لا حديث وسط المصرفيين وغيرهم من المواطنين هذه الايام الا عن ما سيتركه منشور بنك السودان الهادف لاعادة هيكلة 25 مصرفا بتجميعها في كيانات كبيرة لا تتجاوز الست مجموعات. بهذا الشكل وقع الامر وقوع الصاعقة على جملة المصرفيين خاصة الموظفين وصغار العاملين، الذين يترقبون مطلع مايو بداية العمل بالمنشور الذي سيصدر نهاية الجاري وقلوبهم على ايديهم وفي اذهانهم ان التقليص في الاجهزة المصرفية ارتبط بالتشريد بالاشارة الى اجراءات صاحبت الامر ليس آخرها كما تفيد حالات الترقب والشواهد عملية دمج بنك المزارع مع البنك التجاري التي سرحت اكثر من 200 موظف. ورغم ان دكتور صابر محمد الحسن محافظ البنك المركزي ابان ان رؤساء ومديري البنوك رحبوا بالقرار القاضي باعادة هيكلة البنوك من خلال خيارين, بالدمج الاختياري او بزيادة رأس مال البنك ليصل الى ثلاثة مليارات دينار في حده الادنى الا ان العاملين بالمصرف يرون انه اذا كانت نتاج عملية دمج تشريد 200 من العاملين فكيف يكون الحال بتفكيك 25 بنكا وتجميعها في ست مجموعات؟ ويقول العاملون بالمصارف ان محافظ البنك المركزي رغم انه قال ان مديري المصارف رحبوا بالفكرة الا انه لم يأت على ذلك العاملين ومواقفهم. تسرب الامر الى شرايين الاقتصاديين عموما الذين يرى بعضهم ان خطة الدمج لابد ان تتم بين مصرفين احدهما اصغر في آخر اكبر او عن طريق مصرفين متشابهين ومتكافئين لزيادة رأس المال وفق معايير واسس متفق عليها سلفا ذلك ان الدمج ربما يؤدي لاظهار بنك جديد باسم جديد او باسم احد البنكين المندمجين. ويرى آخرون ان هناك نوعا من الدمج يكون باستحواذ بنك على نسبة مريحة من الاسهم في بنك آخر ليتمكن ذلك البنك من توجيه مسار البنك الآخر. لكن مصرفيين آخرون يقولون ان الامر قتل بحثا وتمت الاستعانة فيه بتجارب بعض الدول والقوانين التي تنظم الدمج في الوطن العربي, خاصة في لبنان والعربية السعودية وبعض البنوك الاوروبية ويرى هؤلاء اهمية المسألة منطلقين من ان هنالك دولا قطعت شوطا كبيرا لمواجهة تحديات العولمة بخلق كيانات مصرفية عربية قوية وقادرة على المنافسة مع المصارف الضخمة في اوروبا وامريكا وانه لابد من وجود بديل مناسب لتقوية رؤوس الاموال في ظل تحديات العولمة وتحرير التجارة. من جهته بنك السودان اعد مشروعا ضمنه محاور عدة لخلق تلك الكيانات التي يفضل الا تتجاوز ست مجموعات تاركا الخيار لادارات البنوك لتكوين مجموعات الدمج خلال فترة الدمج التي تنتهي في الثلاثين من سبتمير المقبل مشددا انه على اي بنك اخطار البنك المركزي بمجموعة الدعم في او قبل ذلك التاريخ وان يستصحب ذلك اخطاره بخطة المجموعة بتنفيذ عملية الدمج وتحديد بيت الخبرة المحلي او الاجنبي بقصد تقييم بنوك المجموعة في او قبل نهاية ديسمبر المقبل. واشار مشروع البنك المركزي الى ان آخر تاريخ لاكمال عمليات الدمج لكل مجموعة هو نهاية يونيو عام 2001 مع اخضاعها لمتطلبات رأس المال الذي يرى المشروع تنفيذه خلال ثلاث سنوات برفعه الى مليار دينار نهاية هذا العام والى مليارين نهاية العام المقبل ليكتمل في حده الادنى ثلاثة مليارات بنهاية عام 2002. واوضح المنشور ان بنوك القطاع الخاص سينطبق عليها ماورد وان البنك المركزي سيصدر سياسة مفصلة بها مع البنوك المتخصصة بالتشاور مع وزارة المالية والتخطيط. وذكر المنشور ان بنك السودان سيتبنى سياسة مؤقتة لمعالجة التمويل المتعثر القائم الذي وصلت نسبته الى 25% مقارنة بالمتوسط العالمي للتمويل المتعثر في حدود 5% مبينا ان السياسة المؤقتة يلجأ اليها البنك بعد مجهودات بذلها لم تظهر تحسنا يذكر وذلك من اجل تحريك الموارد المجمدة واعادة ضخها في الدورة الاقتصادية ومساعدة البنوك لتولي دورها الاساسي في تمويل النشاط الاقتصادي بدلا من الانصراف الى متابعة تحصيل التمويل المتعثر لتأهيل قابليتها لمعاودة نشاطها التمويلي بصورة طبيعية. مشيرا الى ان هنالك تدابير مختلفة تنفذها الحكومات متمثلة في تقديم الحوافز للبنوك التي تنشط في تنفيذ هذه السياسة وفي هذا الاطار اوضح المشروع ان بنك السودان بالتعاون مع وزارة المالية سيتبنى تقديم حوافز تشمل الاعفاء الكلي او الجزئي من ضريبة الارباح خلال فترة البرنامج واعفاء نشاط مؤسسة التمويل المتعثر اعفاء كاملا واعطاء اولوية لمعالجة التمويل المتعثر للبنوك التي تدخل في تنفيذ اعادة الهيكلة وان البنك المركزي مع اي حوافز اخرى تساهم في عملية اعادة الهيكلة وتفعيلها يتيح موارده بشروط ميسرة او عن طريق وضع ودائع استثمارية للبنوك التي تدخل في تنفيذ البرنامج. في المقابل تضمن المشروع محورا اشتمل على العقوبات الادارية والمالية التي سيتخذها البنك المركزي ضد المصارف التي لا تلتزم بتوفيق اوضاعها وفقا لمتطلبات برنامج الدمج وزيادة الحد الادنى لرأس المال سيعلن عنها في حينها, وان المشروع في محصلته النهائية يهدف الى تأهيل الجهاز المصرفي السوداني حتى يتمكن من مواجهة التحديات والتطورات التي يعززها عصر العولمة. اتحاد العمال الذي يواجه المسألة في العيد العالمي للعمال الذي يصادف الاول من مايو كل عام قال على لسان رئيسه تاج السر عابدون الذي شارك مدراء البنوك اجتماعهم مع محافظ البنك المركزي بعين تتفهم الاجراءات الخاصة باعادة هيكلة البنك وعين ترجح الوقوف الى عضويته قال انهم ضد اي اتجاه يقود لتقليص وتشريد العاملين بالبنوك وانهم في الاتحاد سيتابعون ويتصدون لاي محاولة تهدف لتقليص وتشريد العمالة وقال عابدون ان الاتحاد سيطرح زيادة رؤوس الاموال للبنوك بدلا من عملية الدمج التي ربما تخرج الافا من الموظفين والعاملين من المصارف وتهدد مستقبل مئات الاسر. من جهتها النقابة العامة للمصارف والاعمال المالية والتأمين اعلنت رفضها لقرار بنك السودان الخاص بدمج البنوك ودعت قواعدها للوقوف ضده انطلاقا من فشل التجربة الاولى وطالبت بفتح ملف للتحقيق ومحاكمة كل المتسببين في انهيار الجهاز المصرفي واستنفرت النقابة قواعدها لتكوين غرف عمليات في جميع البنوك للحيلولة دون تنفيذ القرار حتى لو ادى الى التوقف عن العمل في جميع المصارف. حتى بدء العمل بقرار بنك السودان مطلع مايو المقبل يظل التساؤل كم سيكون عدد الضحايا والمشردين نتيجة الدمج وعلى من تقع تبعاته وهل المسألة تقتضي دراسة شاملة كافية تربطها بما يجري في المجتمع ككل في ظل المعارضة الواضحة التي تقابل المشروع ام انها ستتم هكذا في بلد صار اكبر بقعة في العالم للتجريب؟