بقلم: وليام بيري ، وزير الدفاع الأمريكي السابق في ظل غياب أي منظمة اقليمية في منطقة شرق آسيا مشابهة للناتو في أوروبا, كانت الاستراتيجية الأمنية الأمريكية هي ما حافظ عليه الاستقرار فيها خلال العقدين الماضيين, لكن أحداثا عميقة الأثر اليوم, العديد منها ليست تحت سيطرة الولايات المتحدة, تزعزع اليوم هذه الاستراتيجية. وقد اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية في شرق آسيا على ثلاثة عناصر, هي المعاهدات الثنائية في المنطقة والمصحوبة بانتشار قوي متقدم للقوات العسكرية ثم سياسة التواصل مع جمهورية الصين الشعبية والمعتمدة على سياسة (صين واحدة) وأخيرا الاجراءات الأمريكية بالتعاون مع حلفائها لمنع انتشار الاسلحة النووية في المنطقة. هذه العناصر تتعرض للزعزعة اليوم بشكل قد يؤدي إلى الصدام. ومن التطورات الأخيرة التي قد تؤثر على الاستقرار الأمني في المنطقة ان سياسة التواصل بين الولايات المتحدة والصين ربما تتحول الى مواجهة, فالصين اليوم قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية متنامية في منطقة الهادي, وهذا ما أدى لبروز ميادين صراع مع الولايات المتحدة. وفي العام الماضي حدثت سلسلة من التطورات سببت هزة مهمة لسياسة التواصل, فقد توقع رئيس الوزراء الصيني زاو رونج جي خلال زيارته لواشنطن ان يتم التوصل إلى اتفاق بخصوص عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية, لكنه عاد إلى بلاده خالي الوفاض, وهذا أدى على نحو واضح لتقليص نفوذه ونفوذ أنصاره الاصلاحيين في الصين, وبالتالي تراجع سياسة التواصل, على الرغم من ان الولايات المتحدة قد وافقت فعلا على عضوية الصين في المنظمة. وتلت زيارة رئيس الوزراء زاو قيام طائرات الناتو بقصف السفارة الصينية في بلجراد, الذي يبدو ان المسئولين الصينيين مقتنعون بأنه كان عملا مقصودا وخلال الفترة ذاتها أصدر الكونجرس الأمريكي تقريرا علنيا يتهم الحكومة الصينية بتنفيذ برنامج منهجي مكثف للسطو على الأسرار العسكرية الأمريكية, تلا ذلك تصريح الرئيس التايواني لي دينج هوي بأن العلاقات بين الصين وتايوان يجب ان تكون (علاقة) بين دولتين, ومن جانبهم رد الصينيون الذين اعتبروا هذا التصريح اعلانا فعليا للاستقلال بايقاف المحادثات عبر المضيق مع تايوان. أخيرا, وفي مارس الماضي أجرت تايوان انتخاباتها الرئاسية ولم يلجأ الصينيون لاطلاق الصواريخ كما فعلوا خلال انتخابات 1996, بل حاولوا بدلا من ذلك ممارسة التخويف بالخطابة الملتهبة في محاولة واضحة لثني الناخبين التايوانيين عن اختيار مرشح الحزب التقدمي الديمقراطي تشي شوي بيان, لكن يبدو ان هذه الخطابة كانت ذات تأثير عكسي, حيث أصبح تشين رئيسا لتايوان. وقد أعلن الجيش الصيني ان استراتيجيته الجديدة ستعتمد على زيادة قوته الهجومية ومقدرته على المبادرة باستخدام القوة العسكرية وليس من الصعب تخيل ان دافع هذه الاستراتيجية هي تحقيق المقدرة على ممارسة الضغط العسكري ضد تايوان, واحدى نتائج الاستراتيجية كانت بناء قوة الصواريخ الصينية على طول مضيق تايوان. وطلبت تايوان من الولايات المتحدة ردا على ذلك تزويدها بالمزيد من العتاد العسكري بما فيه انظمة الدفاع ضد الصواريخ, لكن الصين أعلنت ان نشر الدفاعات المضادة للصواريخ سيطلق سباق تسلح في المنطقة. وفي الواقع كانت الحكومة الصينية قد شرعت مسبقا في محادثات مع موسكو للحصول على بعض الامكانيات الاستراتيجية الروسية, بما في ذلك تجهيزات الاختراق المعقدة, وأنا أشارك الصين قلقها من التأثير السلبي لسباق التسلح في المنطقة, لكني اعتقد بأن سباق التسلح إذا ما بدأ بالخفاء فعلا فقد استحثه النشر المكثف للصواريخ وليس نشر الدفاعات ضد الصواريخ. لهذا هناك احتمال لانطلاق سباق تسلح جديد في الهادي, ولهذا أنا أكثر تشاؤما اليوم بخصوص مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية مما كنت عليه قبل عقود. كذلك فإن تغير الحسابات النووية قد أثر على الاستراتيجية الأمنية الأمريكية السابقة, إذ ان القوة النووية لم تلعب معظم العقود القليلة السابقة دورا واضحا في استقرار المنطقة, لكن هذا تغير الآن حيث اختبرت الهند والباكستان أسلحة نووية وأعلنتا نفسيهما قوتين نوويتين, ولدى الدولتين برامج سرية لتكييف هذه الامكانيات النووية بحيث تتوافق مع أنظمة اطلاقها بما في ذلك الصواريخ البالستية, ولانتاج هذه الأسلحة بشكل كمي نوعا ما, وما هي إلا مسألة وقت حتى تدخلا في الخدمة صواريخ بالستية برؤوس نووية, وهذا ما يزيد كثيرا مخاطر ان تستخدم هذه الأسلحة سواء كردة فعل غاضبة أو نتيجة خلل في أنظمة القيادة والتحكم. لكن كوريا بالطبع تظل أخطر حالات الانتشار النووي في آسيا, وقد اقترحت لجنة مراقبة السياسة بخصوص كوريا الشمالية التي ترأستها في عهد الرئيس كلينتون أن يتبنى حلفاء أمريكا في المنطقة استراتيجيتين بديلتين: إذا كانت لدى كوريا الشمالية الارادة على التخلي عن برنامجها للصواريخ بعيدة المدى وبرنامجها النووي العسكري, فيجب ان تكون لدينا الارادة على ان نتحرك خطوة خطوة على طريق التطبيع الشامل للعلاقات, وإلا إذا لم تظهر كوريا الشمالية بالأفعال بأنها راغبة في ازالة هذا التهديد فإننا يجب ان نبادر عمليا لاحتوائه. انني أعلم , شأن أي انسان آخر ان احتواء التهديد مكلف وخطر ولهذا أفضل طبعا الاستراتيجية الأولى, لكن الولايات المتحدة لا تستطيع منفردة تفعيل هذه الاستراتيجية لأن ذلك يتوجب تعاونا مع كوريا الشمالية. حتى الآن, لم تحدد كوريا الشمالية موعدا للمحادثات رفيعة المستوى لكنها وافقت على استئناف محادثات الصواريخ التي يفترض ان تسبق المحادثات رفيعة المستوى, وقد قلت للرئيس كلينتون انني اعتقد بضرورة استئناف المفاوضات على نحو جدي وخلاق, لكني حذرته بأنه سيكون من الصعب جدا التوصل لاتفاق مقبول من كل الأطراف ذات العلاقة سواء كانوا الكوريين الشماليين أو حلفائنا أو الكونجرس الأمريكي, ولهذا قلت للرئيس أيضا ان الولايات المتحدة يجب ان تبقي بارودها جافا) وبالتحديد ضرورة عدم تقليص الوجود العسكري او جاهزيته خلال المحادثات. ليست الحرب الباردة هي التي انتهت فحسب بل عهد ما بعد الحرب الباردة ايضا وفي الصراع لصياغة استراتيجية جديدة لهذا العهد الجديد اعتقد ان هناك ثلاثة خطوط رئيسية واضحة. 1 ـ بعد ان بلغت اسلحة التدمير الشامل قوة غير مسبوقة على الدمار لم تعد الحرب وسيلة مقبولة في السياسة الخارجية في القرن الواحد والعشرين كما كانت في القرن العشرين. 2 ـ بعد أن بلغت التقنية حدا غير مسبوق في تطورها خصوصا في مجال الاتصالات والنقل, اصبحنا نعيش في عالم واحد, وهذا ليس افتراضا ولا نظرية, انه حقيقة وجودية. ويجب ان نعترف نوعا ما في سياساتنا الاقتصادية والسياسية بهذه الحقيقة واقصد بذلك على نحو خاص ان نصوغ الاستراتيجية الامنية الامريكية بالتعاون الكامل مع حلفائنا في المنطقة مع الاخذ الكامل بعين الاعتبار لمصالح القوى الاخرى فيها. 3 ـ على المدى المنظور ستظل الولايات المتحدة القوة الرئيسية العسكرية والاقتصادية والتقنية الوحيدة في العالم. لكن ما يحزنني هو ان الولايات المتحدة لم تسع لممارسة هذه القيادة وغالبا لم تعرف كيف تستخدمها واخذت تتأرجح بين عدم استخدامها مطلقا او استخدامها بطريق تبدو متغطرسة للدول الاخرى. وآمل مع الوقت ان يتمكن الامريكيون من تعلم كيف يستخدمون قوتهم بطرق تخدم مصالحهم وأمن واستقرار كل الدول, وليس أمنهم فحسب. زاو لم يلق آذانا صاغية في واشنطن حاملات الطائرات الامريكية... هناك أساليب اخرى للحوار مع الصين.