تبلغ لبنان من اكثر من عاصمة اوروبية ان الاتحاد الاوروبي مجمع بصمت ودون الاعلان عن ذلك على عدم المشاركة في اية جهود مباشرة تتعلق بعملية المفاوضات واقرار التسوية لكن بالقيام بمشاركة فاعلة وحيوية في كل الادوار, المطلوبة لتدعيم السلام في الشرق الاوسط, بعد نجاح تلك المفاوضات, اذا نجحت. ولايبدي المسئولون اللبنانيون اي استغراب لذلك, ويؤكدون ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك صارحهم بذلك خلال زيارته الاخيرة الى لبنان في اواخر عهد الرئيس السابق الياس الهراوي. جرت بعد ذلك متابعات للامر نفسه, ليس بين لبنان واوروبا فحسب, بل ايضا على مستوى الدول الفرانكفونية ـ الناطقة جزئيا او كليا بالفرنسية في العالم. وذلك ما اكدته مناسبات اوروبية ـ فرانكفونية ـ لبنانية عدة حصلت في الآونة الاخيرة ومنها: المؤتمر الرابع لوزراء الشباب والرياضة الفرانكفون في بيروت والذي اكد حسب وزير التربية اللبناني محمد يوسف بيضون على مبادىء اساسية ثلاثة هي: تأكيد الاسرة الفرانكفونية بكاملها على استمرار تمسكها بسيادة لبنان, التأقلم مع التقلبات الاجتماعية التي سيعرفها القرن الجديد وتأمين بيئة ملائمة لاشتراك الشباب الفرانكفوني في المجتمع, واخيرا التأكيد على التمسك بالاسرة الفرانكفونية وعلى دور لبنان كمعقل لها في الشرق الاوسط. وتكررت التأكيدات نفسها عبر تلقي لبنان مؤخرا لمساعدتين: فرنسية ونمساوية مخصصتين لتطوير التعليم الرسمي والتأهيل للمتحف الوطني في بيروت, وذلك ما حصل خلال اجتماعات الوزير بيضون مع السفير الفرنسي في لبنان فيليب لوكورتييه, والسفير النمساوي, اضافة الى لقاءات اجراها رئيس الوزراء سليم الحص في بيروت مع كل من رئيس الجامعة الامريكية في باريس مايكل سامسون يرافقه فؤاد عيسى, فهل يعكس ذلك اجواء ايجابية .. وهل هناك دور اوروبي اوسطي مميز؟ وماهو المشروع الاوروبي لتوزيع اللاجئين الذي يدور حوله الصمت والجدل؟ لم ترشح اية اجواء ايجابية اوروبيا استئناف اجتماعات (لجنة تفاهم ابريل) التي اعلنت اسرائيل مجددا عن رفض المشاركة في اي اجتماع تعقده بدءا من الاحد قبل الماضي الذي وافق السادس عشر من ابريل الحالي. وكان رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص قبل تبلغ نية اسرائيل حول ذلك اثناء استقباله رئيس اركان هيئة المراقبين الدوليين للجنة الهدنة مع اسرائيل الجنرال تيم فورد قبل حوالي الاسبوعين, والذي ابلغ الامر نفسه الى الامين العام لوزارة الخارجية اللبنانية زهير عسيران. وفي خضم ذلك تسعى اوروبا لدور اوسطي مميز كيف؟ وضمن اية اطر؟ زيارة باتن ضمن الاجوبة المطلوبة كان المفوض الاوروبي للعلاقات الخارجية كريستوفر باتن قد اعرب عن اعتقاده ان المفاوضات بين سوريا واسرائيل لا تزال ممكنة وتدعو الى تفاؤل صامت ورأى ان قرار الدولة العبرية الانسحاب من لبنان تنفيذا للقرار 425: امر مهم جدا لكنه لاحظ اجماعا على انه من الافضل ان يطبق هذا القرار على اساس ان يكون جزءا من اتفاق شامل معلنا: ان اوروبا تريد دورا في اعادة اعمار الجنوب اللبناني. جاءت مواقف باتن تلك في زيارة الى بيروت التقى خلالها كبار المسئولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية اميل لحود, ورئيس الوزراء سليم الحص الذي استقبله بحضور وزير المال جورج قرم. وكان قرم وباتن قد وقعا معاهدة مالية يمنح الاتحاد الاوروبي بموجبها لبنان هبة بقيمة 50 مليون يورو (اوروبي) كمساعدة مباشرة للموازنة ودعما للاصلاحات الاقتصادية. ويوضح باتن بعد لقائه بالرئيس لحود: (ناقشت مع الرئيس برنامج التعاون خلال الاعوام السابقة, فقد استثمرنا قرابة 900 مليون يورو ثلثها قروض منذ انضمام لبنان الى الشراكة الاوروبية المتوسطية, وكان هدفنا من ذلك انشاء منطقة تجارة حرة في المتوسط شبيهة بمنطقة التجارة الحرة في امريكا الشمالية (نافتا) . منذ ذلك الحين استثمرنا 184 مليون يورو لبرنامجنا في لبنان, وقد ناقشت مع الرئيس اللبناني اميل لحود مسألة توقيع اتفاق للشركة شبيه باتفاقات سابقة وقعناها مع دول اخرى. ثلاث رسائل اوروبية كان موضوع (اتفاق الشركة) هذا موضع نقاش مطول على مراحل, بين كبار المسئولين اللبنانيين من جهة, وشخصيات سياسية واقتصادية فرنسية واوروبية عامة من جهة اخرى. ومن ذلك لقاءات عدة عقدت في لبنان خلال الاسابيع الاخيرة ومن الابرز بينها: ـ لقاءات الرئيس اللبناني اميل لحود مع كل من : رئيس دائرة افريقيا في الخارجية الفرنسية ميسوز يار, السفير الفرنسي السابق في لبنان فيليب هوسون, وزراء الدول الفرانكفونية, رئيس الاركان البولوني الجنرال هزبكوسز ومسكي (على رأس وفد عسكري), اضافة الى لقاءات اخرى منها باعضاء لجنة تفاهم ابريل ما عدا المندوب الاسرائيلي بطبيعة الحال. ـ لقاء رئيس الوزراء سليم الحص بباتن بحضور الوزير قرم, سفير فرنسا في لبنان فيليب لوكورتييه, ووفد ايرلندي. ـ لقاءات سياسية جانبية منها ايضا اجتماع وزير الخارجية الفرنسي السابق هيرفيه دو شاريت بكل من الرئيس الحص, والوزير السابق للخارجية اللبنانية, النائب فارس بويز اضافة الى لقاء وزير الموارد المائية والكهربائية سليمان طرابلسي بوفد (مائي فرنسي) , زيارة وزيرة خارجية السويد آنا ليندت الى بيروت, تحركات واتصالات سفيرة السويد آن اليزابيث ديسمو, سفير سويسرا لدى لبنان يورغ سترولي, مشاركون في مؤتمر وزراء شباب الفرانكفون, حفلات تكريمية لبطلات لبنانيات على هامش المؤتمر المذكور, جولة سفير النمسا مع وزير التربية محمد يوسف بيضون في المتحف الوطني, اضافة الى انشطة قام بها المبعوث الاوروبي ميغل انجل موراثينوس ونائب رئيس البنك الاوروبي للتنمية فرانسيتس ماير. شكلت كل تلك الحركة الدبلوماسية المكثفة مركز ثقل داعم للدور الاوروبي في عملية (تحريك التسوية) وهذا ما عبرت عنه زيارة كريستوفر باتن الذي حمل معه خلالها ثلاث رسائل: * الاولى: تقول ان هناك فرصة حقيقية للسلام قبل نهاية العام الجاري, وهي موجهة الى جميع الاطراف المعنيين في الشرق الاوسط. * اما الرسالة الثانية: فهي كما يقول احد المستشارين البارزين للاتحاد الاوروبي: دور اساسي يمكن ان يؤديه في الشق التفاوضي من عملية السلام, بل في الشق التطبيقي منها, اي بعد التوقيع. * يضيف المستشار عن الدور الاوروبي نحن لا وجود لنا في المفاوضات التي كانت قد بدأت قبل خمسة اعوام. لم يتكرموا بدعوة الاوروبيين الى مؤتمر مدريد كما دعي الروس. ويؤكد انه لا الولايات المتحدة ولا اسرائىل, ولا الدول العربية المعنية مقتنعة, بضرورة وجودنا الى طاولة المفاوضات, وبالتالي لن نحارب للجلوس وراءها. لقد اقتصر الدور الاوروبي منذ بدء المفاوضات على مفاعيل محدودة في المرحلة التفاوضية, لكن الدور الحيوي والمهم, سيكون لنا في عملية توطيد السلام الذي سيتم التوصل اليه, ليس فقط بالنسبة الى الاموال التي سيطلب منا دفعها بل لما سنقوم به من مفاوضات ترمي الى التوصل الى اتفاق للمياه او للاجئين سيكون للاتحاد الاوروبي في المرحلة التطبيقية لاتفاقات السلام دور اوسع واكبر, وسيكون شريكا مهما في المنطقة وغير ممول للمساعدات العسكرية وهذا ما تعلمه اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون. اوروبا تنتظر السلام وتنقل مصادر خاصة عن ذلك (المستشار البارز) قوله: ان عدم اداء الاتحاد الاوروبي حاليا اي دور في عملية السلام لا يعني انه لا يريد ذلك, بل على العكس اي انه ينتظر حلول السلام ليؤدي دورا في اساس العملية لتوطيدها وارسائها على دعائم مستقرة. ويروي المستشار انه كان ذات مرة برفقة موراثينوس, فبادره كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات: اين انتم مما يجري ولماذا لا تتدخلون للمساعدة؟ فاجابه موراثينوس بسؤال: لماذا لا تدعوننا وانتم في قاعة المفاوضات وتصرون على ان لا مفاوضات بدوننا؟ وتابع: الاسرائيليون لايريدون اشراكنا في المفاوضات لكن العرب يقبلون بذلك, ونقول ان هذا ليس مشكلة كبيرة بالنسبة الينا. * اما الرسالة الثالثة فهي: تحديد سيناريو للاطراف التي ستكون توصلت الى اتفاق سلام, والمفوضية الاوروبية للعلاقات الخارجية, والممثل الاعلى سولانا يحضران ورقتي عمل لما يمكن ان نقوم به مع تطبيق اتفاقات سلام بين العرب واسرائيل, وما سنقوم به في المرحلة المستقبلية في منطقة الشرق الاوسط لتحديد كيفية المساهمة في تلك الاتفاقات. وتوضح المصادر الاوروبية, نحن في الاتحاد الاوروبي نعتقد ان في العالم اجماعا ينمو, ويقول ان مستقبل الشرق الادنى وليس الشرق الاوسط في انتهاج سياسة مدريد للشركة, والتزامها والانتفاح على شركائها. كل بلد في الشرق الادنى يجب ان يوفر انفتاحا اقتصاديا على جاره, واذا لم يتم ذلك فان تلك المنطقة لن تتمكن من الصمود في وجه العولمة هذا مانراه نحن ليس فقط في الاتحاد الاوروبي بل يشاركنا الرأي ايضا مسئولو البنك الدولي, و (صندوق النقد الدولي) و الامريكيون, فآلية برشلونة هي منهج عمل, وهي الافضل, وسوف يتكرس ذلك في حال تم التوصل الى السلام وما نراه بالنسبة الى المشرق هو تطبيق مبادىء برشلونة ليس فقط بالنسبة الى انشاء منطقة تجارة حرة, بل بما يخص كل تلك المبادىء بفصولها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وسئلت المصادر: لماذا تعتقد اوروبا ان الامريكيين سوف يسمحون بدور مستقبلي في نطاق برشلونة, فاجابت: ان الامريكيين يريدون الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط, وكي يتأمن ذلك, يجب توافر الازدهار, لان الوضع القائم غير جيد لصالح ذلك, هناك جمود في الاقتصاد ونسبة مرتفعة في البطالة والمؤشرات سلبية في اقتصاد دول المنطقة ومن اجل زيادة الازدهار يجب الاتفاق على الطريقة التي تحقق ذلك, وهي تكمن في الانفتاح على الدول المجاورة بشكل خاص وبقية الدول الاخرى في شكل عام, واولا على دول الجنوب, الامريكيون موافقون على ذلك, ومن المتفق عليه ان المنافسة ستحصل بين الفئات التي ستتولى القيام بما هو مطروح, وموقعها وسيطرتها, ونحن ابرز الشركاء واكثر الجهات التي توفر الدعم الاقتصادي والاقرب جغرافيا ولسنا في حال تسابق, ولا اعتقد ان في استطاعة الامريكيين ان يكسبوا مثل هذا السباق, حتى لو حصل. وتلفت المصادر الى ان ما يقوم به الاوروبيون في برشلونة هو عمل جيد بشهادة المسئولين في (صندوق النقد الدولي), و (البنك الدولي), وان المؤسستين على استعداد لدعم آلية برشلونة. وتحذر المصادر نفسها من انسحاب اسرائيلي احادي الجانب من جنوب لبنان, وتقول: انه سيىء وخطر للغاية, وسيؤدي الى نتائج تدميرية في حال حصلت اي عملية للمقاومة انطلاقا من الاراضي, اللبنانية بعد الانسحاب, وهذا ما فهمه اكثر من مسئول اوروبي اجتمع الى رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك مؤخرا. وتضيف: ان الطريقة المثلى لتجنب الآثار السلبية على لبنان هي في وضع خطة طارئة لمواجهة الوضع الذي سينشأ, ومن الافضل عدم نشوء مثل هذا الوضع لئلا تستعمل تلك الخطة. وتعترف المصادر نفسها ان الاتحاد الاوروبي لم يحدد بعد اي موقف له في حال حصل مثل ذلك الانسحاب الاحادي مؤكدة ان الوضع في جنوب لبنان موضع رصد وتشاور. وتشير الى ان الاتحاد يتطلع الى المشاركة كقوة اوروبية لحفظ السلام في الجولان وفي جنوب لبنان او عبر مراقبين بعد الانسحاب الاسرائيلي في حال طلب منا ذلك, ونحن نرفض اي مشاركة اذا حصل الانسحاب من دون اتفاق حتى ولو طلبت منا مثل هذه المهمة. اللاجئون اما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في لبنان, فتتابع تلك المصادر قائلة: ان الاتحاد الاوروبي يدرس كيفية المساعدة في حل مثل هذه القضية الشائكة ومن الافكار المطروحة للتداول والدرس توزيع اللاجئين على فئات اربع كالتالي: 1ـ ابقاء جزء منهم في لبنان. 2ـ ترحيل جزء ثان الى مناطق سلطة الحكم الذاتي. 3ـ ترحيل جزء ثالث الى اسرائىل. 4ـ ترحيل العدد الباقي الى دول عربية وغير عربية, كالعراق وليبيا واليابان وكندا والولايات المتحدة الامريكية, وبعض الدول الاوروبية. وعلى ذلك يقول موظفون في المفوضية الاوروبية ان المساعدات لمرحلة مابعد تطبيق السلام يجب ان لا تقتصر فقط على الاتحاد الاوروبي بل يجب ان تشارك فيها دول الخليج العربية واليابان وروسيا. بيروت ـ وليد زهر الدين