كتب الكثير ومازال عن حرية الصحافة (الكلمة) واهمية ذلك في حياة وتقدم الشعوب والامم, واذا ما حاولنا الوقوف على حقيقة حرية الكلمة فمن غير الجائز تجاهل القفزة النوعية في وسائل الاتصال التي يعيشها عالم اليوم... اذ ان هذا التطور السريع في وسائل الاتصالات قد قلص بشكل او بآخر قضية محاصرة حرية الصحافة وجعل معظم المحاولات لمنع حرية الصحافة شبه معدومة ان لم نقل معدومة, والسبب في ذلك يعود في الواقع الى عدم القدرة على منع حرية الصحافة حيث أصبح العالم بحق قرية صغيرة مما شكل استحالة في التستر على اي حدث من اي نوع اكان كبيرا ام صغيرا. بلا ادنى شك هناك جهات عديدة في العالم مازالت تحاول تحديد حرية الصحافة في اطارات ضيقة جدا بحيث تبقى الصحافة مجرد (لسان حال) لهذه الجهات وليس صوت الناس كما هو مفترض, ولكن مع ذلك فإننا بدأنا نلمس فشل هذه المحاولات هنا وهناك اذ بدأت الكلمة تأخذ وضعها الطبيعي وتفعل فعلها في اماكن عدة من العالم. حرية الصحافة الشيء المؤكد والمتفق عليه هو ان حرية الصحافة خير شاهد على حرية الشعوب وفي هذا الصدد يقول اللورد البريطاني ماكريفور الذي كان رئيسا لهيئة معايير الاعلان البريطانية ورئيس اللجنة الملكية للصحافة في الثمانينات ان التعرف على المجتمع الحر اسهل من تحديده, ولكن حرية التعبير التي تخضع للقانون العام فقط هي عنصر يبرز في كل تحديد, وهذه الحرية تتوقف على اتاحة الفرصة امام جميع المواطنين للكلام والكتابة ونشر ما يحلو لهم دون ان يخشوا عقابا او قصاصا شرط الا يكون في ذلك اعتداء على حقوق اي مواطن آخر... وهناك شبه اجماع على ان الكلمة المكتوبة تبقى مركز العصب في ممارسة هذه الحرية. وكما هو معروف فالصحافة تؤدي مهمات مختلفة, فهي تلبي حاجة القراء المباشرة الى الاخبار والمعلومات الموثقة والتسلية, كما انها تساعدهم على تنظيم حياتهم اليومية وشراء او بيع سلعهم من خلال الاعلان, وكذلك على الاستمتاع بأوقات فراغهم وتوفر لهم من جهة ثانية وقد يكون هذا الاهم: منبرا للتناقش حول قضايا سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية, ثم ان الصحافة تحلل نشاطات مواقع تمركز القوة الحكومية والخاصة. وفاعلية الصحافة في حركة المجتمع اي مجتمع لا تتوقف على الحرية التي تتمتع بها الصحافة فقط وانما بالتفاعل المفترض ان يكون مابين الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني... وكما نلاحظ فإن في بلاد الغرب وعلى وجه الخصوص بريطانيا مثلا يمكن القول ان جميع السياسيين البريطانيين تقريبا يؤيدون علانية وبكل قوة وحماسة صيانة الصحافة الحرة من اي تدخل من اي نوع كان, وهذا ما ينطبق على معظم البلدان الديمقراطية... وهنا لا يجوز اغفال حرية الصحافة والى حد كبير في العديد من بلدان العالم الثالث وان كان ذلك بنسب متفاوتة وضمن معايير معينة. حتى في بريطانيا وكما يروي اللورد ماكريفور: صحيح ان معظم السياسيين البريطانيين يتمسكون بمبدأ حرية الصحافة, الا انهم يعتبرون الصحافة في كثير من الاحيان ضد اشخاصهم واحزابهم وكما يرى كثيرون ان الكراهية للصحافة الحرة في البلدان الديمقراطية تنشأ عادة من تظلمات حقيقية مردها الى روايات غير دقيقة وقد تكون غير منصفة تجاه هذا الشخص او الحزب والصحافة غالبا ما تكون مصدر ازعاج للمسئولين لنشرها معلومات قد تكون حقيقية وقد تكون ناقصة او حتى ملفقة وكلنا يذكر ويتذكر كيف اسقطت الصحافة الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون من خلال نشر فضيحة ووترجيت وبالطبع هناك امثلة كثيرة في هذا الاطار حدثت في كثير من بلدان الغرب او دول العالم الثالث. حجر الزاوية في حقوق الانسان وعن حرية الصحافة يقول كوفي عنان الامين العام الحالي للأمم المتحدة: ان حرية الصحافة هي حجر الزاوية في حقوق الانسان وضمان لحريات اخرى... فهي تشجع على الشفافية وحسن ممارسة السلطة وتضمن ان يتمتع المجتمع بأكثر من مجرد سيادة القانون, بل يتمتع ايضا بسيادة العدالة الحقيقية... بيد ان هناك من لا يزال يشكك في قيمة حرية التعبير بالنسبة الى مجتمعاتهم وهم اولئك الذين يحتجون بانها تهدد الاستقرار وتعرض التقدم للخطر, وهم اولئك الذين مازالوا يعتبرون حرية الكلام امرا مفروضا من الخارج وليست التعبير الفطري لرغبة جميع الناس في الحرية, لكن ليست هذه الحجة ابدا حجة الناس, وانما حجة الحكومات وليست ابدا حجة من لا حول ولا قوة, بل حجة الاقوياء وليست ابدا حجة من لا يسمع لهم صوت, بل حجة اولئك الذين لا يسمح بأن يسمع صوت آخر غير صوتهم. والواقع ان ما ذهب اليه كوفي عنان انما هو حقيقة واقعة, قد يكون صحيحا والى حد كبير ان لكل بلد خصوصيته وظروفه, لكن لابد من الاشارة هنا الى ان هناك قضايا مشتركة لدى جميع الشعوب, ويتمثل ذلك بضرورة امتلاك كل انسان ايا كان موقعه حرية الكلام شرط عدم التعرض للآخر بالاساءة المباشرة او حتى غير المباشرة. حرية التعبير مطلوبة وضرورية لكن بالحدود المعقولة. بات مؤكدا ان مؤسسات المجتمع المدني هي الاكثر ادراكا لاهمية حرية الصحافة اي حرية الكلمة... لان هذه الحرية جسر للادراك والمعرفة... وهي امر اساسي لتبادل الافكار والثقافات بين الامم, لاسيما وان هذا التبادل يعتبر شرطا لابد منه للتفاهم الحقيقي والتعاون الدائم فيما بين ابناء البشرية جميعا, وبالتالي فإن مثل هذه الحركة هي التي تنشط المجتمعات فكريا وعمليا وهي التي تساهم وبشكل مباشر بدفعها الى الابداع كما حدث ويحدث في البلدان التي تعيش حياة ديمقراطية حقيقية وبالتالي فإن عملية التفاعل الحر فيما بين المجتمعات بعيدا عن اي تعصب هي وحدها التي تجنب المجتمع من اي انزلاق من اي نوع كان. آراء وأمثلة بطبيعة الحال هناك اراء كثيرة عن حرية الصحافة وكيف يجب ان تكون بمعنى ان هناك من ينادي بالحرية المطلقة دون اية ضوابط... وبالمقابل هناك من يشدد على ضرورة وجود هذه الحرية لكن ضمن قوانين وضوابط معينة بحيث تستخدم هذه الحرية لمصلحة وتآخي الشعوب لا ان تكون المسئولة عن التسبب في قيام معارك لازهاق ارواح بشرية من اجل تحقيق اهداف خبيثة. وعن حرية الصحافة والقيود عليها يتساءل الصحفي والباحث العربي عبدالحميد الكاتب: هل كل خبر عن امر واقع داخل بيت من بيوت الناس او في مكتب من مكاتب الحكم والسياسة, او وقع في دائرة محصورة تضم عددا من الافراد... يتساءل هل يجوز ان ينشر في الصفحة التي يقرأها ملايين الناس فيصير هذا الخبر حديثا يخوضون فيه ويتناقلونه فيما بينهم ويفسره كل منهم ويؤوله كما يريد فلا تبقى لذلك البيت حرمة, ولا لتلك الحكومة سر يذاع, ولا لتلك الدائرة المحصورة من الافراد حقها او حريتها في ان يتفقوا او يختلفوا على امورهم ومصالحهم. هذا عن الخبر وكذلك الامر عن الرأي حتى لو اراد كاتب هذا الرأي مثلا ان يؤلب الناس ويثيرهم على وضع من الاوضاع القائمة مثل نظام الدولة وقواعد المجتمع او حتى لو اساء بما يكتبه الى شعب اخر وحكومة اجنبية فأثار بينها وبين حكومة بلاده وشعبه الخلاف والكراهية والعداء, او حتى لو تناول شخصية عامة بالتجريح والتشهير وقد تكون هذه الشخصية مكممة الفم معقودة اللسان بحكم وضعها السياسي والاجتماعي... او بحكم الموت والصمت الابدي. حقيقة الحرية الصحافية ما من شك ان اثر النظام الاقتصادي القائم في الغرب وتحديدا في الولايات المتحدة الامريكية ينعكس انعكاسا مباشرا على الاوضاع الصحافية في هذه البلدان ذلك ان مفهوم الغرب للحرية في الميدان الاعلامي يرتبط بالمفهوم الاقتصادي للحرية وكما تطور مفهوم الحرية في الميدان الاقتصادي من حماية الفرد الرأسمالي الصغير الى حماية الاحتكارات الكبرى... تطور كذلك مفهوم الحرية في الميدان الاعلامي, والواقع ان التطور الاقتصادي الذي امتد اثره الي صناعة الصحافة حقق اهداف الاحتكارات في هذا الميدان... فبعد ان كانت صناعة الصحافة فردية يقوم بها شخص واحد غالبا برأسمال بسيط اصبحت صناعة ضخمة تحتاج الى تركيز رؤوس الاموال الكبيرة وتتطلع الى اكبر قدر ممكن من الارباح شأنها في ذلك شأن غيرها من الصناعات الكبرى... بذلك اصبحت حرية التعبير نفسها عبارة عن سلعة قد تباع لمن يدفع اكثر مما سهل للاحتكارات الكبرى سبل الاحتواء وحرية التعبير والاخطر حرية تكييف الرأي العام طبقا لمصلحتها من خلال طرق عديدة منها: الرشوة المتوارية وراء الاعلانات او عن طريق الشراء المباشر للصحف وغيرها من وسائل الاعلام الاخرى, لاسيما الفضائيات في وقتنا الراهن. مهما قيل فإن حرية الصحافة تعني في المحصلة حرية التعبير بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى... وتعني ايضا نقل المعلومة والحدث بصدق وامانة بعيدا عن اي تحيز, صحيح ان ذلك ليس مطبقا بالكامل في عالم اليوم حيث يجري في بعض الاحيان تزوير كل شيء تقريبا الا ان حرية الصحافة هكذا يفترض ان تكون... نقول ذلك لان الصحيفة هي في واقع الامر وجبة غذائية لكنها روحية وعقلية للقارىء ومهمتها التعريف والتفسير وفي بعض الاحيان التوجيه وكذلك التسلية. ثم ان على الصحافة ان تقدم بموضوعية كاملة اخبار الداخل والخارج ويهمنا هنا نحن كعرب ان نشير الى ان صحافتنا العربية مطالبة ليس بنقل الاخبار والاحداث في الداخل والخارج كما هي بل عليها ان تقوم بالتحليل والتفسير العلمي الموضوعي, والاهم من هذا وذاك مطالبة بتحديد وجهة نظر قومية في معظم الاحداث وبالتالي القيام بتعبئة الرأي العام حول هذه الوجهة, ولنا في ذلك ما تقوم به الدول الكبرى لاسيما الولايات المتحدة الامريكية عندما تريد تنفيذ سياسة ما في هذه المنطقة او تلك من العالم, فقد رأيناها كيف توجه وسائل اعلامها بما يخدم السياسة الامريكية وتحقق الاهداف المرجوة من هذه السياسة. بقي ان نقول: ان من الاهمية بمكان العمل دوليا لاقامة نظام جديد للمعلومات يستفيد منه الجميع بلا استثناء, ويبقى الاهم من هذا وذاك وجود صيغة دولية تكفل حرية الصحافة وسلامة الصحفيين. وهكذا فلا الحرية الصحفية المنطلقة مفيدة, كذلك تقييد الصحافة بشكل غير موضوعي هو الاخر ليس غير مفيد وحسب بل انه قد يلحق اكبر الضرر بمن يفعل ذلك. بقلم: محمد منصور مدير تحرير جريدة (البعث) السورية