كيم فيلبي يلقي بظله الطويل على العلاقات الأنجلو - أمريكية ، شعور بالصدمة في لندن إزاء أسرار فيتنامية حجبتها واشنطن على امتداد مناقشتنا لتاريخ جهاز المخابرات البريطانية الخارجي, الـ (ام. آي. 6) لابد أن القارئ قد توقف طويلا عند تلك المحطات التي تقاطعت فيها طرق هذا الجهاز مع جهاز المخابرات الأمريكي العتيد, الـ (سي. آي. ايه) , حيث نجد التعاون يرقى إلى الشراكة الكاملة التي تنتهي بالجلوس إلى مائدة لاقتسام الكعكة النفطية, كما حدث في اللقاء الفريد بين عملية (بوت) البريطانية وعملية (أجاكس) الأمريكية اللتين كفلتا بالاطاحة بحكومة دكتور محمد مصدق في إيران في اطار تطور تاريخي ربما كان الأكثر خطورة من نوعه. وبالمقابل فإنه ليس ان العلاقات بين الجهازين شهدت حالات من الشك والاسترابة العميقين, كما حدث بعد انكشاف أمر كيم فيلبي وهربه من بيروت حيث كان يتخذ غطاءاً له عمله كمراسل لمجلة (إيكونوميست) اللندنية في موسكو التي عمل جاسوسا لها سنوات طويلة. وربما لادراك مؤلفنا ستيفن دوريل لخطورة هذه العلاقات وتأثيرها العميق على مسيرة الـ (ام. آي. 6) فإننا نراه يفرد لها فصلا بأمه وأبيه هو الفصل الثاني والثلاثين من كتابه, حيث يناقش على امتداد ست وعشرين صفحة تطورات هذه العلاقات والذرى التي حلقت إليها والسفوح التي هوت إليها. وهو يبدأ بتحديد واضح للاطار الزمني الذي يشتغل عليه, فيشير إلى ان مرحلة الستينيات برهنت على انها أفضل الأوقات وأيضا أسوأها في العلاقات (الخاصة) بين الـ (ام. آي. 6) والـ (سي. آي. ايه) , حيث شهدت النجاحات المتألقة في عمليات جمع المخابرات التي أحرزها الجانب البريطاني والتي قوبلت بالاعجاب الشديد من الجانب الأمريكي الذي كان مسلحا حتى الأسنان بالأموال والتقنيات الحديثة, ولكن هذه النجاحات ضاع بريقها إلى حد كبير في ظلال الاختراقات الأمنية التي أفضت إلى عملية المطاردة المستمرة تقريبا للخونة العاملين في الظلام داخل الجهاز والذين فرقوا شفاف قلبه, الأمر الذي أضفى طابعاً سلبيا على العلاقات مع الأمريكيين, وقوض العمليات المشتركة. اللمبادا كان يمكن للعلاقات بين الجهازين البريطاني والأمريكي أن تصل إلى حد القطيعة الكاملة لولا النوعية الممتازة لمعلومات المخابرات التي كان بوسع الـ (ام. آي. 6) امداد الـ (سي. آي. ايه) بها من مصادر لا يمكن وصفها بالوفرة نجمت في تطويرها وراء الستار الحديدي, أو هكذا قال خبراء الجهاز البريطاني لان هذه المصادر, في حقيقة الأمر, كانت في معظمها من النوع الذي يعرف في عالم أجهزة المخابرات بالمتطوعين الذين يأتون من تلقاء أنفسهم إلى محطات الأجهزة المعنية. اعتبارا من أواخر 1958 قام جهاز الـ (ام. آي. 6) بتشغيل ثلاثة عملاء, كان العميل الرئيسي بينهم يعرف بالاسم الرمزي (نودي) وكان يعمل في قلب جهاز المخابرات البولندي, ويسيطر عليه الرئيس السابق لمحطة الـ (ام. آي. 6) في برلين روبرت داوسون الذي كان مسئولا عن شرقي أوروبي باعتباره مديراً لما يعرف باسم (جهاز الانتاج 4) ويتحرك من خلال السفارة البريطانية حيث يوجد هناك جون كوين, وكوين فيجرز الذي سيقدر له في وقت لاحق أن يصبح رئيسا للـ (ام. آي. 6) . وكانت العلاقات الوثيقة بين الجهاز البولندي المعروف باسم الـ (يو. بي) والجهاز السوفييتي العتيد الـ (كي. جي. بي) تعني أن نوري بوسعه نقل أسرار ومعلومات لم يسبق لها مثيل عن الجهاز السوفييتي وعن الشخصيات العسكرية والسياسية البارزة في موسكو وعن العمليات التي يتم تدبيرها ضد المواطنين والدبلوماسيين الأمريكيين والفرنسيين المقيمين في وارسو. وأدرك رئيس الـ (ام. آي. 6) ديك وايت القيمة الكبيرة لهذه المعلومات فحرص على تمريرها إلى الـ (سي. آي. ايه) التي بادرت إلى الاعراب عن امتنانها وتقديرها لهذه المعلومات التي وصفتها بأنها (أفضل ما حصلنا عليه على الاطلاق) . وتقول مصادر سوفييتية, ربما على أساس ما كشفه لها جورج بليك ضابط الـ (ام. آي. 6) الذي كان يعمل سرا لحساب السوفييت بحكم موقعه في القسم الروسي (دي. بي. 4) في المخابرات البريطانية ان الأمريكيين قاموا بتمويل بعض عمليات الـ (ام. آي. 6) , وبالتحديد عرضوا 20 مليون دولار لتمويل التجسس في بولندا. والمفارقة هنا هي ان نجاح هذه العملية أوضح المدى الكبير الذي أصبح جهاز الـ (ام. آي. 6) في اطاره معتمدا على الأمريكيين في الحصول على الدعم والتمويل. وفي حوالي ذلك الوقت قام لفتنانت كولونيل في أمن الدولة البولندي يدعى ميتشال جولينفسكي والذي عرف بالاسم الرمزي (سنايبر) أو (القناص) إذا شئت والذي تطوع بتقديم معلومات للـ (سي. آي. ايه) - قام بالهرب في نهاية المطاف من بولندا في الرابع من يناير 1961. وكشف في وقت لاحق عن جاسوسين في بريطانيا, يعرفان بالاسمين الرمزيين (لمبادا 1) و(لمبادا 2) وهما اسمان يميلان إلى الرقصة الأمريكية اللاتينية الشهيرة, ويوضحان الروح المرحة والساخرة لدى من ابتكرهما. بسرعة اكتشف جهاز الأمن البريطاني (ام. آي. 5) ان العميل الخائن (لمبادا 2) هو هاري هيوتون الموظف في مؤسسة المجاري البريطانية في بورتلاند. وللعثور على (لمبادا 1) قام رئيس قسم مكافحة التجسس في الـ (ام. آي. 6) وهو تيرنس ليكي ونائبه جيفري هنتون باطلاق عملية اصطياد بدا التقدم فيها بطيئا, وتمت في اطارها الاستعانة بأفضل خبير بريطاني في الشئون السوفييتية, وهو هارولد شيرجون, الذي رصد هذا الخائن في صفوف الجهاز البريطاني والذي لم يكن إلا جورج بليك, وهو ضابط متوسط الرتبة كان قد ألحق بمركز الشرق الأوسط للدراسات العربية لدراسة اللغة العربية. في ذلك الوقت كانت ذكريات الظل الطويل الذي ألقاه كيم فيلبي على الجهاز البريطاني بأسره لا تزال حية في النفوس والأذهان, وبدا احتمال وجود جاسوس آخر كبير في الجهاز البريطاني شيئا مثيرا للقلق الشديد بالنسبة للـ (سي. آي. ايه) الأمر الذي خفف من تأثير قيام هارولد شيرجولد بزيارة واشنطن في 25 يناير 1961 حيث أبلغ جو بوليك ضابط الـ (سي. آي. ايه) الذي يدير القسم (اس. آر. 9) المسئول عن العمليات داخل الاتحاد السوفييتي بأن ضابطا يدعى أوليج بنيكوفسكي ينتمي إلى الجهاز السوفييتي المعروف باسم الـ (جي. آر. يو) قد اتصل بالجهاز البريطاني طالبا التعاون معه, وبالمقابل أبلغ بوليك شيرجولد بأن هذا الضابط السوفييتي نفسه قد اتصل بطالبين أمريكيين طالبا التعاون مع الـ (سي. آي. ايه) . وهكذا وعلى الرغم من مخاوف الـ (سي. آي. ايه) من التسربات الأمنية في الجهاز البريطاني فقد قرر الجانبان التعاون في عملية إدارة هذا الضابط السوفييتي كعملية مشتركة. الأرض الخراب عندما عاد جورج بليك إلى مقر قيادة الـ (ام. آي. 6) في مباني برودواي في السادس من ابريل 1961 بادر إلى التحقيق معه شيرجولد وليكي وضابط شرطة سابق هو بن جونسون, ويحدثنا المؤلف ان الرجال الثلاثة راحوا يصفون في (صمت مذهول) على حد تعبيره عندما انفجر بليك بعد سلسلة من التحقيقات التي لم تفض إلى شيء قائلا: (لم يعذبني أحد, لا, لم يبتزني أحد! وإنما بادرت بنفسي بالاتصال بالسوفييت وعرضت عليهم خدماتي من تلقاء ذاتي!) . وفي ضوء ان بليك كان خائنا ايديولوجيا, فإن التفسير الذي طرحه أدى إلى افراز أسوأ أشكال التحامل الموجودة في الـ (ام. آي. 6) . وقد اعتبر نيكولاس إليوت أحد ضباط الجهاز ان هناك ثلاثة أشكال من الخيانة هي على حد تعبيره (الاقتناع السياسي أو النزعة المثالية التي توضع في غير موضعها, والقابلية للرشوة, والتعرض للابتزاز) . غير ان بليك بحسب رؤية اليوت كان يتدرج في بند آخر هو (ضحايا شكل من أشكال عقدة الرونية. حيث ان بليك, مرة أخرى على حد تعبير اليوت: (أراد أن يثبت لنفسه ان فردا لا أهمية له من أصول مختلفة بامكانه أن يصبح شخصا ذا حيثية في الشئون العالمية) . وكان بليك ينحدر من صلب أب يهودي. كان بليك قد كشف النقاب عن المئات من الجواسيس الغربيين بما في ذلك (ترتيب الاشتباك) الخاص بجهاز الـ (ام. آي. 6) بكامله, وزود جهاز الـ (كي. جي. بي) السوفييتي بتفاصيل دقيقة تتعلق بعمليات سرية للغاية كان تنفيذها يجري بالاشتراك مع الـ (سي. آي. ايه) وإذ أدرك ديك وايت رئيس الجهاز البريطاني مدى الاحراج الذي يمكن أن يواكب محاكمة بليك فإنه لم يرغب في البداية في المضي قدما بمحاكمته, غير ان الحاجة لامعان النظر في رد الفعل الأمريكي كان لها الاعتبار الأول. ووافق وايت بكثير من التردد على محاكمة الرجل الذي حول الأرض التي يتحرك عليها جهازه إلى أرض خراب بالمعنى الحرفي للكلمة. وسرعان ما تبين انها محاكمة سياسية, تم خلالها (طبخ) الحكم على بليك من جانب رئيس الوزراء هارولد ماكميلان والمدعي العام البريطاني سير رنجبالد مانجهام بولر وكبير القضاة لورد باركر, وحتى وايت أعرب عن شعوره بـ (الصدمة) حيال الحكم على بليك بالسجن لمدة اثنين وأربعين عاما وهو الحكم الذي أصدره لورد باركر في أوائل مايو 1961. وقد تعاطف بعض الأمريكيين مع محنة وايت في البداية, وابدوا استعدادهم لدعم تأكيده ان التغييرات الأمنية الضرورية قد أجريت في حومة المخابرات. غير ان جيمس أنجلتون رئيس قسم مكافحة الجاسوسية في الـ (سي. آي. ايه) كان قد اقترح بالفعل في مواجهة حالة استقطاع من ضباط الـ (ام. آي. 6) أن يحشد الجهازان قدراتهما في مجال مكافحة الجاسوسية في وعاء واحد في لندن. وبعد اعتقال بليك أعرب الأمريكيون صراحة عن خوفهم من انكشاف عملية بنكوفسكي لكن الطابع الحرفي لأداء شيرجولد طمأنهم وهكذا فإن بنكوفسكي لدى وصوله إلى لنن في 20 ابريل بصفته رئيسا للجنة مشتريات سوفييتية اجتمع معه ضابطان أمريكيان يتحدثان الروسية بطلاقة هما بوليك وجورج كسفالتر وضابطان من الـ (ام. آي. 6) هما شيرجولد ومايكل ستعركس. وفيما بين 25 ابريل والسادس من مايو 169c عقدت اجتماعات بين بنكوفسكي وضباط المخابرات بلغت 17 اجتماعا, وبلغ اجمالي عدد ساعاتها 52 ساعة أعقبتها زيارة ثانية استمرت في الفترة من 18 يوليو حتى السابع من أغسطس عقد خلالها 13 اجتماعا أفرزت 1200 صفحة هي نتاج تفريغ تسجيل كل ما قاله كما قدم 111 فيلما وعشرة آلاف صفحة من تقارير المخابرات. كانت هذه المعلومات تنتمي إلى نوعية فذة بحيث ان وايت قرر استغلالها حتى نهاية المدى من خلال لجنة مخابرات مشتركة بهدف محدد هو رفع سمعة الجهاز لدى الوايتهول. غير ان مجلس الوزراء رفض الاعتماد على هذه المعلومات أو الوثوق بها, وان كان خبراء وزارة الدفاع قد اختلفوا مع هذا التقويم, وأكد الـ (ام. آي. 6) لواشنطن ان أمانة الرجل تمت البرهنة عليها. وفي واشنطن كان الرجل الأكثر حماسا لبنكوفسكي هو جيمس انجلتون أبرز دعاة وجهة النظر القائلة ان كل السوفييت الهاربين إلى الغرب هم عملاء مزدوجون. وكان من أبرز المعلومات التي قدمها بنكوفسكي قوله (ان الانذار المبكر هو الهدف الرئيسي الذي تسعى إلى تحقيقه المخابرات السوفييتية) . وبالتبعية, وفي ضوء أزمة برلين, أصبح الانذار المبكر بالتحركات السوفييتية قضية كبرى للـ (ام. آي. 6) والـ (سي. آي. ايه) على السواء. وفي أغسطس 1963 أسفر تقويم لوضع بنكوفسكي عن تأكيد خلاصة مفادها ان عمليته كانت (العملية السرية الكلاسيكية الأعظم نتاجا التي قدر لها أن يجريها جهاز الـ (سي. آي. ايه) والـ (ام. آي. 6) ضد هدم سوفييتي على الاطلاق) . خفايا فيتنام غير ان مثل هذا التعاون الايجابي بين الجهازين لا ينبغي أن يحجب عن عين المراقب اليقظ ان الـ (ام. آي. 6) كان ينحدر تدريجيا - ربما في انعكاس مباشر لوضعية بريطانيا نفسها - إلى مرتبة ثانية, ويبدو هذا بشكل جلي في أزمة الصواريخ في كوبا. وفي جنوب شرق آسيا ستمتد نوعية أخرى من الأحداث تختلف عن تلك التي جرت على المسرح الأوروبي أو في الشرق الأوسط, ومن المهم أن نتذكر انه في يناير 1965 قام المؤلف بريان كروزير بالاستعانة بمصادر عالمية سرية بنشر كتابه المناصر لجهاز الـ (ام. آي. 6) بعنوان (جنوب شرق آسيا في حالة فوران) والذي أوضح فيه ان الحرب في فيتنام الجنوبية كانت تسيطر عليها تماما هانوي وجيش فيتنام الشمالية. وشدد على انه (على الرغم من كل نداءات بكين من أجل التحرك الثوري في جنوب شرق آسيا فإن من الملاحظ انه ليست هناك إلا أدلة محدودة للغاية على التوغل الشيوعي الصيني فيما يعرف بحركات التحرير في المنطقة) . ويمضي كروزير عقب ذلك ليقدم مسردا بالأمثلة التي اكتشف فيها جهاز الـ (ام. آي. 6) ان الصينيين كانوا (راضين تماما بترك الشيوعيين الآخرين مثل الفيتناميين والبورميين وصينيي سراواك يلتقطون لهم الكستناء من النار) . وهاجم الأمريكيين لعجزهم عن ادراك ان بكين كانت تحارب موسكو بقدر ما كانت تحارب الغرب, وان الرجل نفسه يمكن أن يكون شيوعيا ووطنيا في وقت واحد, وانتقد واشنطن بشكل خاص لاعتمادهم على (الرجال الأقوياء) الطغاة المحليين الذين تمثلت أوراق اعتمادهم في شيء واحد هو كونهم معادين للشيوعيين. وعلى الأرض كان ضباط الـ (ام. آي. 6) على علاقة طيبة مع نظرائهم في الـ (سي. آي. ايه) وخاصة رئيسا المحطتين في سايجون وهما جون ريتشاردسون وبيتردي سيلفا الذي كان يشارك في أساسيات تحليلات الـ (ام. آي. 6) . وفي واشنطن كان ريتشارد هلمز في مقر قيادة الـ (سي. آي. ايه) يعارض بقوة نظرية الدومينو التي قال بها الرئيس جونسون, وذهب إلى القول ان الولايات المتحدة يمكنها الانسحاب من فيتنام من دون خسارة جنوب شرق آسيا بأسره أو المخاطرة بالكثير في اطار الحرب الباردة. ولم تكن وجهات نظره موضع ترحيب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض. وفي مارس 1965 بدأت الولايات المتحدة قصفها الذي لا يقوم على مبدأ الرد على العمليات لفيتنام الشمالية في اطار العملية التي عرفت باسم (الرعد المددي) وانزلت العناصر الأولى من قواتها المسلحة في فيتنام الجنوبية. ويتذكر وزير الدفاع البريطاني دنيس هيلي, الذي زعم انه لم يتلق من الـ (ام. آي. 6) أي معلومات مخابرات أو عمليات تقويم حول تجنب الالتزامات في فيتنام الضغط الأمريكي على بريطانيا لمساعدة واشنطن في مجهودها الحربي بقوله: (ان الولايات المتحدة بعد محاولاتها على امتداد ثلاثين عاما اخراج بريطانيا من آسيا... تحاول الآن يائسة ابقاءنا هناك, وخلال حرب فيتنام لم ترغب في أن تكون البلد الوحيد الذي يقتل الشعوب الملونة على أرضها) . كانت تلك هي الفترة التي وضع جهاز الـ (ام. آي. 6) يده في القفاز مع الـ (سي. آي. ايه) للقيام بعمليات قذرة من قبيل محاولة تصفية الرئيس الاندونيسي أحمد سوكارنو. وبالتعاون مع جهاز المخابرات السرية الاسترالي شنت مجموعة عمل من الجهاز البريطاني ست عمليات ضد اندونيسيا من بينها عمليات تزوير أريد بها غرس الانشقاق والخلاف في صفوف الحزب الشيوعي الاندونيسي القوي وتجنيد العناصر المعتدلة في الجيش الاندونيسي. وفي 30 سبتمبر 1965 اغتالت مجموعة من ضباط الجيش الاندونيسي ذوي الميول اليسارية والموالية للرئيس سوكارنو عددا من الجنرالات الذين ساد الاعتقاد بأنهم بسبيلهم للقيام بمحاولة انقلاب ضده. وفي غمار الفوضى التي أعقبت ذلك انتهزت مجموعة من ضباط الجيش الفرصة للتحرك بقيادة جنرال سوهارتو للاستيلاء على السلطة والاطاحة بسوكارنو والانقضاض على الحزب الشيوعي الاندونيسي, وكتب سير اندرو جيلكرست السفير البريطاني لدى جاكرتا وضابط المخابرات السابق برقية للخارجية البريطانية في الخامس من اكتوبر 1965 يقول فيها (ان القليل من اطلاق النار سيكون بداية جوهرية للتغيير) . غير ان تلك المرحلة وما سبقها أيضا شهدا الكثير من قيام واشنطن بحجب الحقائق عن لندن, فعلى سبيل المثال لم يكشف الرئيس الأمريكي جون كنيدي ابدا للحكومة البريطانية عن عدد (الخبراء) الأمريكيين في فيتنام, وعندما عرفت لندن الحقيقة سادت دوائر المسئولين فيها مشاعر الصدمة العميقة. لكن ذلك لم يمنع المشاركة البريطانية مع الأمريكيين في فيتنام وفي غيرها من ارجاء آسيا. ويشير المؤلف إلى انه على الرغم من ان (خبراء) الدفاع البريطانيين قد نفوا ان رجال جهاز الـ (اس. ايه. اس) البريطاني قد عملوا في فيتنام في أي مرحلة من المراحل الا ان مجلة الجهاز (مارس اند مينرفا) لم تتردد في أن تنشر في يونيو 1969 صورة سرجنت ديك ميدوز وهو يتلقى وسام النجمة الفضية تقديرا لخدمته في فيتنام. وقام رجال الـ (اس. ايه. اس) بتدريب عدد من رجال القوات الخاصة الأمريكية على أساليب القتال في الادغال في غابات بورينو. وشق رجال الجهاز نفسه طريقهم إلى مدرسة التدريب في سايجون حيث قام بتدريب القوات الفيتنامية الجنوبية. ومن هونج كونج التي كانت معقلا للمساهمة البريطانية في حرب فيتنام انطلقت رحلات جوية سرا حاملة شحنات من الأسلحة الفيتنامية وبالتحديد من النابالم الحارق والقنابل زنة خمسمئة رطل. وعلى ذمة المؤلف فإن أهم مساهمة بريطانية في المجهود الحربي البريطاني في فيتنام ربما كانت عمليات الرصد البريطانية في محطة ليتل ساي وان في هونج كونج حيث عملت الفرق البريطانية ساعات اضافية طويلة لامداد الأمريكيين بمعلومات المخابرات التي يطلبونها وبالرصد الشامل للتحركات العسكرية الفيتنامية الشمالية, وقد استخدمت القيادة العسكرية الأمريكية هذه الحصيلة في توجيه الضربات بالقاذفات إلى فيتنام الشمالية. قنبلة مانديلا ينتقل بنا مؤلفنا إلى نقطة أخرى مهمة, تظل في اعتقادنا جديرة بالتوقف عندها طويلا وتأملها, من دون أن يعني ذلك أن نأخذ ما يقوله هنا على علاقه, فهو يشير إلى ان عمليات مطاردة الخونة في داخل أجهزة المخابرات التي كانت نتاجا ثانويا من نتائج الخلاف بين واشنطن ولندن حول جنوب شرق آسيا قد أدت من الناحية الفعلية إلى شل العمليات التي تقوم بها أجهزة المخابرات الغربية داخل الاتحاد السوفييتي خوفا من الاختراق. وبالمقابل أحرزت عمليات جمع معلومات المخابرات والعمليات الميدانية نشاطا أكبر خارج المدار السوفييتي. ويكشف لنا المؤلف النقاب عن انه بعد كارثة السويس أجريت تحقيقات غير رسمية من جانب جهاز الـ (ام. آي. 6) أدت إلى المزيد من الاهتمام من جانب الجهاز بالقارة السوداء, خاصة في ضوء ان جورج يونج و(أصدقاءه) اليمنيين, على حد تعبير المؤلف الذي تبنوا نظرة شديدة العنصرية من افريقيا والافريقيون قد آمنوا بنظرية المؤامرة فيما يتعلق بتحرك السوفييت في افريقيا. وعلى الرغم من ذلك فإن موقف لندن الرسمي في هذا الشأن كان قوامه ان (الشيوعية في صفوف الحركات السياسية الافريقية لم تترك أثرا كبيرا) وان فكرة عموم افريقيا يمكن تجاهلها. وعلى الصعيد العملي ركز جهاز الـ (ام. آي. 6) في اطار حركة في أرجاء المسرح الافريقي في مكافحة الجاسوسية بما في ذلك الاختراق للمنظمات التخريبية الفعلية أو المتوقع قيامها. هنا, بالضبط في صفحة 721 من كتاب دوريل, يلفت المؤلف نظرنا إلى ان انطوني فيرير يلاحظ ان الـ (ام. آي. 6) قام بهذا الاختراق بحذق وخيال محلق بحيث ان أهداف السياسيين الوطنيين الأفارقة غدت معروفة بدرجة كبيرة من الدقة, وهو يلمح إلى ان الكثير ممن سيصبحون قادة ورجالات حزب واحد في افريقيا كانوا (قريبين) من المكتب الافريقي الذي زود الحكومة البريطانية بمعلومات هي بمثابة خلفية دقيقة مستمدة من مصادر المخابرات عن الحركات الوطنية الافريقية, وكدليل على فائدة المكتب الافريقي وجدواه فإنه لم يوضع تحت اشراف الفرع الخاص والـ (ام. آي. كي) . ويشير فيرير إلى (التجنيد الفعلي) لتوم مبويا, زعيم الاتحاد الافريقي الوطني الكيني المعتدل, وجوليوس نيريري من الاتحاد الافريقي الوطني الذي نظر إليه جهاز الـ (ام. آي. 6) على انه (قائد افريقي بارز) فاز في انتخابات ,1960 وهاستنجز باندا من نياسا لاند الذي اكتسح حزب مؤتمر مالاوي الذي ينتمي إليه انتخابات 1964. وكينيث كاوندا من شمال روديسيا وجوشوا نكوما من جنوب روديسيا. ويقول المؤلف ان (هؤلاء العملاء ذوي النفوذ) قد أمدهم جهاز الـ (ام. آي. 6) بالارصدة السرية, وانهم أوجدوا نمطا لم يتغير إلا قليلا على امتداد السنوات. ويمضي دوريل مشيرا إلى ان قائد الاتحاد الوطني للاستقلال التام لانجولا (يونيتا) جوناس سافيمبي, الذي كان وثيق الاتصال بمبويا قيل أيضا انه تم تجنيده. وفي 1963 اختير سافيمبي رئيسا لمجموعة من ممثلي حركات التحرير في منظمة الوحدة الافريقية أخذ رأيها في تشكيل اللجنة التي ستقوم بعمليات التنسيق وجمع التبرعات لدعم الحركات الوطنية. ومن زملائه في اللجنة كان هناك كاوندا ونكومو. وقد أصبح سافيمبي مرتبطا بصفة خاصة بشركة لونرو التي شملت إدارتها ضباطا كبارا في الـ (ام. آي. 6) مثل بنكولاس اليوت وبول بولسون الذي تصادف انه خلف بروس لوكهارت في رئاسة مكتب افريقيا. هنا ليسمح لي القارئ بأن أفتح قوسين لاقتطف بالضبط وحرفيا ما يقوله مؤلفنا في صفحة 722 في السطر الرابع عشر من أعلى الصفحة ولنقرأ معا هذا النص: (كان نلسون مانديلا زعيم المؤتمر الوطني الافريقي صيدا آخر لـ (ام. آي. 6) قبل أن يودع السجن في الجنوب. وليس من الواضح ما إذا كان مانديلا قد تم تجنيده في لندن قبل سجنه في جنوب افريقيا, ولكن المفهوم انه في رحلة أخيرة للندن قام بزيارة سرية لقسم التدريب في الـ (ام. آي. 6) ليشكر الجهاز لمساعدته في احباط محاولتي اغتيال تم القيام بهما للقضاء عليه بعد توليه منصب الرئيس) . سأقفل بالنقطة التي ختمت بها السطر السابق هذا المقتطف من هذا الكتاب العجيب لأترك القارئ لتأملاته, وربما لأغرق بدوري في تأملاتي, حيث لم يبق في أجندة نقاشنا المطول لما يطرحه المؤلف إلا بندا واحدا لا غيره... ما هو المستقبل الذي ينتظر الـ (ام. آي. 6) في عالم تنزاح التغيرات على امتداده بهذه السرعة البالغة؟ تأليف: ستيفن دوريل ، عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين