يمكن القول ان المبادرة الأمريكية الجديدة هي نتيجة لجهد مستمر استغرق أكثر من عامين, كما لعب العديد من الأمريكيين من أصل إيراني, والأمريكيين الذين يعملون لحساب إيران دوراً رئيسياً في هذه المبادرة, كما أن عدداً من رجال الأعمال الإيرانيين في إيران والولايات المتحدة نشطون في هذا المجال, فهم على قناعة ان محادثات خاتمي الاولية بتوجيه تجارة ايران نحو اوروبا خاطئة, فمعدلات النمو في الاتحاد الاوروبي منخفضة للغاية, ولا يمكن ان تقدم السوق الذي يحتاجه ايران, بينما تعيش الولايات المتحدة وسط ازدهار اقتصادي لم يسبق له مثيل وتمارس سياسات تجارية حرة, ويأمل رجال الاعمال الايرانيون في الحصول على حصة من السوق الامريكي المتسع للبضائع الايرانية الفاخرة, بالاضافة الى النفط والمنتجات البترولية. ويمكن القول ان المبادرة الأمريكية الجديدة قد جاءت نتيجة لبعض المتغيرات الداخلية والدولية من أهمها: * تعرض الإدارة الأمريكية لعدة ضغوط من قوى سياسية واقتصادية تشجع على تطبيع علاقاتها مع إيران, حيث ترى هذه القوى أن الولايات المتحدة يجب أن يكون هدفها هو تغيير الملك الإيراني وليس النظام الإيراني, وبالتالي اذا تخلى هذا النظام عن سلوكياته وتصرفاته التي تغضب واشنطن, يصبح من الضروري مكافأته على ذلك, أما القطيعة التي استمرت طويلاً فإنها لم تحقق أهداف واشنطن, بل ان استمرارها قد يدفع إيران إلى الارتماء في أحضان موسكو, فضلاً عن رغبة الصناعات الأمريكية بشكل عام في استعادة نصيبها من السوق الإيراني الواسع بعدما خسرته لصالح الشركات المنافسة من أوروبا واليابان وكذا كندا وغيرها, هذه الرغبة تتملك مؤسسات النفط الأمريكية التي تضع السياسات النفطية مثل معهد البترول الأمريكي في واشنطن ومؤسسة أبحاث الصناعات النفطية في نيويورك للاستثمار على نطاق واسع في صناعة الغاز والنفط الإيرانية. * إدراك الولايات المتحدة لأهمية إيران الاستراتيجية في المنطقة, فهي أكبر دول المنطقة سكاناً ومن أكثر الدول نفطاً في العالم, وتزايد هذه الأهمية بالنظر إلى الأهمية المتزايدة لنفط بحر قزوين ووسط آسيا في ضوء التقدير الأمريكي الرسمي لاحتياجات العالم من البترول الذي يتوقع أن يرتفع الطلب عليه من 73 مليون برميل يومياً في عام 1997 إلى 105 ملايين برميل يومياً في عام 2015 وسيكون استهلاك الولايات المتحدة من البترول 18 مليون برميل يومياً, وفي هذا الإطار يعد الطريق الذي يمر بإيران لنقل بترول بحر قزوين إلى الخارج من أقل الطرق تكلفة من الناحية الاقتصادية. لذلك أدركت الولايات المتحدة أن استراتيجيتها للسيطرة على مناطق الطاقة في الخليج وآسيا الوسطى ستظل تفتقر إلى الاستقرار في غياب التفاهم مع إيران وحفظ دورها الإقليمي في الخليج. * تعرض سياسة الاحتواء المزدوج تجاه العراق وإيران لانتقادات عديدة, حيث كانت هذه السياسة تقوم على عزل البلدين وعدم السماح لأي منهما بالوصول إلى قدرة معينة تمكنه من تهديد المصالح الأمريكية والاستقرار الإقليمي المنشود والوضع القائم والعمل على إضعافهما وهذا ما فشلت فيه هذه السياسة, لاسيما تجاه إيران فمن جهة رفضت أوروبا واليابان سياسة عزل إيران اقتصادياً, لأن ذلك معناه فقدان سوق واسع لاستيعاب الصادرات الأوروبية واليابانية الكبيرة فقد اتبعت دول أوروبا سياسة مخالفة عُرفت بالحوار النقدي تقوم على استمرار العلاقات التجارية والاقتصادية مع إيران, وتوظيف هذه المصالح التنافسية في إقناع الدولة الإيرانية بالتخلي عن سياساتها الثورية, وبمزيد من الاندماج في النظام العالمي الجديد. * تعرض السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط للعديد من الانتقادات, فقد انتقدت دول عربية عديدة, ومنها دول خليجية, الانحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل في عملية السلام, بالإضافة إلى تزايد المعارضة الداخلية في العديد من دول الخليج للوجود الأمريكي والأجنبي في المنطقة, الأمر الذي ارتأت معه الولايات المتحدة ضرورة تغيير سياساتها تجاه المنطقة, ولذا فإن هذه المبادرة الأمريكية تجاه إيران تأتي في هذا السياق. ردود فعل ايران فور انتهاء أولبرايت من إلقاء خطابها الذي تلقته وكالة الأنباء الإيرانية رحب حميد آصفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بتخفيف العقوبات الأمريكية وقال (ان طهران سترد على ذلك بالسماح بدخول الواردات من الحبوب والعقاقير الأمريكية) بينما اتهم أمين عام مجلس الأمن القومي الأعلى حسين روماني الولايات المتحدة بالتدخل في شئون بلاده مضيفاً أن أي نقاط إيجابية في خطاب وزيرة الخارجية الأمريكية تبدو ضئيلة للغاية ونقل راديو طهران عن روماني وصفه للمبادرة الأمريكية بأنها محاولة غير لائقة لمكافأة قوى معينة داخل إيران وانتقد روماني واشنطن لتكرارها اتهامات ضد إيران وقال (من وجهة نظرهم فهم يقدمون قطعة شيكولاتة مقابل ما يرون أنه تطورات داخل إيران, وهذه خطوة غير مقبولة وقبيحة للغاية) وأضاف روماني أن تخفيف العقوبات خطوة إيجابية من الناحية الظاهرية, ولكنها ضئيلة للغاية, عندما نظرت إلى مضمون خطابها (أولبرايت) رأيت أن هذه ليست خطوة إيجابية, انها سلبية فعلاً, وهي تعني أن الأمريكيين يتدخلون في شئون إيران الداخلية وهذا يعني أن المؤسسة السياسية في طهران منقسمة على نفسها في موقفها من دعوة الحوار الأمريكية, الأمر الذي قد يعرقل أو يعطل من بدء حوار مباشر بين الطرفين مستقبلاً. ردود أفعال العالم صدر أول ترحيب دولي بالمبادرة الأمريكية من موسكو التي قالت انه يتعين على واشنطن التخلي عن تهديداتها بمعاقبة الدول التي تتعاون مع إيران مثل روسيا, وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها (نرحب ببيان وزيرة الخارجية الأمريكية لتخفيف العقوبات ونؤكد رغبتنا المستمرة والراسخة في تطبيع العلاقات الأمريكية-الإيرانية, لأن هذا سيناسب مصالح البلدين وكذلك استقرار المنطقة بأسرها) . كما صدرت ترحيبات من بعض دول الاتحاد الأوروبي, معتبرة أن المبادرة الأمريكية من شأنها تقليل التوتر في منطقة الخليج, وتمهيد الطريق نحو مزيد من الأمن والاستقرار في المنطقة. تداعيات ودلالات المبادرة الأمريكية لا شك أن المبادرة الأمريكية تجاه إيران تُعد أول تحرك ملموس باتجاه تحسين العلاقات مع إيران, ويمكن القول عن هذه المبادرة ما يلي: ـ تعد هذه المبادرة استكمالاً للسياسات الأمريكية التقاربية تجاه إيران, وتستمد هذه المبادرة أهميتها من تزامنها مع عيد النيروز (رأس السنة الفارسية) مما يعني أن هناك رغبة أمريكية في فتح صفحة جديدة مع إيران. ـ تعد هذه المبادرة دليلاً قوياً على فشل سياسة الاحتواء المزدوج, وأن على الإدارة الأمريكية إعادة التفكير في سياساتها الخارجية, فقد أثبتت هذه المبادرة الأمريكية أن إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون, في عامها السابع من الحكم, وصلت إلى قناعة مفادها أنه حتى الدولة العظمى الوحيدة في العالم لا تملك القدرة لفرض إرادتها على بقية العالم. يرى بعض المراقبين أن ما قصدته واشنطن من مبادرتها تخفيف العقوبات على إيران ليس تحسين أسعار الكافيار والفستق (عبر فتح السوق الأمريكية أمامها ) بل جر المعتدلين في طهران إلى دخول المعادلة الشرق أوسطية المنتظرة عبر إغراءين سياسيين هما: أولاً: التسليم بالنظام الإسلامي في إيران, وهو ما تعهدت به مادلين أولبرايت عبر تأكيدها أن لا نية لواشنطن في التدخل في شئون إيران الداخلية. ثانياً: التسليم بدور إيران في المنطقة. وهذا الدور كما يرى بعض المراقبين كي يحظى برضا واشنطن يفترض دخول إيران بيت الطاعة الأمريكي ولو مواربة. تبدو أهمية المبادرة الأمريكية في توقيتها أكثر من محتواها, فهي تأتي في أفضل مرحلة متاحة لعزل إيران عن زميلاتها على لائحة (دول الإرهاب) الأمريكية فليبيا ارتدت إلى جذورها الإفريقية, والعراق منهمك في همومه المعيشية والنفطية, وسوريا تتطلع إلى سلام شرق أوسطي لا يسمح بخصومات أيديولوجية مع راعية هذا السلام, فواشنطن تشعر أن عزل إيران عن (زميلاتها) من دول لائحة وزارة الخارجية الأمريكية متاح اليوم أكثر من أي وقت مضى منذ الثورة الإيرانية عام 1979. ويرى البعض أن المبادرة الأمريكية تجاه إيران تمثل عامل ضغط قوي على النظام العراقي, فمع تحسن العلاقات الأمريكية-الإيرانية و لو ببطء ستشعر حكومة الرئيس العراقي صدام حسين بالضيق, وستضطر بغداد إلى تقديم تنازلات جديدة لإيران, وكما جرى مرات مع الأردن, وعلى أساس أن الأراضي الإيرانية والأردنية هي الممر الطبيعي الممكن لبلوغ الأسواق الدولية من دون رقابة دولية. الجوار الخطر ويمكن لطهران أن تلعب دوراً شبيهاً بالدور التركي في المسألة العراقية وفي هذا الصدد يقول مارتين ووكر الخبير البريطاني في الشئون الاستراتيجية (ان طهران وأنقرة تفضلان اهتراء النظام العراقي ببطء) لكن يشير إلى أن طهران لن تلعب دوراً أساسياً في إسقاط النظام العراقي فقد نوهت اولبرايت إلى أن إيران تعيش ضمن (جوار خطر) كما وعدت بالعمل مع طهران لجعل المنطقة أكثر استقراراً, وهذا بالطبع إشارة غير مباشرة إلى العراق الذي يظل مصدر القلق الأول للسياسة الإقليمية الإيرانية الأمر الذي قد يدعو إيران في الواقع إلى العمل مع الولايات المتحدة لإنجاز تقدم إيجابي على الجبهة العراقية. وتأتي التخوفات الإيرانية إزاء العراق من اعتبارين مهمين: أولهما:أن الثروة النفطية العراقية قد تدفعه إلى أن يصبح القوة الإقليمية المستقبلية في المنطقة, إذ يُعتقد أن العراق يمتلك قرابة 12% من الاحتياطي النفطي المكتشف في العالم كله, وهذه النقطة مهمة في وقت تعاني فية السوق العالمية من نقص يبلغ قرابة 4 ملايين برميل يومياً, ومن شأن العراق الغني نفطياً اجتذاب الدعم الدولي بسهولة, بما في ذلك بناء آلة حرب جديدة, ولا يزال المحللون الإيرانيون يعتقدون أن مطامح العراق القومية ترمي إلى قيادة الدول العربية المجاورة وبالتالي تهديد استقرار المنطقة. أما مصدر القلق الإيراني الآخر تجاه العراق فهو قصير المدى, إذ يستضيف العراق عدداً من الجماعات المسلحة التي تكرس نشاطها لإثارة المتاعب داخل إيران, فلا تحظى جماعات مثل (مجاهدي خلق) أو الحزب الشيوعي الكردي أو الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني بتأييد يذكر داخل إيران, غير أنه بمقدورها تنظيم جماعات إرهابية ضد إيران, تستغلها الأطراف المتشددة في حربها مع التيار الإصلاحي. لهذا كله فإن إيران متحمسة للعمل مع الولايات المتحدة وأية قوى أخرى مهتمة بمستقبل العراق للتأكد من وصول حكومة مقبولة إلى سدة الحكم في بغداد, إلى ذلك فإن بإمكان إيران والولايات المتحدة العمل معاً لدعم التوصل إلى صيغة تعددية داخل العراق, يلعب الشيعة ضمنها دوراً أساسياً, غير أن السلطة لا تقتصر عليهم, ومن شأن التغيير داخل العراق جعل (الجيرة) التي تحدثت عنها أولبرايت أكثر أمناً للجميع بما فيهم إيران والولايات المتحدة نفسها. المبادرة ودول التعاون تعتبر مبادرة الانفتاح الأمريكية تجاه إيران والتي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت الأيام الماضية أهم حدث يتصدر اهتمامات الأوساط الخليجية حالياً, وقد تباينت ردود الأفعال الخليجية تجاه هذه المبادرة, ويمكن حصرها في اتجاهين: الأول:الترحيب بهذه الخطوة, لاسيما من دول مجلس التعاون الخليجي التي سعى عدد منها إلى تحسين العلاقات مع طهران, حيث تعتقد دوائر عديدة في عدد من هذه الدول أن قيام علاقات أمريكية -إيرانية طبيعية من شأنه أن يعزز الوحدة والاستقرار في منطقة الخليج, وهو أمر سوف يقلل الحاجة إلى الوجود العسكري والنفوذ السياسي الكبيرين للولايات المتحدة الأمريكية. الثاني: التحذير من هذه الخطوة, لأنها تحمل في طياتها تهديداً مبطناً لدول المنطقة التي ستعكف على دراسة كل الاحتمالات في سبيل المحافظة على أمن واستقرار المنطقة, وعلى حد تعبير خبير خليجي في الشئون الإيرانية فإن هذه المبادرة تمثل تهديداً ضمنياً لأمن المنطقة, وتساءل الخبير عن سبب إعلان المبادرة الأمريكية بعد أيام قليلة من توقيع واشنطن على صفقة طائرات تبلغ قيمتها بلايين الدولارات مع الإمارات, كما تساءل عما إذا كانت الخطوة الأمريكية تجاه طهران ستضعف الموقف الإماراتي في شأن النزاع مع ايران حول الجزر الاماراتية. * هل ستؤدي المبادرة الأمريكية إلى حوار مباشر مع إيران ؟ الإجابة هي ليس الآن, ولكن لماذا؟ لأن الرئيس خاتمي على الرغم من فوز أنصاره في الانتخابات البرلمانية الأخيرة, ليست له سيطرة على السياسة الخارجية الإيرانية, فوزير الخارجية الإيراني كمال خرازي هو رجل الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني, ويعارض التعامل مع الولايات المتحدة طبقاً لشروط أولبرايت. كما أن إيران لا تقبل بالشروط الأمريكية, وذهبت طهران إلى أبعد من ذلك, إذ رفضت سقف شروطها تجاه واشنطن بإعلان حسن روماني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أن (منطق واشنطن المستبد باعتبارها قائدة العالم هو منطق لا يمكن القبول به) وهذا يعني أن المعيار لأي حوار أو تفاوض لابد أن يقوم على المساواة والندية, كما أن اليمين المحافظ وحتى بعد فوز الإصلاحيين الكاسح في الانتخابات النيابية, قد يحول دون الإسراع في تخطي العقبات وإعادة العلاقات, فمع وجود معارضة داخلية يقودها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لعودة العلاقات, سيقف الحوار بين البلدين عند مرحلة معينة لن يتعداها, فقد شن المرشد الأعلى بمناسبة الاحتفالات بالثورة الإسلامية هجوماً عنيفاً على الولايات المتحدة الأمريكية ووصفها بالعنصرية, وتساءل: كيف يمكن أن تمد الأمة الإيرانية والحكومة يدها تجاه عدو سعى لضربها ؟. وتبقى عدة مشاكل معقدة, الأولى هي مطالبة الولايات المتحدة بتوقف إيران عن تصنيع أسلحة الدمار الشامل بما في ذلك الأسلحة النووية, وقد نفت إيران ذلك, غير أن الولايات المتحدة طلبت التأكيد على صحة ذلك في حضور خبراء أمريكيين, ويعتبر الكثير من الإيرانيين أن ذلك هو محاولة من الولايات المتحدة لفرض رأيها في السياسة الدفاعية الإيرانية, كما تريد الولايات المتحدة من إيران التخلي عن معارضتها لتطورات قضية سلام الشرق الأوسط. ومن القضايا المعقدة الأسلحة الأمريكية التي اشترتها إيران, ودفعت ثمنها قبل الثورة ولم تتسلمها, كما أن فكرة استئناف الولايات المتحدة لمبيعات الأسلحة لإيران هي بالطبع فكرة بعيدة التحقيق على الأقل في المستقبل المنظور ولكن إيران تريد تسليم الأسلحة المشتراة كدليل على تغيير حقيقي في العلاقات. ومن الموضوعات الحساسة الأخرى قضية اليهود الذين يصل عددهم إلى 13 شخصاً قُبض عليهم في إيران اتهموا بالتجسس. في ظل هذه القضايا المعقدة, فإن بدء الحوار المباشر بين البلدين قد يبدو أمراً صعباً على المدى القريب, الأمر الذي يعني أن البدء في حوار فعال تمهيداً لعودة العلاقات سيحتاج وقتاً طويلاً.