منذ عدة شهور نشرت جريدة (الوفد) - لسان حال حزب الوفد المعارض في مصر ـ خبرا عن اعتصام قام به عدد من العاملين بالبنك المركزي المصري.. وبعد ساعات من نشر الخبر, استدعت النيابة العامة, المحرر الذي كتبه, لتحقق معه بتهمة تحبيذ جريمة الامتناع عن العمل.. ومع انه اثبت ان الخبر الذي نشره صحيح, الا ان المحقق فاجأه بأن هناك نصا في قانون العقوبات, يعاقب على نشر اي خبر عن اضراب العاملين او اعتصامهم او استقالاتهم الجماعية, بالحبس لمدة تتراوح بين ثلاثة اشهر وسنة, سواء كان الخبر صحيحا او كاذبا (!!). وكانت هذه اول مرة, يتنبه فيها الصحفيون والناشرون, الى ان هناك مواد في قانون العقوبات تعاقب على نشر الخبر حتى لو كان صحيحا.. مع ان هذه المادة قائمة في القانون منذ اكثر من نصف قرن, .. لكنها ـ كمواد اخرى كثيرة في قانون العقوبات تتعلق بجرائم النشر ـ لا تطبق منذ زمن طويل.. لذلك ينساها الجميع: الصحفيون والحكومة والقضاء.. الى ان تأتي مناسبة ما, قد تكون ازمة سياسية, او توتر اجتماعي, او رغبة في تأديب حزب ما, او صحيفة معينة, فاذا بالحاوي يخرج من جرابه ثعبان القانون ويطلقه عليه! وهذا التناقض بين الواقع الذي يسمح, والقانون الذي يؤثم, هو احد ملامح غابة التناقضات التي تحيط بحرية الصحافة في مصر.. وأول هذه التناقضات, واهمها, هو التناقض بين نصوص الدستور ذات نفسه, فالمواد المتعلقة بالحريات في الدستور المصري الذي صدر عام ,1971 هي مواد عصرية وآخر شياكه.. وفي منتهى الديمقراطية, وهي تضمن للمواطنين حريات الاعتقاد والرأي والتعبير والنشر والبداع الادبي والفني والبحث العلمي.. وتخص الصحافة ـ على سبيل التعبير عن الاحترام والتقدير ـ بفصل كامل يضم سبع مواد, تشكل مع غيرها 7% من مواد الدستور ـ بعنوان (سلطة الصحافة) , تضمن ـ مرة اخرى ـ حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الاعلام, وتحظر فرض الرقابة عليها أو انذارها او وقفها او الغائها بالطريق الاداري, ويضمن للصحفيين حق الحصول على الابناء, لكن واحدة من هذه المواد تتناقض معها جميعا, وتنسفها عنها, اذ هي تقصر حق اصدار وملكية الصحف, على الاشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والاحزاب السياسية, وهو ما يعني مصادرة حتى الافراد الطبيعي في اصدار الصحف.. مع ان المظهر الرئيسي لحرية الصحافة, هو ان يكون لكل فرد, الحق في اصدار الصحف, حتى لو اصدرها في صفحة واحدة, ولم يقرأها احد سواه هو وزوجته واولاده القصر! وجه آخر لهذا التناقض, هو التناقض بين نصوص الدستور, التي تحتفي كل هذا الاحتفاء بحرية الصحافة, وبين القوانين التي يفترض انها تصدر لتنظيم ممارسة الحق في حرية الصحافة.. ومع ان القاعدة الديمقراطية والدستورية, تقضي بألا يتجاوز التنظيم القانوني لممارسة الحقوق والحريات العامة حدوده, لكي يصادر اصل الحق, فقد درجت القوانين المصرية على هذا التجاوز, بل ان معظم المواد التي تنظم حرية الصحافة في القوانين المصرية, اقحمت عليها في مراحل ماقبل الدستور, او في عهود الانقلابات الدستورية, والمصدر التشريعي لمعظمها, هو بقايا كل الانظمة الاستبدادية منذ نهاية القرن الماضي, من ديكتاتورية لويس بونابرت.. الى فاشية هتلر وموسوليني. فالدستور يكلل للصحفيين مثلا, حتى الحصول على الانباء والمعلومات, لكنه يظل ـ كالحب الافلاطوني ـ حقا نظريا لا يمارس.. وعندما حاول الصحفيون تقنين هذا الحق, بوضع آلية قانونية, تلزم الهيئات الحكومية بأن تزودهم بالمعلومات, وتعطيهم الحق في الحصول على مستنسخات من الاوراق الرسمية غير المحظورة, وتعاقب الموظف العام الذي يخفي عنهم المعلومات, او يزودهم بمعلومات كاذبة, رفضت الحكومة, اي كلام في هذا الموضوع! والدستور يحظر انذار الصحف او فرضها بالطريق الاداري, بينما يجيز القانون لسلطة الادارة مصادرة اي صحيفة مصرية, اذا كانت قد نقلت عن صحيفة اجنبية صدر قرار اداري بمنع تداولها في مصر, شيئا من المواد التي منعت بسببها من التداول ... كما يجيز للمدعي العام الاشتراكي وقف الصحف الحزبية, اذا خالف الحزب الذي يصدرها احد شروط تأسيسه. ومع ان الدستور صادر نصف الحق في اصدار وتملك الصحف, حين قصره على الشركات دون الافراد, فقد جاء القانون ليصادر النصف الثاني, فوضع شروطا تعجيزية لتشكيل هذه الشركات, من بينها ان يتراوح رأس مالها الموضوع بين مليون ومائة الف جنيه, والا يقل عدد المساهمين فيها عن عشرة, والا يزيد ما يملكه الواحد منهم عن 10% من الاسهم, ويخص شركات الصحف ـ دون كل الشركات ـ بشرط غريب هو ضرورة موافقة مجلس الوزراء على الترخيص بتأسيس الشركة قبل ان تبدأ نشاطها. ومن الطبيعي الا تمنح الحكومة تراخيص اصدار الصحف, الا لمن تطمئن الى انه لن يطيل لسانه على مقامها الشريف! وبالتناقض مع الدستور, الذي تبدو مواده الخاصة بحرية الصحافة آخر شياكه, فان مواد القوانين التي يفترض انها تنظم هذا الحق, تبدو سيئة, اذ هي تتضمن مالا يقل عن 42 فعلا مؤثما يعاقب عليها بالحبس لمدة تتراوح بين ستة شهور, والسجن لمدة خمس سنوات, والغرامة التي تتراوح بين خمسة وعشرين الف جنيه, وهي افعال تشمل ثمانية مجالات هي جرائم التحبيذ (وتشمل تحبيذ المذاهب التي ترمي الى تغيير مبادئ الدستور او الى سيطرة طبقة على بقية الطبقات) وجرائم التحريض (وتشمل التحريض ـ بواسطة النشر ـ على قلب نظام الحكم وعلى بعض طائفة من الناس وعلى عدم الانقياد للقوانين وتحسين الجرائم والجنح), وجرائم الاهانة (وتشمل اهانة رئيس الجمهورية واهانة مجلس الشعب او الهيئات النظامية كالجيش والمحاكم والمصالح العامة) وجرائم العيب (وتشمل العيب في حق ملك او رئيس او سفير دولة اجنبية) وجرائم السب والقذف (وتشمل السب والقذف في حق الموظفين العموميين والنواب والاخلال بمقام القضاه).. وفضلا عن ان قانون العقوبات الذي يضم كل هذه التشكيلة العجيبة من جرائم النشر, يستخدم في توصيفها ألفاظا مطاطة وغير حاسمة المعنى, ولا محدودة الدلالة, وتحتمل العديد من التفسيرات, فهناك عقوبات اخرى تتضمنها ستة او سبعة قوانين اخرى, فقانون تنظيم الصحافة مثلا يعاقب الصحفي الذي يمتنع عن نشر التصحيح من جهات اجنبية: كما يعاقب على نشر المواد التي تمس الحياة الخاصة للمشتغل بالعمل العام, وقانونا الاحكام العسكرية والمخابرات يعاقبانه على نشر انباء عن الجيش او المخابرات من دون اذن مسبق, وقانون الموظفين يعاقب الموظف الذي يدلي ببيانات للصحف من دون اذن رؤسائه, وقانون وثائق الدولة, يعاقب على نشر هذه الوثائق من دون اذن.. والغريب ان القانون نفسه يخضع تحريك الدعوى العمومية في بعض جرائم الصحافة والنشر, لظروف الملاءمة السياسية, فجريمة العيب في حق ملك او سفير او رئيس دولة اجنبية, لا تتحرك الا بناء على طلب كتابي من وزير العدل, وجريمة سب مجلس الامة او غيره من الهيئات النظامية لا تتحرك الا بناء على بلاغ من رؤساء هذه الهيئات..وهو ما يكشف عن ان التأثيم الوارد في هذه المواد ليس جديا.. وما اكثر الملوك والسفراء والرؤساء الذين هاجمتهم الصحف, فلم يحاكمها احد, لأن الحكومة كانت تريد ذلك, اما اذا لم تكن الحكومة تريد فسرعان ما يبرم سيادة القانون شاربيه الذين يقف عليهما الصقر, فيجد الصحفي او الكاتب نفسه في قفص الاتهام. وقد حدث في بداية السبعينيات, وفي اثناء احدى الازمات في العلاقات المصرية الليبية, ان كتب احسان عبد القدوس, مقالا هاجم فيه العقيد القذافي, فلم يساءله احد, وبعد اسابيع تحسنت العلاقات بين البلدين, وكان عربون الصلح هو احالة احسان الى النيابة العامة لتحقق معه بتهمة العيب في حق رئيس دولة اجنبية, وكان يمكن ان يقدم لمحاكمة تقضي بسجنه لمدة سنة على الاقل, لولا ان ساءت العلاقات مرة اخرى بين القاهرة وطرابلس, فحفظ التحقيق! ومع ان الصحفيين يحمدون للحكومة انها لا تطبق ما يحفل به جرابها من قوانين ومواد, لو طبقتها لما بقي صحفي او كاتب واحد خارج السجن, ومع ان القانونيين, يبدون دهشتهم لأن الحكومة تصر على الاحتفاظ بكل هذه الترسانة من القوانين, مع انها ـ في الغالب ـ لا تطبقها, الا ان طبيعة الملعب القانوني والديمقراطي الذي تلعبه الحكومة, لا تخفى على الطرفين.. لأن هذا الوضع, هو الذي يحقق هدفها, بأن تظل حرية الصحافة (منحة) تقوم على سماحة الحاكم, وليست حقا بسلطة القانون, والمنح يمكن استردادها في اي وقت, بعكس الحقوق التي يستطيع اصحابها مقاضاة من يغتصبها, بل والثورة عليه! انها ديمقراطية العالم الثالث, التي تقوم على ثلاثية ليبرالية الدستور وديكتاتورية القانون ومزاج الحكومة! بقلم: صلاح عيسى كاتب وصحفي مصري