مازال العرب مختلفين وغاضبين من التطبيع وحوله رغم انهم لم يصدقوا فعلا بان هناك اسرائيليا يسعى للسلام, ففي كل القمم العربية كانت القرارات الرسمية الصادرة تدعو لوقف التطبيع, لكن الواقع كان يسوق العرب الى التطبيع رغم انه لم يحقق نتائج. وتشير الشواهد جميعها في تجربة العشرين عاما الماضية ان نتائج عملية التطبيع محددة وغير قابلة للاستمرار, وشواهدها يمكن التقاطها من القاهرة, عمان, الاراضي الفلسطينية المحتلة, المغرب, موريتانيا, ومن تونس الى قطر, وجميعها اكدت ان عملية التطبيع محدودة النتائج, وان معظم النتائج ليست بقوة الترهيب والترغيب. وما ان تزول هذه المؤثرات فان القضية ستعود كلها الى نقطة الصفر. والتطبيع عملية تاريخية معقدة تحتاج بصورة اساسية الى ظروف وشروط ومعطيات, وهي تحتاج بشكل اساسي الى ارادة مشتركة للاطراف الداخلين فيها, وذلك لا يتوفر في اسرائيل على المستويين الرسمي والشعبي بحكم الايديولوجية الصهيونية السائدة في الوسط الاسرائيلي, وبحكم السياسة التي طبقها الاسرائيليون ازاء العرب وهكذا فان التطبيع مع اسرائيل يقصد به غالبا شيء آخر غير (التطبيع) كما عرفته الدول بعد الحرب العالمية الثانية. ومن المفاهيم التي سوقتها الادارة الامريكية وحليفتها اسرائىل واغرت بها بعض المثقفين العرب مفهوم (اقامة حوار مع العدو لدعم عملية السلام) مع اشارات وتأكيدات بان الحوار لايعني التطبيع, فمن بدأ التطبيع في المنطقة العربية وماهو واقع الدول العربية مع التطبيع؟ مصر كانت اولا تشير المصادر الى ان اولى خطوات التطبيع للعلاقات العربية الاسرائيلية المعلنة بدأت في اواخر السبعينيات عندما قررت مصر التفاوض مع اسرائىل الامر الذي اسفر عن توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية في مارس 1979. تفرعت عن الاتفاقية اتفاقات وبروتوكولات للعلاقات الثنائية في المجالات كافة الامر الذي فتح بوابة التطبيع بين مصر واسرائيل على مصراعيها فنشطت حركة اسرائيلية باتجاه القاهرة شملت: وفودا من كل الاختصاصات, بضائع, سلعا اسرائيلية, رجال اعمال وخبراء وجواسيس وسياحا, مراكز ابحاث, ناهيك عن مايمكن ان يرشح من النسيج الاسرائيلي للنسيج المصري. وقد جرى ذلك رغم ان مصر كانت ومازالت تلملم اشلاء اعتداءات اسرائيل عليها وعشرات المجازر مثل (بحر البقر, وابو زعبل) وغيرها, لكن الضغوط الاقتصادية دفعت بالرئيس المصري الراحل أنور السادات الى زيارته المشهورة للقدس ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع اسرائيل. وفي ظل التطبيع اصبحت اسرائيل اشد شراسة واكثر عدوانية وتخريبا فنشط جواسيسها, وتوسعت شبكاتهم التي نشطت في كل مجالات تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية المصرية من تعميم المخدرات الى نشر الايدز والآفات الزراعية, وثم دعم الجماعات المسلحة بالاسلحة والعتاد. تعاملت مصر رغم ذلك بحذر تجاه التطبيع وطبع سلوك مجتمعها وسياستها, فقد وجد المصريون تعنتا اسرائيليا ادى الى افشال كل الجهود الدولية والاقليمية المبذولة لتحقيق سلام في المنطقة, اضافة الى ان التطبيع بحد ذاته لم يوفر الا اقل الحقوق للعرب والفلسطينيين, بينما يعطي اسرائىل الكثير. اتجهت الحكومة المصرية بعد ذلك للحد من سياسة التطبيع متأثرة بموقف الشعب المصري العام, وباستمرار اسرائيل في سياستها العدوانية الامر الذي ادى الى برود في عملية (التطبيع بين مصر واسرائيل) . كانت فترة عشر سنوات منذ زيارة السادات لاسرائيل عام 1978 كافية لتجميد التطبيع مع اسرائيل, واضفى عليها خروج العراق منتصرا من حربه مع ايران عنصرا جديدا لاحباط اي مساع اسرائيلية للحصول على علاقات طبيعية مع العرب. لكن حرب الخليج الثانية وما لحق بها من نتائج أدت الى انعاش آمال الاسرائيليين وضغطت بشكل لم تتوقعه اسرائيل وامريكا على مصادر القرار العربية في الشرق الاوسط بخاصة والعرب بعامة قائدة اياهم الى عملية سلام مدريد عام 1991. وتشير مصادر كثيرة الى ان المغرب العربي كان جسرا مرت من تحته كل العلاقات الاسرائيلية العربية, وبجهود متضافرة مع مصر, والاردن الذي خرج خاسرا من حرب الخليج, عدا عن الجهود الخارجية الاخرى. وقطعت دول عربية توزعت مابين المشرق العربي ومغربه خطوات باتجاه التطبيع مع اسرائيل بهدف تسريع عملية السلام وتصفية الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتصفية القضية الفلسطينية, وعلى هذا عقدت معاهدات واتفاقات افتتحت بموجبها سفارات للعدو الاسرائيلي السابق الذي اصبح صديقا للعرب غير مسالم, كما افتتحت ممثليات تجارية في عدد من العواصم العربية, ومثلها نشطت حركة اسرائيلية باتجاه العواصم العربية, منها حركة سياحة واقتصاد وتجارة ومؤتمرات, ولعل ابرزها كان المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا الذي عقد أربعا من دوراته في المغرب ومصر والاردن وقطر وفق المصادر الصحفية. ومثلما حدث لمصر, اكتشفت الدول العربية انها تنفخ في بوق اجوف وان صداها لايبلغ حافة بوقها, فلم تستطع عمليات التطبيع ان تحد من عدوانية السياسة الاسرائيلية ازاء الفلسطينيين واللبنانيين وازاء العرب عموما, كما توجهت الدول العربية للحديث مرة اخرى عن احياء المقاطعة العربية لاسرائيل, بل ان بعضها اتخذ خطوات فعلية ازاء ذلك. أجج ذلك الجهود الامريكية فنجحت في فرض اتفاق واي بلانتيشن على الفلسطينيين والاسرائىليين, وسوقت حملتها الدعائية لانتهاء المقاطعة العربية وتغنت بفوائدها المزعومة ونتائج هذه المقاطعة, كما روجت لتسريع خطوات التطبيع, مقابل صمت عربي رسمي ورفض عربي شعبي. وابدت المؤتمرات الشعبية تبعتها القمم الرسمية العربية الى الدعوة لوقف التطبيع, فنذكر مثلا ان منظمة المؤتمر الاسلامي في الدورة 25 التي انعقدت بالعاصمة القطرية الدوحة عام 1998 قررت وقف عمليات التطبيع مع اسرائىل, ومثلها فعلت قمة المغرب, والقاهرة. ولا يستبعد خبراء السياسة ان تلجأ بعض الدول الى اغلاق المكاتب الاسرائيلية في عواصمها, بعد ان جمدت دول مثل قطر وعمان, والبحرين مكاتب اسرائيل التجارية فيها, لكن الخبراء انفسهم يشيرون الى ان التطبيع ليس قرار منظمات او حكومات لكنه اتفاقيات موقعة قد تلزمهم بها اسرائىل, التي تمسك بخناق العرب بيد من حديد بمعنى انه قرار اسرائيلي لا عربي ..