يشير بحث اعده (المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية) حول السياسة الفرنسية تجاه منطقة الخليج, الى أن المراقب للتحركات الفرنسية في المنطقة العربية بوجه عام وفي الخليج بوجه خاص يستطيع ان يلاحظ مدى العبء الذي ينوء به عاتق صانع القرار الفرنسي, حتى ليشعر بان باريس تكاد تتحسس خطواتها مخافة قطع احد الخيوط الرقيقة التى قدر لها أن تحافظ عليها خلال علاقاتها بالأطراف المختلفة فيما يخص منطقة الخليج سواء على المستوى الدولى مع القوى الكبرى , أو حتى على المستوى الاقليمى مع دول المنطقة. وحتى يتسنى فهم تلك التناقضات التى تحيط بمسار السياسات الفرنسية, فإنه من الضرورى الوقوف على أرضية تاريخية تعود إلى الخمسينيات من القرن العشرين عندما قررت فرنسا الديجولية الاستقلال عن المنظومة الأمريكية غير أن ظروف الحرب الباردة , التى كانت فرنسا خلالها أحد الحلفاء المميزين للولايات المتحدة , فرضت تأجيل التصادم بين باريس وواشنطن إلى ما بعد ظهور الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف واعلان التقارب بين القوتين العظميين , فكانت حرب الخليج الثانية هى الظرف الملائم لظهور التمرد الفرنسى على هيمنة الولايات المتحدة على الأوضاع الدولية , وساعد على وضوح ذلك التمرد بشكل سافر عدد من العوامل منها العجز السوفييتي عن مواجهة القوة العاتية للولايات المتحدة نظراً لظروفه الاقتصادية والانسجام البريطانى التام مع واشنطن على كافة الأصعدة إلى الحد الذى يشير إلى وجود حلف أنجلوساكسونى أمريكى بريطانى , فضلاً عن حالة الانقسام التى كان يعيشها العالم العربى وهو الطرف المعنى أساسا بعلاج الأزمة تسبب فى وجود تقويض شبه كامل لواشنطن لتعيد صياغة المنطقة وفقاً لمصالحها الخاصة كل ذلك أسهم بوضوح فى تضخيم الملاحظات الفرنسية على المسلك الأمريكى فى إدارة العالم , وجعلها تبدو وكأنها تتمرد على الحليف القديم , ولا سيما أن فرنسا لم تجن من وراء اشتراكها فى التحالف الدولى الذى قام بتحرير الكويت سوى القليل على كل الأصعدة الاقتصادية والسياسية الخ , فى حين استأثرت الولايات المتحدة بنصيب الأسد فى كل ذلك. ضربة شبه قاضية ثم جاءت الضربة شبه القاضية فى عامى 96ـ97 مع امتداد النفوذ الأمريكى إلى القارة الأفريقية التى مثلت لفترة طويلة ملعبا فرنسيا خاصاً , ليترسخ فى ذهن صانع القرار الفرنسى أن لامكان للمبادئ والصداقات فى عالم السياسة . وقبل الولوج فى تحليل السياسات الفرنسية فى منطقة الخليج العربى يجب التمهيد لذلك ببيان أن هناك عاملين هامين لم يغيبا على الاطلاق عن صانع تلك السياسات . العامل الأول : سياسى ويتمثل فى ادراك فرنسا ـ ومن ورائها حلفائها الأوروبيين ـ أنه ليس بوسعها أو بوسع أية قوة كونية أخرى فى العالم اقصاء الولايات المتحدة عن دورها على المدى المنظور وبالتالى ليس من الحكمة حدوث صدامات سافرة بين الدولتين. غير انه فى الوقت ذاته يتعين على فرنسا الاستمرار فى بذل ما بوسعها من أجل اثبات الحضور على المستوى العالمى استناداً إلى مكانتها المتميزة على الصعيد الأوروبي , فكانت آثار ذلك التناقض واضحة فى عدد من المواقف الفرنسية مثل ما حدث خلال عملية (عاصفة الصحراء) فى ديسمبر 1998 حيث اكتفت فرنسا ومعها كل من روسيا والصين بمعارضة شفهية لاستخدام القوة كان من أثرها حرمان الولايات المتحدة وبريطانيا من مظلة دولية لسياساتهما المدعومة بالآلة العسكرية ـ تجاه العراق . أما العامل الثانى فهو العامل الاقتصادى , ويتمثل فى أهمية منطقة الخليج العربى بالنسبة لفرنسا اذ يتحتم على الأخيرة استيراد نحو 9.1 مليون برميل نفط يوميا من أصل احتياجاتها من الطاقة التى تصل إلى مليونى برميل يوميا , تأتى معظمها من منطقة الخليج غير أن مشاركة فرنسا فى حرب الخليج الثانية عام 1991 , وما سبقها من فرض العقوبات ضد العراق , أفقداها القدرة على الوصول إلى امدادات النفط العراقى . ثم جاء قانون ( إلسا ) المعروف باسم قانون داماتو الأمريكى لعام 1996 الخاص بفرض عقوبات ضد الدول والشركات التى تستثمر فى قطاع النفط والغاز فى ليبيا وايران ليزيد من العوائد أمام المصالح الفرنسية فى المنطقة . ومع ذلك فإن مجموعة من شركات النفط تضم توتال الفرنسية وبتروناس الماليزية وغاز بروم الروسية تقدمت باستثمارات مقدارها مليارى دولار فى حقول بارس الإيرانية قبالة الساحل الجنوبى لإيران فى عام 1997 وتبع ذلك اعلان من الحكومة الأمريكية فى شهر مايو 1998 بتأجيل العقوبات بشأن تلك الشركات مقابل مستويات عليا من التعاون حول الأمور التى تهم الأمن القومى الأمريكى . وهكذا كان على باريس أن تشارك دائما فى دفع ثمن ازدياد النفوذ الأمريكى فى منطقة الخليج سواء اقتصاديا فى صورة الحرمان النسبى من الامدادات النفطية , أو سياسيا فى صورة المساهمة فى صيانة الأمن القومى لأمريكا. الوجود الفرنسى مما تقدم يظهر بوضوح صعوبة المهمة الفرنسية فى الحفاظ على التوازنات السياسية والاقتصادية المختلفة , كما يظهر كذلك أن المصالح الفرنسية فى المنطقة تتطلب كلها خفض التوتر , وكذلك النفوذ الأمريكى لما يتيحه ذلك من حرية الحركة وسهولة المناورة بعكس الوضع الحالى . ومفتاح ذلك التطور هو تكريس الوجود الفرنسى فى الخليج على كافة الأصعدة (عسكريا , اقتصاديا , سياسيا .. الخ ). اولا: الوجود العسكري الفرنسى : فى الحادى والثلاثين من الشهر الجارى (يناير 2000) تبدأ فرنسا سلسلة من المناورات العسكرية المشتركة مع عدد من البلدان العربية الخليجية (الامارات , قطر, الكويت , عمان) على أرض دولة الامارات وتستمر حتى الرابع عشر من شهر فبراير المقبل. ويقول الفرنسيون ان هذه المناورات جزء من نموذج أمنى جديد يقومون بتشجيعه فى الخليج ينسجم مع المصالح الفرنسية التى تختلف مع مصالح الولايات المتحدة , حيث تحتفظ فرنسا بعلاقات طيبة ليس فقط مع دول الخليج العربية بل أيضا مع ايران على الجهة الأخرى من الخليج , الأمر الذى يعتقد الفرنسيون أن من شأنه السماح لهم بمجاراة الواقع والاشتراك فى صيغة أمنية تجمع كل دول المنطقة , ويذكر أن تلك المناورات لا تمثل التواجد العسكرى الأول من نوعه لفرنسا فى الخليج , فقبل ذلك وقعت مع قطر فى 24/10/1999 اتفاقية تعاون دفاعى يتم بموجبها مرابطة مستشارين فرنسيين فى قطر , وتسمح فرنسا بنشر قوات هناك من أجل التدريب , وفى الشهر ذاته قام مسئولون عسكريون فرنسيون بزيارة الكويت والسعودية لاجراء مباحثات حول التعاون العسكرى . ويساعد فرنسا على تكريس نفوذها فى أمن المنطقة , رغبة مجلس التعاون الخليجى فى إيجاد نوع من التوازن مع النفوذ الأمريكى , نظراً لأن اعتماد بلدان المجلس على الولايات المتحدة قـد عرقل اعادة اقامة الروابط بينها وبين العراق وبدرجة أقل مع إيران. وقد تصادمت فرنسا باستمرار مع الولايات حول تحديث جيوش مجلس التعاون ومبيعات الأسلحة والنفوذ الأمريكى فى سياسات الأمن الخاصة بمجلس التعاون , وفى نوفمبر 1998 ندد وزير الدفاع الفرنسى لين ريتشارد باقتراح أمريكى يدعو إلى انضمام دول المجلس إلى الولايات المتحدة فى تطوير شبكة صواريخ دفاعية فى المنطقة . وبالاضافة لما سبق تمثل صفقات السلاح المتنوعة بين فرنسا ودول الخليج نفوذاً من نوع آخر لفرنسا , اذ تحتاج تلك الأسلحة لصيانة دورية وعمليات تدريب مستمرة للجنود العرب عليها , ويتطلب ذلك تواجد العديد من الخبراء العسكريين الفرنسيين باستمرار فى الخليج , وتأتى فرنسا فى المرتبة الثالثة ـ فى قائمة الدول المصدرة للأسلحة إلى بلدان مجلس التعاون الخليجى. ثانيا : الوجود الاقتصادى : تتركز المصالح الاقتصادية الفرنسية فى منطقة الخليج العربى بشكل أساسى فى نقطتين رئيسيتين : استيراد النفط من المنطقة , وتصدير الأسلحة إليها . وفيما يتعلق بالقطاع النفطى , نجد أن فرنسا تستورد معظم احتياجاتها النفطية من الخارج , ومن ثم لابد لها من تكريس تواجدها بمنطقة الخليج التى تعتبر المخزن العالمى الرئيسى لتلك السلعة الحيوية الآخذة فى النفاذ . فكان من الطبيعى أن تبادر إلى استغلال حاجة العراق الماسة إلى تطوير منشآته النفطية التى لحقتها أضرار كثيرة خلال السنوات العشر الماضية. وقد ذكر أن العراق وقع مؤخراً عدداً من العقود تقدر قيمتها بعدة مليارات من الدولارات مع شركات نفط أجنبية وبصورة رئيسية من الصين وفرنسا وروسيا , كما تفاوضت شركتا إلف أكوتين وتوتال الفرنسيتان بشأن حقوق تطوير القطاع النفطى العراقى بملايين الدولارات . الأسلحة أما فيما يتعلق بمبيعات الأسلحة الفرنسية فى المنطقة , فيمكن القول إن السياسات الفرنسية فى هذا الصدد ناجحة للغاية حيث استطاعت الاستفادة من تحرك دول الخليج نحو تحديث جيوشها, ففى العام 1998 حصل موردو الأسلحة الفرنسيون على صفقات جديدة تبلغ قيمتها 6.8 مليار دولار من بلدان مجلس التعاون الخليجى , وأكثر من 60% من هذه الصفقات كانت من خلال عقود لتزويد دولة الإمارات بثلاثين طائرة ميراج 2000 ـ9 وتحديث 33 طائرة من طراز ميراج 2000 إش. ولا تقتصر المصالح التجارية والعسكرية الفرنسية فى الخليج على دولة الامارات , ففى 14 أغسطس 1999 تسلمت الكويت أول أربعة زوارق هجومية سريعة من مجموع ثمانية زوارق قامت ببنائها شركة ( سى إم إن ) الفرنسية. وفى أكتوبر 1999 بدأت شركة فرنسية أخرى مملوكة للدولة هى ( دى سى إن) بتجميع أول فرقاطات إن 3000 كانت السعودية قد طلبتها . كما تحاول فرنسا أن تلبى متطلبات السعودية وقطر بشأن دبابة ميدان رئيسية . وبطبيعة الحال تواجه الأسلحة الفرنسية منافسة شديدة من قبل نظيراتها الأمريكية , فطائرات ميراج 2000ـ 9 الفرنسية تواجه منافسة من قبل طائـرات إف 16 التى تنتجها شركة لوكهيدمارتن الأمريكية فى دولة الامارات , كما أن الشركة الفرنسية التى تصنع دبابات الميدان الرئيسية من طراز ليكليرك تحاول الحصول على عقد بهذا الشأن ضد شركة جنرال ديناميكس الأمريكية بالنسبة لدبابات (إم 1 إى 2) فى السعودية وقطر . ثالثا : الوجود السياسى : استطاعت فرنسا من خلال البوابة الشرق أوسطية , وتحديداً من النقطة الساخنة والمحورية المتمثلة بالصراع العربى ـ الإسرائيلى , النفاذ إلى العالم العربى بصفة عامة , ودول الخليج بصفة خاصة , وذلك عندما تخلت فرنسا عن سياسة الحياد الايجابى الذى تبنته منذ وقت طويل والذى أفقدها الكثير من المميزات.ومن ثم بدأت فى التحرك لوضع ثقلها السياسى والديبلوماسى الحازم بما يخدم التوجهات العربية الآنية والمستقبلية. ولما كانت دول الخليج الثمانية الرئيسية ( دول مجلس التعاون بالإضافة إلى العراق وإيران) تحتفظ جميعها بمكون ثابت ورئيسى فى سياساتها الخارجية وهو رفض التطبيع مع إسرائيل واقرار كافة الحقوق المشروعة للفلسطينيين فقد التقت مع فرنسا حول العديد من النقاط مما مهد للأخيرة الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع هذه الدول برغم ما بين تلك الدول نفسها من تناقضات كبرى على شاكلة النزاع الاماراتى ـ الايرانى حول الجزر الثلاث الاستراتيجية , والنزاع الكويتى ـ العراقى الناتج عن غزو الكويت .. الخ . وتستطيع فرنسا أن تكون بمثابة جسر بين طرفى الخليج من خلال مصالحها فى السعودية والعراق وإيران , واهتماماتها بالغاز الطبيعى القطرى , فضلاً عن عقود الأسلحة الحالية والمستقبلية فى بقية دول مجلس التعاون الخليجى . وقد يكون ذلك فى صالح كافة دول الخليج طالما استطاعت فرنسا أن تفصل بين التجارة والاهتمامات السياسية , وهو الأمر الذى نجحت فيه حتى الآن . أما إذا اضطرت فرنسا إلى الانحياز لأى طرف من الأطراف دون الآخر , فسوف يتعثر كثيراً تواجدها فى المنطقة, ولذا فالتساؤل المنطقى فى هذا المقام يطرح نفسه إلى متى تستطيع فرنسا الاستمرار فى لعبة التوازنات التجارية والسياسية الحساسة ؟. الموقف الفرنسى من العراق : على اعتبار أن الملف العراقى هو الملف المتجدد بصورة يومية , فإن التعرض للمواقف الفرنسية من الأزمة العراقية وتناولها بالتحليل قد يوضح إلى حد كبير لعبة التوازنات المشار إليها. وبداية يجب التأكيد مجدداً على أنه برغم التقاليد الديجولية التى تربى عليها الساسة الفرنسيون , من حيث النأى بأنفسهم عن الولايات المتحدة مع الاستمرار كحلفاء فى القضايا الاستراتيجية الأساسية , فإن تشابك هذه القضايا وتشابك المصالح الفرنسية مع مصالح الولايات المتحدة ولا سيما فيما يخص العراق , هو أكبر من أن تسمح فرنسا لنفسها بالانزال بموقف يغضب حليفتها الكبيرة . ومن ثم دائما ما خرجت السياسات الفرنسية تجاه العراق وهى مغلفة بضباب كثيف , يسمح لها بقبول تفسيرات عدة ترضى جميع الأطراف , أو على الأقل وفى أسوأ الأحوال لا تثير غضب أى من الأطراف . وقد تمثلت تلك التوازنات جميعها فى المناورات السياسية التى سبقت صدور القرار رقم 1284 لمجلس الأمن الدولى فى منتصف شهر ديسمبر 1999 الماضى . غير أن تلك المناورات لها هى الأخرى خلفية تاريخية لابد من الوقوف عليها لفهمها. ففى فبراير 1991 ارتكب العراق خطأ تكتيكيا عندما أقدم , ومن طرف واحد , على قطع علاقاته الدبلوماسية مع فرنسا , بحجة مشاركتها فى التحالف الدولى فى عاصفة الصحراء , غير أنه بعد الحرب أدرك حجم ذلك الخطأ , فسعى بشتى الطرق لاقناع باريس باعادة علاقاتها مع بغداد من خلال اعتذارات حملها نائب رئيس الوزراء العراقى إلى فرنسا مع تقديم اغراءات للشركات النفطية والتجارية والطبية الفرنسية. إلا أن طبيعة دولة المؤسسات والنظام الديمقراطى فى فرنسا بالإضافة إلى اعتبارات النفوذ الأمريكى لم تجعل من الاقدام على مثل تلك الخطوة من الجانب الفرنسى أمراً يسيراً . ولما جاءت مرحلة المداولات بشأن مشروع القرار البريطانى ـ الهولندى والذى صدر فيما بعد برقم 1284 , لم تستطع فرنسا مساعدة العراق , رغبة فى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية فيه , بأكثر من محاولات تأجيل صدور القرار مرة بعد أخرى تحت مبرر عدم وجود الاجماع الكامل فى مجلس الأمن على الشأن العراقى مما يقلل من مصداقية أى قرار , مع العلم بأن ذلك الاجماع الذى كانت تتحدث عنه فرنسا يكاد يكون مستحيلاً, غير أن الديبلوماسية الفرنسية دعت صراحة , ولأكثر من مرة إلى رفع الحصار عن العراق , وحتى لا تصطدم بالولايات المتحدة بررت دعواتها تلك بأن رفع الحصار عن الشعب العراقى هو السبب الوحيد لازاحة الرئيس العراقى صدام حسين ونظامه عن الحكم , وذلك من خلال تفرغ المواطن العراقى إلى الاهتمام بالشئون السياسية فى بلاده بعد أن صرف واقع الحصار كافة اهتماماته نحو هموم الحياة اليومية فى المقام الأول . كما صرحت فرنسا فى غير مناسبة بأن (اللجوء إلى القوة من أجل ضمان عودة المفتشين إلى العراق ليس مرغوبا فيه ولا يمكن سلوكه) ثم صدر القرار 1284 بأغلبية أحد عشر عضواً مع اكتفاء فرنسا (بالإضافة إلى الصين وروسيا وماليزيا) بمجرد الامتناع عن التصويت , مبررة موقفها بأن اشتمال القرار على ضرورة التعاون العراقى مع لجنة التفتيش الجديدة (يونموفيك) ينطوى على الكثير من الغموض ويفتح الباب لتفسيرات تعسفية ضد العراق قد تطيل من أجل الحصار , ورغم ذلك ـ لم تذهب فرنسا إلى أبعد من مجرد الامتناع عن التصويت إلى حد استخدام الفيتو, لأنها لو فعلت ذلك لخلقت الكثير من المشاكل فى تحالفاتها الدولية ليس فقط مع الولايات المتحدة ولكن أيضا مع بريطانيا التى تسعى باريس إلى جذبها نحو مشاريعها الأوروبية الطموحة . وهكذا كان على فرنسا السير فى طريق شائكة كى تحافظ على تحالفها الاستراتيجى مع القوى الكبرى , وفى نفس الوقت لا تغضب السلطة الحاكمة فى العراق والتى كانت قد هددت قبيل صدور القرار بحرمان الشركات الفرنسية من الفرص الضخمة الموجودة فى العراق , فى حال رفع العقوبات أو تعليقها . وبالفعل حصلت فرنسا على المستويات الدنيا من النجاح لتلك السياسات حيث أسفرت عملية صدور القرار 1284 على مجرد ابداء الولايات المتحدة أسفها وخيبة أملها من الموقف الفرنسى , أما بغداد فقد اعترفت بسذاجة اعتمادها على الدول الكبرى , غير أنها على كل حال لم تكن تأمل من فرنسا فى أكثر من ذلك , وهو بالفعل يتيح لها مساحة أكبر من المناورة فى تنفيذ بنود القرار 1284 استناداً إلى أنه لم يلق اجماعا دوليا , بل ان بغداد بادرت بالاعلان عن رفض القرار , ثم رفض الشخصيات المرشحة لرئاسة لجنة التفتيش الجديدة أيا كانت تلك الشخصيات. وخلاصة القول إنه إذا كانت فرنسا تراعى فى مواقفها من الأزمة العراقية مجموعة عوامل تتداخل فيما بينها , من بينها الانسانى والاجتماعى والاقتصادى والسياسى , فانها غير قادرة على أن تجعل لأحد هذه العوامل الغلبة على ما سواه . فباريس تراعى فى مواقفها العامل الاقتصادى , حيث ما إن باتت فى السنوات الماضية بوادر رفع الحظر عن العراق حتى سارعت الشركات الفرنسية النفطية وغير النفطية إلى زيارة بغداد والاعداد لصفقات مع السلطات العراقية . ولكن هذا العامل , على أهميته الراهنة والمستقبلية , لم يكن ليكفى وحده لدفع الموقف الفرنسى للذهاب إلى أبعد مما ذهب إليه ارضاء للمسئولين العراقيين.