تكثفت الأحداث عددا وخطورة بين الجيش اليوغسلافي وقوات وزارة الخارجية في مونتنيجرو منذ ديسمبر الماضي. وحتى الآن تظل المواجهات بين الجانبين محدودة باستعراضات القوة والتأهب, ولم يتم أي اطلاق للنيران. غير ان الجيش اليوغسلافي، لم يحاول حتى اخفاء حقيقة انه يتخذ جانب الزعيم اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش علنا منذ بداية النزاع الاتحادي المتزايد في سخونته, كما ان هناك مؤشرات واضحة تدل على ان الجيش, وهو المؤسسة الاتحادية الوحيدة التي لا تزال تمارس سلطاتها داخل مونتنيجرو قد تلقى الأوامر بتصعيد الضغوط السياسية على حكومة الرئيس المونتنيجري ميلو ديوكانوفيتش. وليس هناك أي دليل على ان الجيش قد تلقى الأوامر باتخاذ عمل عسكري ضد هذه الجمهورية الاتحادية الصغيرة, لكن هناك مؤشرات توصي بأن بلجراد, ولأول مرة, تقوم بتهيئة البنى العسكرية والسياسية لمثل هذا العمل. وقد بدأت المشكلات تتخذ طابع الجدية بين الجيش اليوغسلافي ووزارة الداخلية في مونتنيجرو مع بداية العمليات الجوية الأطلسية ضد جمهورية يوغسلافيا الاتحادية في 24 مارس 1999. ومن جانبها كانت مونتنيجرو قد نأت بنفسها عن هذا الصراع حتى قبل أن يبدأ, وهي التي دفعت بها بلجراد بعيدا عن عملية صنع القرار السياسي, بما في ذلك أي سيطرة على الجيش اليوغسلافي منذ انتخابات مايو 1998 التي أفرزت حكومة اصلاحية, على غير رغبة ميلوسيفيتش. وكان تحالف (من أجل حياة أفضل) الذي يقوده حزب الاشتراكيين الديمقراطي قد فاز بتلك الانتخابات لوعوده باجراء اصلاحات اقتصادية وتطبيق الاحترام الكامل للحقوق السياسية والانسانية لكل مواطن. كما ساهم تصعيد الصراع في كوسوفو والرد الصربي الشرس على هذا الصراع في المزيد من اغتراب المونتنيجريين عن السلطة المركزية الذين ليست لديهم أي يد في اتخاذ تلك القرارات. حينما بدأت أولى القذائف الأطلسية تسقط على صربيا كانت استجابتا الجمهوريتين متعارضتين. فمن جانبها أعلنت صربيا (من خلال الحكومة الاتحادية الرسمية والخاضعة لسيطرة ميلوسيفيتش بالكامل) حالة الحرب, وعلقت عددا من الحقوق السياسية والمدنية. أما مونتنيجرو فأعلنت حيادها, ورفضت قبول شروط حالة الحرب, مشيرة إلى ان لا مسئولية عليها باتجاه النزاع وتريد البقاء خارجه. أما الرد السياسي على هذا القرار من جانب بلجراد فكان متوقعا, وهو اتهام مونتنيجرو بالخيانة وعدم الوطنية. لكن ما كانت تخشاه مونتنيجرو أكثر هو رد فعل الجيش اليوغسلافي المحتمل والقلق من ان ميلوسيفيتش قد يستغل حالة العزلة الدولية الكاملة ويحاول اسقاط حكومة ديوكانوفيتش بالقوة. لكن ذلك لم يحدث, ربما لان ميلوسيفيتش لم يكن واثقا بشأن احتمال التدخل الأطلسي برا في الحرب, ولم يشأ أن يوزع قواته على جبهتين. والسبب الآخر كان سببا عمليا بحتا, فمع السيطرة الجوية الكاملة لقوات الناتو كان على قوات الجيش اليوغسلافي مغادرة ثكناتها والاختباء في الغابات والجبال تحت التمويه لتتفادى الضربات الأطلسية. وأي تركيز للقوات البرية أو تحرك ضد مونتنيجرو كان سيكتشف من الجو فورا بشكل يوفر للناتو فرصة زمنية كافية لاستهداف هذه القوات قبل وصولها نحو أهدافها. وقد حاول ميلوسيفيتش ممارسة أكبر قدر من السلطة على مونتنيجرو بقدر ما يستطيع, لكنه فشل, ويعود ذلك إلى حد كبير لتصميم حكومة ديوكانوفيتش على الصمود بالتزامن مع اتباع سياسة عولمة المشكلة المونتنيجرية. ولعدم مقدرته على الانتشار بأعداد كبيرة, تبنى الجيش اليوغسلافي دورا سياسيا محاولا اخافة الحكومة والسلطات المحلية والاعلام والعامة ونشر الشائعات والاتهامات. ومنذ اليوم الأول للحرب وعت الحكومة المونتنيجرية ان أفضل سبل الدفاع لديها هي ابقاء حدودها مفتوحة أمام الصحافة العالمية والسماح لها بالوصول إلى كل المعلومات التي بحوزتها. وردت صربيا أولا بتهديد وترهيب وطرد معظم الصحف الأجنبية, التي اندفعت نحو مونتنيجرو. وشن الجيش حملة تعقب علنية للصحافيين الأجانب في مونتنيجرو, بما في ذلك اعتقال الصحفيين ومصادرة معداتهم وسياراتهم في أكثر من ثلاثين مناسبة. وربما أفلح ذلك في تخفيف تحركات الصحفيين, لكنه فشل في افراز أي نتيجة ذات أهمية. وحاول الجيش الصربي أيضا عزل مونتنيجرو. وضرب حصارا بحريا عليها, الأمر الذي كان قادرا على تنفيذه نظرا لوجود امكانيات بحرية عسكرية في ميناء بار وخليج كوتور. ومع اغلاق الطرق المتجمعة نحو ايطاليا, أصبح المنفذ الوحيد للخروج من مونتنيجرو هو حدود ديبيلي بريجيك التي تتقاطع مع كرواتيا والتي كانت مفتوحة بالكامل قبل ستة أسابيع من اندلاع الحرب. وقد أرسل الجيش اليوغسلافي كتيبة تتألف من سريتين من الشرطة العسكرية في الجيش الثاني المتمركز في بودجوريتشا للاستيلاء على الاتصالات الساحلية المؤدية إلى الحدود الكرواتية. لكن الوحدات الخاصة من وزارة الداخلية المونتنيجرية تصدت لها وهزمتها وأجبرتها على التراجع إلى الحدود حيث أقامت لنفسها هناك مواقع دفاعية غير موجهة نحو الحدود وإنما نحو الداخل حيث يتوقع أن تدخل وحدات الجيش اليوغسلافي من هناك. ثم تراجع الجيش اليوغسلافي وأقام حاجزا له على الطريق في كومبور حيث يمر الطريق الرئيسي بين التلال الشديدة الانحدار وبين ثكنات مشاة البحرية. وهنا أيضا أظهرت وزارة الداخلية تصميما كبيرا بعدم السماح لقواتها أو قوافلها تحت حمايتها بالتوقف والتعرض للتفتيش عند ذلك الحاجز. ولعدم وجود أوامر واضحة من بلجراد تخلى الجيش اليوغسلافي عن استعراضه ذاك للقوة. وفي استعراض القوة المهم الوحيد الآخر خسر الجيش اليوغسلافي أمام وزارة الداخلية المونتنيجرية وأمام المواطنين أيضا. فبعد تلقيها لتحذيرات من السكان المحليين, تحركت فصيلة من قوات وزارة الداخلية للتحقيق في تحركات لوحدة عسكرية متجهة نحو جبل لوفتشين الاستراتيجي والذي توجد عليه محطة تقوية تلفزيونية مهمة. لكن الجيش اليوغسلافي أسر قوة وزارة الداخلية مما أثار احتجاجات شعبية عنيفة في مدينة سيتنجي العاصمة الرسمية لمونتنيجرو (على الرغم من ان مقر الحكومة هو في المدينة الأكبر بودجوريتشا) مركز الحركة المطالبة بالاستقلال. واضطر الجيش للخضوع للمتظاهرين الغاضبين الذين أحاطوا به مهددين باقتحام حامية الجيش في سيتنجي وأفرج عن القوة المحتجزة. وعلى الرغم من ان قوات وزارة الداخلية كانت تتفوق على قوات الجيش اليوغسلافي في المقدرة على المناورة خلال التدخل الأطلسي العسكري, فمن غير الحكمة الزعم بأن من السهل عليها تكرار هذا الأداء بعد ذلك التاريخ بعام. فالعديد من العناصر قد تغيرت, وهو ما يعطي ميلوسيفيتش حاليا ميزة تكتيكية. ويتمتع ميلوسيفيتش بالمقدرة على تحويل أبشع الكوارث والأزمات لتصب في مصلحته. وهذا ما يعقد محاولات التنبؤ بماهية أهدافه الحقيقية. لكن هناك نقطة ضعف قد أصبحت واضحة وهي ان ميلوسيفيتش غير قادر على التعامل مع أزمات متزامنة. وفيما تبدو تلك السمة الشخصية له قد أنقذت مونتنيجرو عام ,1999 فهي تهددها الآن. بالنسبة لميلوسيفيتش فإن الصورة الاقليمية الراهنة واضحة تماما. فالرجل الكرواتي القوي والحليف العقائدي السابق لميلوسيفيتش فرانيوتوهان قد رحل عن عالمنا. كما ان وجود قوة حفظ الاستقرار بقيادة الناتو في البوسنة (سفور) تضمن ان الصرب هناك لن يكونوا قادرين على تشكيل أي تهديد حقيقي, اضافة إلى ان وجود قوات الناتو في مقدونيا كفيل بألا تسفر محاولات مجموعة عملاء مخابرات بلجراد القوية والمقيمة هناك عن أي شيء أكثر من اضطرابات بسيطة قطعا. ميلوسيفيتش يحاول زعزعة كوسوفو وتضخيم قضية التقسيم بين الصرب الخاضعين لسيطرته القوية في كوسوفسكا ميتروفيتشا, لكن على الرغم من تصريحات جنرالات الجيش اليوغسلافي الطنانة بأنهم عائدون, فإن حتى ميلوسيفيتش يعي بأن غزو كوسوفو سيفتح عليه مرة أخرى حربا كاملة مع الأطلسي لن تفلح فيها صربيا إلا بالتعرض للمزيد من الخسائر الأثقل من سابقتها. ويظل المنفذ الوحيد أمام آلة حرب ميلوسيفيتش التي استخدمها بحنكة طوال السنوات العشر الماضية لصرف الانتباه بعيدا عن مشاكل صربيا الداخلية حين الضرورة هو جمهورية مونتنيجرو. ويعرف العديد من المونتنيجريين المفرطين في التفاؤل بأنهم شوكة في حلق ميلوسيفيتش. وعلى الرغم من ان ديوكانوفيتش لا يشاركهم هذا الرأي, إلا ان القناعات الشعبية التي غزتها غالبا القناعات الغربية الخاطئة قد أوجدت صورة زائفة من الممكن أن تكون خطرة على مونتنيجرو. ذلك لان ميلوسيفيتش ليس مهووسا بالأراضي (كما ثبت من خلال موافقته على خسارة أراض في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو) ولا يأخذ في اعتباره أبدا المزايا الاستراتيجية المهمة التي ستتمتع بها صربيا إذا ما احتفظت بمنفذ على البحر الادرياتيكي عبر مونتنيجرو. وما هو مهم بالنسبة له هو احتفاظه بحكمه المطلق. لقد قبل ميلوسيفيتش كف يده عن حكم مونتنيجرو. ولم يبد منزعجا من ذلك ما دام لن يشكل تحديا لسلطته في صربيا. سيبقي ميلوسيفيتش الأزمة في مونتنيجرو تجيش على نار هادئة, لكنه لن يفجرها إلا حين يرى مكاسب مؤكدة من التصعيد, وليس لمجرد اخضاع تلك الجمهورية الصغيرة أو الاطاحة بديوكانوفيتش. ويقال انه أخبر أحد أفراد حاشيته المقربين في نوفمبر 1999: (مونتنيجرو مجرد كومة من الصخور ونصف مليون من المشاغبين, ولا تساوي حتى مجرد الوقت الذي يقضيه المرء في التفكير بها) . إن التهديد الحقيقي لميلوسيفيتش لن يأتيه إلا من داخل صربيا نفسها. وهذا النوع من التهديد يتزايد حاليا. إذ ينظر للمعارضة منذ وقت طويل سبيلا للاطاحة بميلوسيفيتش. لكن هذه المعارضة أثبتت عدم مقدرتها على اتخاذ عمل جدي باعتبار ان الانقسامات الداخلية التي يغذيها الغرور والتخبط التحليلي الواسع قد تكرر مرارا. كما فشلت المعارضة في صياغة استراتيجية مشتركة لهزيمة ميلوسيفيتش حينما كان أضعف من الآن, أي بعد فقدانه كوسوفو. وتضيع المعارضة وقتها في التشاحن وتبديد طاقاتها وفق مفاهيم مختلفة متيحين له الوقت لاستجماع قوته وأنصاره وطرح مبادرات سياسية وعلاقات عامة تتمحور حول نجاحه المزعوم في اعادة بناء البلاد. وسرعان ما تحول الغضب واسع النطاق إلى لا مبالاة كاملة, ولم تنجح المعارضة التي تظاهرت بالتزامن مع أعياد الميلاد في الدفع إلا بمئات من المتظاهرين فقط إلى الشوارع. وبعد رأس السنة الجديدة, أطلق الغرب على نحو واضح انذاره النهائي للمعارضة بأنها ان لم تتجمع وتنسى خلافاتها السابقة فستفقد كل أشكال الدعم. وحين وقت كتابة هذا الانذار (أواخر فبراير) كان قد وصل للمعارضة فعلا قبل سبعة أسابيع. لكن هناك اشارات على كل حال, بأن الشهور القليلة المقبلة ستأتي معها بانقسامات استراتيجية بين منهجي التفكير (المناصر للتظاهرات) و(المناصر للانتخابات) . وعلى ميلوسيفيتش أن يكون مستعدا لمواجهة تطور يبدو غير محتمل وهو امكانية بقاء المعارضة موحدة, وان تشكل جبهة قوية وحسنة التنظيم وان تشن حملة صحفية ضده في أي انتخابات تتم الدعوة إليها أولا, سواء كانت صربية أو اتحادية. والسبيل الأفضل لمواجهة مثل هذا الاحتمال هو ابقاء نار الأزمة تحت الرماد ثم النفخ فيها وتفعيلها حين الضرورة اما لتوجيه الرأي العام ضد (خونة معلنين وعملاء ودمى للغرب) - كما وصف ميلوسيفيتش المعارضة في خطابه أمام مؤتمرات الحزب الاشتراكي الصربي في فبراير الماضي أو لاعلان حالة الطوارئ وحظر النشاطات السياسية برمتها. ترجمة: جلال الخليل