينة اخذت من مكاتب احد القضاة في الوقت الذي كان يتولى متابعة التحقيق فيها, اي ان الصحف المعنية نشرت خبرا لم يكن سرا يومئذ سمحت النيابة العامة لنفسها ان تستدعي المسئولين عن هذه الصحف, لتسألهم من اين اتوا بذلك الخبر. وقد نشأت انذاك مخاوف في الجسم الصحفي من ان يكون هناك توجه نحو نوع من تقييد الحريات الصحفية, وقد وقفنا في وجه ذلك على قاعدة يعترف بها القانون واسمها (سر المهنة) اي انه لايمكن سؤال الصحافي من اين اتى بالخبر الذي ينشره, فاذا كان الامر صحيحا لا مجال للمساءلة عن مصدره, اما اذا لم يكن صحيحا فبامكان المرجع المختص ان ينفيه او ان يصححه, وهذا وارد في قانون المطبوعات لجهة الحق في الرد والتصويب لما ينشر. وفي ذلك الوقت كان لنقابة الصحافيين موقف واضح وصريح انتهى الى ان توقفت النيابة العامة عن الملاحقة. * هل ترتبط المشكلة بما يحصل بقانون المطبوعات؟ ـ نحن نعتبر ان قانون المطبوعات اللبناني في ارقى ما يكون , خاصة بعد ان نجحنا في تعديل المرسوم للرقم 104 وهو واحد من مرسومين شرعيين صدرا اثر دخول (قوات الردع العربية) الى لبنان عام 1976, وقد حمل المرسوم الاخر الرقم واحد. * من كان على رأس السلطة آنذاك؟ ـ كان الرئيس الراحل الياس سركيس رئيسا للجمهورية ورئيس الحكومة الدكتور سليم الحص, وقد قضى المرسوم الشرعي ذلك بفرض رقابة مسبقة على الصحافة اللبنانية بواسطة الامن العام, واعطى مدير الامن العام صلاحيات مطلقة لا مثيل لها حتى في اعتى الدول التوتارية, وقد حصل ذلك في مطلع يناير عام 1977, اي انه كان (هدية) للصحافة اللبنانية, خاصة بعد ان أعقب ذلك صدور المرسوم الرقم 104 في 30 يونيو من العام المذكور والذي فرض قيوداً مشددة جداً على ممارسة الصحافة, وتضمن عقوبات مشددة منها انه يحق للنيابة العامة ان تعطل الصحيفة سلفاً, أي قبل احالتها الى المحاكمة, كذلك ان تصدر امراً بسجن الصحافي قبل اجراء المحاكمة. * لماذا لجأت السلطة السياسية الى فرض المرسومين المذكورين والمعاديين للصحافة؟ ـ (لقد ألغي المرسوم الرقم واحد عام 1985 بقرار جماعي في مجلس النواب. انذاك قال الرئيس الحص بكل صراحة ووضوح ان المرسوم (المذكور) كان مطلوباً من الدول التي شاركت في قوات الردع العربية لان بعض الدول منزعجة من حرية الصحافة في لبنان. اما المرسوم الرقم 104 فقد ولد ميتاً ولم يتم تطبيقه منذ صدوره حتى العام 1993 حيث لجأت الحكومة الاولى للرئيس رفيق الحريري انذاك, عبر النيابة العامة, الى تعطيل صحيفة (السفير) لمدة عشرة أيام, وقد كان لنا احتجاج كبير, حتى ان عدداً من اعضاء الحكومة انفسهم ومنهم وزير الاعلام, لم يكونوا موافقين على التعطيل وشارك وزير الاعلام انذاك في التحرك الكبير المؤيد لـ (السفير) والذي اقيم في نقابة الصحافة, وقد تحول هذا الحدث الى مناسبة لاعادة طرح المرسوم 104 مطالبين كصحافيين بالغائه. فاستطعنا تعديله بالحوار الايجابي البناء مع الحكومة, انذاك باتجاه الغاء صلاحيات النيابة العامة في تعطيل مطبوعة, كما في سجن الصحافي قبل محاكمته علنياً, كذلك الغاء صلاحيات (محكمة المطبوعات) نفسها في أن تتخذ أي قرار في المذاكرة السرية بتعطيل الصحيفة أو سجن صحافي قبل المحاكمة ـ وكذلك الغيت عقوبة السجن الا في حالتين: تحقير رئيس الجمهورية أو رؤساء الدول الشقيقة من جهة أو اثارة النعرات الطائفية وتحقير الاديان من جهة اخرى. لكن ما حصل ايضاً انه زيدت الغرامات المالية. * هذا الذي حصل وما يحصل حالياً, يعنيان ان حرية التعبير الصحفي في لبنان مازالت بألف خير على عكس ما يتم طرحه احياناً, فهل هذا الانطباع ـ المفارقة في محله؟ ـ ما يتم طرحه بين حين وآخر خاطىء تماماً, ولعل ما حصل في الاجتماع الاخير لاتحاد الصحافيين العرب في القاهرة ما يجدد تأكيد ذلك. * ماذا حصل في هذا الاجتماع؟ ـ جرى عرض لحالة الحرية الصحفية في كل دول الوطن العربي, وتم التوافق على اهمية وضع مشروع قانون موحد للصحافة في العالم العربي, وكان لي مجال التكلم باسم الوفد اللبناني, فوضعت بين ايادي الزملاء الصحافيين العرب قانون المطبوعات اللبناني على أمل ان يجدوا فيه ايجابيات لدى درسهم لمشروع القانون الموحد للصحافة العربية, لكن هذا لايجب ان يعني ان على الصحافة اللبنانية ان تنام على حرير) . * مم تتخوف الصحافة في لبنان وممن؟ ـ المسألة ليست خوفاً, فثمة استهداف دائم للحرية بالاذى, لذا فان الصحافة اللبنانية مستنفرة في كل وقت, وبشكل دائم, خاصة عندما تحصل اي بادرة قد تلوح لضرب الحرية الصحفية, الامر الذي يستدعيها الى موقف. هذا الامر من المسلمات في لبنان, أي انه لم يأت بالصدفة, بل نتيجة نضال طويل منذ أيام العثمانيين حتى الآن وبعد سلسلة من المحاكمات والنضالات شملتني) . * نذكر ان المحاكمات لم تشملك فحسب بل صدر بحقك حكم بالاعدام, كيف تقدم هذه المحطة المرتجفة في سياق النضال من اجل الحريات الصحفية في لبنان؟ ـ حصل ذلك بدءاً من صدور أول حكم ضدي بالسجن في عهد الرئيس الراحل للجمهورية بشارة الخوري ولمدة ثلاثة أشهر, وكنا قد نشرنا مقالاً انذاك في صحيفة (كل شيء) عام 1947 بعد مقتل حسني الزعيم الامر الذي لم يرق للسلطات اللبنانية, وكان قد سبقني الى السجن صحافيون لبنانيون معروفون امثال: جورج نقاش, غسان تويني, كسروان لبكي.. وغيرهم. واثر محاولة الانقلاب التي قام بها (الحزب السوري القومي الاجتماعي) , عام ,1961 صدر حكم علي بالاعدام, لكن رئيس الجمهورية انذاك فؤاد شهاب اصدر مرسوماً جمهورياً خفف علي الحكم الى السجن المؤبد ثم صدر عفو باخراجي من السجن الذي بقيت فيه في حينه سبع سنوات. * نجاح مسيرة النضال للحريات في لبنان, اضافة الى ما ذكرت من أجواء مميزة رافقت المؤتمر الاخير لاتحاد الصحافيين العرب في القاهرة, يوحي بأن ثمة مسيرة لبنانية ـ عربية مشتركة, نقابياً, فهل من جديد على هذا الصعيد؟ ـ نشعر بثقة كاملة, وهذا ما يجب ان نعترف به, ان هناك شوقاً كبيراً في مختلف انحاء العالم العربي لتوسيع هامش الحرية. ونحن نؤشر بتقدير الى هامش كبير من ممارسة الحرية, عربياً, في دولة الامارات العربية المتحدة والكويت لكن ثمة قوانين مطبوعات عربية لاتزال تحتاج الى كثير من التعديل. سأروي واقعة حصلت في اتحاد الصحافيين العرب اثناء اجتماعه في الاسكندرية العام الماضي, فقد شرح زملاء صحافيون ان السلطات في بلد عربي حكمت بالجلد على صحافي لانه كتب مقالاً, وفيما كان الاتحاد يدرس طريقة للتحرك باتجاه تلك السلطات, جاءه الخبر المؤسف بأن الزميل المحكوم جلداً, قد توفي في السجن بصورة طبيعية. * هل من خطوات عملية باتجاه قانون موحد للمطبوعات العربية؟ جرى تشكيل لجنة من الصحافيين والمحامين وكبار المعنيين في حقوق الانسان من اجل دراسة مشروع حول ذلك القانون, وسوف تظهر نتائج ايجابية ومشجعه حول ذلك قريباً. اجرى الحوار وليد زهرالدين