تمادى الاسلاميون في السودان في استخدام جميع انواع الاسلحة المشروعة وغير المشروعة في حربهم الضروس التي اشعلوها وعجزوا عن اطفائها متناسين في معمعة الصراع كل الاعراف والقوانين التي كانت تحكم الخصومة السياسية وتميز بها الشارع في السابق. فبعد ان برعوا في استخدام اسلحة الملفات وكشف المستور وهتك عرى تنظيهم الحاكم بدأت محاولة عبثية لجر المجتمع السوداني الذي ظل قابعا في مقاعد المتفرجين الى مسرح الحرب الاهلية بل العنصرية وذلك عبر كتاب مجهول المصدر مثير للجدل تم توزيعه الاسبوع الماضي بمساجد العاصمة الخرطوم. واثار الكتاب العديد من الاسئلة وانقسم المثقفون حوله بين مؤيد ومعارض ومتحفظ بشأن ما ورد فيه من اتهامات لشمال السودان بالسيطرة على مقاليد الثروة والسلطة. ووصف الكتاب, الذي لم يحمل اسم مؤلفه, الحكومات السودانية المتعاقبة بحكومات (الجلابة) وهم تجار الشمال المستثمرين في مناطق الغرب والجنوب وأورد الكتاب احصاءات وارقاما عن الرؤساء والوزراء الذين تعاقبوا على حكم السودان وصب جام غضبه على ولايتي نهر النيل والشمال داعيا بصورة واضحة الى تقسيم السودان الى كيانات جهوية وعنصرية. وتنامى همس بان د.علي الحاج محمد نائب الامين العام للمؤتمر الوطني الحاكم ومجموعة من المقربين من حسن الترابي الامين العام هم خلف هذا الكتاب الذي صدر في صورة فاخرة. وتوج الترابي الزعيم الاسلامي المثير للجدل ذلك الهمس معترفا في المؤتمر الصحفي الذي عقده مؤخرا بأن اسلوب الكتاب يؤكد انه وضع بواسطة تلاميذه. وقال الترابي في اخطر اعتراف له (به نفس اسلامية ولا علاقة لي به ولكنه ظاهرة ايجابية وقد حوى احصائيات مقيدة) . واضاف: (انه لو كان يعرف مؤلفيه لنصحهم بالكشف عن اسمائهم وادارة الحوار حول القضية بعيدا عن الاتهامات وتحميل المسئولية لجهة معينة خصوصا الاوئل الذين اتوا بالاستقلال. وحمل الكتاب المثير للجدل عنوان (اختلال ميزان السلطة والثروة في السودان ـ الكتاب الاسود.. الجزء الاول) الغلاف حمل صورة لميزان العدالة وهو بائن الاختلال حيث ترجح الكفة التي كتب عليها 1.2 مليون نسمة تلك التي كتب عليها 28 مليون نسمة للدلالة على ان الاقلية تستأثر بمصالح الاغلبية في البلاد. ولايعد (الكتاب الاسود) كما اطلق عليه اصحابه الاول الذي ناقش هذه القضية ولكن تميز عن المؤلفات السابقة لانه اعتمد الشكل الاحصائي ولغة الارقام في سرده لما اسماه للظلم الواقع على الولايات الغربية والجنوبية. وقال المؤلف المجهول في مقدمته (ان هذا السفر جاء بعنوان الكتاب الاسود اختلال ميزان تقسيم الثروة والسلطة في السودان) والذي تقدمه وثيقة عن اداء الانظمة السياسية في تاريخ السودان الحديث, وهو ليس بالكتاب التحليلي الناقد الصادر عن اهواء واغراض التحامل على فئة او جهة انما هو كتاب راصد للواقع عارض للحقائق المجردة الموثقة التي لا تنكرها العين ولا تخطئها البصيرة) . وحاول الكتاب ايراد احصاءات لممارسات الانظمة المتعاقبة على السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم وخصص النصيب الاكبر للفترة منذ 1989 حتى اليوم الامر الذي جعل الحكومة تهاجمه وتعتبره محاولة لزرع الفتنة العنصرية وتأجيج نيران الجهوية والقبلية. وهاجم د.مجذوب الخليفة والي الخرطوم الذي شكك الكتاب في سودانيته ونسبه الى اثيوبيا الكتاب بعنف ووصف مؤلفه بالعنصرية وعدم الموضوعية مبينا ان ما ورد في الكتاب لا يمت للواقع السوداني بصلة, وقال ان الحال في الولايات الشمالية يظهر مدى كذب وتضليل مؤلف الكتاب مشيرا لفقرها وخلوها من المشروعات التنموية. ويبقى السؤال الذي يبحث عن اجابة: لماذا صدر هذا الكتاب الاسود في هذا الوقت بالذات؟ وهل هو محاولة لجرالمجتمع لفتنة عنصرية؟ ويضاف الى هذا ان ما صدر عن الجماعة التي سمت نفسها (قوى السودان المتحد) وهي على علاقة ايضا بحزب المؤتمر الحاكم تصب في ذات الاتجاه وان كانت جاءت من رحم حزب الامة المعارض لكنها ترتد الى ابناء غرب السودان ايضا. الخرطوم ـ عثمان فضل الله