أسرار ليلة القبض على مصدق ، أربعة دروس تخرج بها المخابرات البريطانية من عملية أجاكس يكاد يكون من المستحيل تقريبا على أي كاتب أو باحث يكتب عن أحداث الانقلاب الذي أطاح بحكومة دكتور مصدق أن يرضي قراءه, وستيفن دوريل ليس استثناء من هذه القاعدة التي لا تزال تفرض حضورها بقوة على الرغم من انقضاء نصف قرن تقريبا على هذا التطور العاصف, فالقراء - شأنهم في كل زمان ومكان - يسعون إلى الوصول إلى الحقائق التي حجبت عنهم, وهي كثيرة بينما الكاتب أو الباحث لا يملك إلا تقديم ما توفر له أو ما يطرحه من المنظور الذي اختاره أو من الزاوية التي وفق في الاطلال منها. وستيفن دوريل يطل على الحدث الكبير من منظور جهاز الـ (ام. آي. 6) وعبر زاوية الـ (سي. آي. ايه) . وهي مهمة - كما سنرى حالا - تكاد تكون مستحيلة الأداء. وربما للتدليل على ذلك يمكننا أن نشير إلى ان البريطانيين يتحدثون عن هذه العملية بالاسم الرمزي (بوت) . بينما الأمريكيون يتحدثون عن عملية تحمل الاسم الرمزي (اجاكس) . ولسوف نرى كيف ان المؤلف لا يتردد في التأكيد أن لندن دارت ولفت ونفخت وطبخت, بينما واشنطن أرسلت كرميت روزفلت ليستعرض عضلاته في طهران وليلتهم الطبخة, وهي والعة, كما يحلو للبعض التعبير, وان هذه الحقيقة سرعان ما ستعكس نفسها في لحظة الصدق, لحظة تقسيم الغنائم والتهام الكعكة النفطية. ولكن دعنا لا نقفز إلى النتائج, ولا نحرق المراحل, وإنما نتابع رواية مؤلفنا العتيد من حيث توقفنا, فقد سبق لنا أن رأينا كيف انه يتحدث عن ذراعين طويلتين للخطة التي أعدها البريطانيون للاطاحة بمصدق, الذراع الأولى تتمثل في التنظيمات المدينية بما في ذلك كبار ضباط الجيش والشرطة وأعضاء المجلس والتجار والصحفيين ورجال السياسة القدامى وقادة الجماعات الغوغائية. أما الذراع الثانية فهي قادة القبائل في الجنوب. الجائزة الاستراتيجية في الثاني من ديسمبر 1952 حمل مونتي رودهاوس وسام فول وجهات النظر البريطانية لمناقشتها مع مسئولي الخارجية الأمريكية. ويتذكر سام فول ما جرى في هذا اللقاء بقوله: (انطلقنا لاقناع الأمريكيين بأننا لن نصل إلى حل مع مصدق وأن بقاءه في السلطة هو أمر بالغ الخطورة بالنسبة لمصالح كل منا, وأيضا لكي نحدثهم بالقليل مما يلقي الضوء على الوسائل المتوافرة لدينا لتغيير الحكومة) . ووفقا لرواية رودهاوس لوقائع الاجتماع فإنهما وجدا الخارجية الأمريكية في البداية بعيدة عن التعاطف, و(تلقيا استقبالا باردا) . وعلى الرغم من ذلك فإن فول شعر بأنه (بعد أن تحدثنا بعض الوقت, تقبلوا أن بقاء مصدق في السلطة من شأنه أن يفضي بالفعل إلى سيطرة شيوعية على مقاليد البلاد) . وبعد قليل من التردد تبين أن رد فعل الـ (سي. آي. ايه) ايجابي. ويقول جون بروس لوكهارت ضابط الـ (ام. آي. 6) المقيم في واشنطن ان الـ (سي. آي. ايه) كانت في البداية مترددة في التآمر مع البريطانيين في ايران, ولكن بعد بعض التحريض الدبلوماسي أدرك المسئولون ان ايران (جائزة استراتيجية) . ويقول مونتي رودهاوس انه سرعان ما تبين ان الـ (سي. آي. ايه) مهتمة للغاية بايران, ولم يكذب كرميت روزفلت خبرا, فالتقى وهو في طريقه إلى طهران بممثلين عن الـ (ام. آي. 6) في لندن بمن في ذلك جون سنكلير رئيس الجهاز, والذي طرح عليه اقتراحا واضحا وصريحا بالتعاون بصورة مشتركة في اسقاط مصدق, وأعقبت ذلك سلاسل من الاجتماعات مع رودهاوس ودبيشاير ومستشار الخارجية البريطانية المعاون لرئيس الجهاز جورج كلاتون, وقد كان هؤلاء هم الذين أشرفوا بصفة جوهرية على خطة (بوت) . وبسرعة اكتشف روزفلت ان جهاز الـ (ام. آي. 6) قد وضع مسودة خطة لخوض المعركة وانهم على حين توقعوا ان يواجهوا مشكلات سياسية إلا انهم لم يروا داعيا لتعطيل المضي قدما بالخطة. ويصور الدعم الأمريكي لخطة (بوت) الفرق بين إدارتي ترومان وأيزنهاور, فبينما حرص ترومان غالبا على دعم الحكومات الوطنية غير الشيوعية من منطلق الشعور بأن درجة ما من التغير الاجتماعي هي أمر حتمي وان من الممكن تحقيقها في قنوات تتفق مع مصالح أمريكا, وهي الفئة التي يمكن إدراج مصدق فيها, فإن الإدارة الجديدة قد مالت إلى النظر إلى الحركات الاصلاحية باعتبارها مثيرة للاضطرابات ويحتمل أن تقع فريسة للشيوعيين. ومن الصحيح كذلك ان أعضاء إدارة ايزنهاور كانوا أشد وضوحا بكثير في دعمهم لمصالح أنشطة الأعمال الكبيرة التي تكمن وراء الخطاب المعادي للشيوعية. وكان وزير الخارجية الأمريكي الجديد جون فوستر دالاس يحب بصفة خاصة ان يمزج أنشطة الأعمال الكبيرة بالسياسة الدولية, بينما حرص اخوه آلان بصفته مديرا للعمليات في الـ (سي. آي. ايه) على التأكد من دعم هذه العمليات للمصالح الاستراتيجية. ويلفت المؤلف نظرنا هنا, وكأنه يضع خطوطا بقوة تحت السطور إلى ان جون فوستر دالاس وجون ماكلوي الذي كان رئيسا لبنك تشيز مانهاتن قد قاما بجولة إلى الشرق الأوسط, شجعا خلالها شركات النفط من خلال قروض البنك وتسهيلاته ذات الفائدة المحدودة على حفر المزيد من آبار النفط, وكنتيجة لذلك فإن شركات النفط أصبحت الآداة الفعالة للسياسة الأمريكية في المنطقة, وبينما تعاملت الخارجية الأمريكية مع (مشكلة) اسرائيل فإن شركات النفط بالتعاون مع المخابرات الأمريكية تعاملت مع العرب وايران. وكان مهندس هذه السياسة هو الجيولوجي النفطي السابق هربرت هوفر ولا أحد غيره. وليس من قبيل الصدفة انه في فبراير 1953 قام بيرز ديكسون نائب وكيل الخارجية البريطانية في فبراير 1953 بتجميد الخطط البريطانية التي تصب في العملية (بوت) لا لشيء إلا ليتم بعثها على يد فريق (بوت) في واشنطن. حيث اتفق الجانبان البريطاني والأمريكي على أن يكون كرميت روزفلت القائد الميداني لعملية الاطاحة بمصدق وأن يتولى جنرال زاهدي رئاسة الوزراء خلف مصدق. غير ان الأحداث انطلقت سراعا, فقد ذكر انه في منتصف فبراير وعد زاهدي بأنه في حالة وصوله إلى السلطة فإنه سيوجد (جنوبا حرا في ايران) يمكن فيه القبائل باختيار أن تحظى بالاستقلال الذاتي, وبلغ الحماس في أعقاب ذلك بعدد من رجال هذه القبائل وأعضاء اتحاد الضباط المتقاعدين حد المبادرة بالهجوم على طابور للجيش الايراني في مقاطعة خوزستان مما أدى إلى سقوط الكثير من الضحايا. رد مصدق, على الفور, بالقاء القبض على زاهدي والمتآمرون معه, وفي غمار الفوضى التي أعقبت ذلك استبد الذعر بالشاه, فأعلن انه سيقضي عطلة في الخارج. وفي 27 فبراير اندلعت الاضطرابات وهاجم حشد كبير من أنصار زاهدي مقر مصدق مطالبين بدمه. وقد أفلح مصدق في الهرب, وتمكنت وحدات من الجيش من استعادة السيطرة, لكن الحقيقة التي بدت جلية للعيان هي ان الحياة السياسية الايرانية عادت مرة أخرى إلى الشارع. الضوء الأخضر في 18 مارس 1953 تلقى جهاز الـ (ام. آي. 6) رسالة من واشنطن مفادها ان الـ (سي. آي. ايه) على استعداد لمناقشة التكتيكات التفصيلية للاطاحة بمصدق, وتأكد هذا الضوء الأخضر في منتصف ابريل بتلقي المزيد من الرسائل من العاصمة الأمريكية. ويبدو ان المصالح الأمريكية والبريطانية النفطية قد وصلت إلى اتفاق على انه لقاء الدعم الأمريكي في الاطاحة بمصدق فإن البريطانيين سيسمحون على مضض للشركات الأمريكية بالحصول على 40% من النفط الايراني. وجاءت الموافقة النهائية من الخارجية الأمريكية في 27 ابريل على ان جنرال زاهدي سيكون مرشحا مقبولا لتولي رئاسة الوزراء خلفا لمصدق. وفي منتصف مايو أتيح للأكاديمي العتيد رونالد ويبلور الذي يعمل لحساب الـ (سي. آي. ايه) تحت غطاء أنشطته الأكاديمية أن يعقد اجتماعات مطولة مع ضباط الـ (ام. آي. 6) في نيقوسيا قبل انطلاقه إلى بيروت ليعرض على روزفلت الخطة التي وضعها والتي ستدخل التاريخ تحت الاسم سيئ الصيت (أجاكس) . ولكن ما هو جوهر (اجاكس) ؟ ولماذا ظل عبر هذه العقود يتمتع بهذا الصيت بالغ السوء؟ يوضح ستيفن دوريل ان خطة (أجاكس) قد استهدفت ايجاد (موقف ومناخ في طهران يجبران الشعب على الاختيار بين مؤسسة مستقرة, هي الملكية وبين المستقبل المجهول الذي قدمه مصدق. وإذا ما تم حسم هذا الخيار فإنه سيكون لصالح الملكية) . وتصورت الخطة كذلك فرض ضغط على الشاه لتأمين اصدار مرسوم امبراطوري بطرد مصدق وآخر بتعيين جنرال زاهدي رئيسا للوزراء. وفي 25 يونيو 1953 تم ابعاد ضباط الـ (سي. آي. ايه) المعارضين للخطة, وصدرت اشارة الانطلاق بتنفيذها في اجتماع عقد برئاسة وزير الخارجية الأمريكي العتيد جون فوستر دالاس, وحضره أخوه آلان ومدير الـ (سي. آي. ايه) بيديل سميث, الذي اشتهر بميله إلى تأييد خطط العمل السري ونائبه هـ. فريمان ماثيوز, وروبرت يورن, وتشارلز ولسون وهنري بايرود ولوي هندرسون السفير الأمريكي لدى طهران. وفي يوليو وصل تشرشل إلى ان الأوان قد آن لتحرك حاسم وأعطى التفويض للقيام بتنفيذ العملية (بوت) . وفي 19 يوليو 1953 عبر كرميت روزفلت الحدود العراقية إلى ايران تحت الاسم المستعار جيمس لوكريدج وأصدر أمره بالابقاء على وجوده سرا حيث بقي مع ضابط من ضباط الـ (سي. آي. ايه) في (دار آمنة) في الجبال. وكما يتذكر مونتي رودهاوس الموقف فإن المشكلة كانت في (اقناع الشاه العصبي بالقيام بدوره الذي سيتمثل في التوقيع على مرسومين أو فرمانين, أحدهما يقضي بطرد مصدق والآخر بتعيين زاهدي مكانه) . ومن منظور المتآمرين فإن المشكلة كانت ان الشاه ضعيف وغير واثق بالمرة بما يتعين عليه القيام به أو من الذي يتعين عليه أن يمحضه ثقته, غير انه بدون تأييده فإن العملية ما كان يمكن لها أن تتوج بالنجاح. في غضون ذلك انطلقت حملة الدعاية التي أعدها رونالد ويبلور والموجهة ضد مصدق. وكتب ريتشارد كوتام مقالات تزعم وجود تأييد شيوعي قوي لمصدق بينما أطلق جيمس بويزنهام الكاتب اليميني الذي كلفه روزفلت بمهمة حملة شعواء على رئيس الوزراء الايراني. وهنا يأتي دور الأخت التوأم لشاه ايران, الأميرة أشرف بهلوي, حيث أقنعها رجال الـ (ام. آي. 6) والـ (سي. آي. ايه) بالعودة من الخارج إلى طهران لاقناع الشاه بأن الخطط المعروضة عليه تحظى بتأييد لندن وواشنطن معا. ويقول نورمان دبيشاير الذي تولى مهمة اقناع أشرف بهلوي مع الأمريكي ليفتنانت كولونيل ستيفن إلا انه عندما أعطاها رزمة هائلة من النقود (التمعت عيناها بوميض حاد) . وهكذا وصلت أشرف بهلوي إلى طهران سرا في 25 يوليو واستقبلها الشاه, غير ان اللقاء بينهما وصف بأنه (عاصف) . ويتذكر من كانوا خارج القاعة خلاله انهما سمعا التوأم يتبادلان الصياح, ويشير رودهاوس إلى انهما: (لم يكونا على انفراد, ومن هنا فإنه من المشكوك فيه ما إذا كانت قد نجحت في نقل أي نوع من الرسائل إليه) . وبعد خمسة أيام غادرت أشرف بهلوي عائدة إلى جنيف, شاعرة بأنها قد أفلحت في تغيير موقف أخيها. وفي الأول من أغسطس وصل كولونيل نورمان شوارزكوف - والد قائد التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية - إلى طهران علنا وغادرها بعد يومين, التقى خلالهما بالشاه الذي رفض الالتزام بالمشاركة في المؤامرة, لكنه وافق في النهاية على دعم خطة المتآمرين, بشرط أن تؤكد أمريكا وبريطانيا ضلوعهما في الخطة من خلال رسالة خاصة تبث عبر الاذاعة. أعطى الرئيس ايزنهاور اشارة الانطلاق النهائية للخطة (اجاكس) في الثامن من أغسطس بعد أن بدأ مصدق محادثات تجارية مع الاتحاد السوفييتي وجرى الترتيب لعدم قيام خدمة الأخبار التي تبث بالفارسية من هيئة الاذاعة البريطانية ببدء ارسالها بالكلمات المعتادة (الآن انتصف ليل لندن) وإنما تبث بدلا منها الكلمات (الآن بالضبط انتصف الليل) . ولدى سماع الشاه لهذه الكلمات غادر مع زوجته إلى مقره الذي يستخدمه خلال رحلات الصيد والمطل على بحر قزوين حيث وقع مرسومين, أو فرمانين بالاحرى, على بياض, بحيث تتم كتابة مضمونهما في وقت لاحق, بحيث يتضمن احدهما اقالة مصدق والاخر تعيين جنرال زاهدي رئيسا للوزراء. ليلة القبض على مصدق في اليوم المحدد اصلا للانقلاب وهو 13 اغسطس انطلقت الشائعات لتتحدث عن انقلاب وشيك, وانعكست في اليوم التالي في مقال نشرته احدى الصحف تحدث كاتبه عن (انشطة مريبة في طهران لعملاء اجانب خلال الاسبوعين الماضيين مع نظرائهم الداخليين توضح ان تنظيما سريا يعمل بيأس ضد حكومة مصدق وان الامريكيين والبريطانيين لم يفقدوا بعد ثقتهم بدور ورقتهم الاخيرة. تحدد موعدا جديدا للانقلاب هو 51 اغسطس, ليكون اليوم الذي يتعين فيه اعتقال وزير الخارجية السيد فاطمي, ورئيس الاركان جنرال الرياصي لاطلاق المقاومة المدنية والعسكرية من عقاليهما. وتم بالفعل اختطاف فاطمي وتهديده بالاعدام ولكن المتأخرين فشلوا في اعتقال الرياصي, وفي اليوم نفسه تم تحذير مصدق من تحرك وشيك من قبل ضابطين شابين من الحرس الامبراطوري, واتصل به هاتفيا موظف مدني متقاعد من وزارة المالية يدعى محمد حسين اشتياقي كان اقاربه على علاقة وثيقة بالبلاط الامبراطوري, وابلغه بتفاصيل الخطة. وبانذار العسكريين مسبقا على هذا النحو حركوا الدبابات لتضرب طوقا امنيا محكما حول دار مصدق, وفي العاشرة من صبيحة اليوم التالي وعندما وصل قائد الحرس الامبراطوري في طهران كولونيل نعمة الله ناصري حاملا الفرمان الامبراطوري لاعتقال رئيس الوزراء كان مصدق على تمام الاستعداد لاستقباله حيث بادر جنرال الرياصي إلى اعتقاله. قام ارنست بيرون, سكرتير الشاه وزميل دراسته في سويسرا, بابلاغه بالقاء القبض على كولونيل نعمة الله ناصري, ونصحه بمغادرة ايران, ولم يكن الشاه, حسب تعبير المؤلف, بالرجل الذي خلق لمواجهة الازمات أو لاتخاذ القرارات الصعبة و(دفعه استعداده الطبيعي للمغادرة وترك الامور تجري في اعنتها من غيره) . هكذا لاذ الشاه بالهرب مع الامبراطورة في طائرة ذات محرك واحد إلى منتجع رامسار, ومنه نقلا جوا إلى بغداد على متن طائرة يقودها الملازم محمد خاتمي الذي تزوج اخت الشاه في وقت لاحق وعين قائدا لسلاح الجو الامبراطوري, ومن بغداد طار إلى روما التي بقى فيها على اتصال بمندوبي (الام. اي. 6) و(السي اي ايه) . في غضون ذلك انطلق مصدق في حملة بحث عن جنرال زاهدي ومطاردة للمرتبطين بناصري, لكن زاهدي كان قد نقل إلى قبو دار ضابط في (السي. اي. ايه) , هو فريد زيمرمان. وفي واشنطن ساد الاعتقاد بأن المؤامرة قد اخفقت, ويحدثنا ويبلور بأنه حضر العديد من الاجتماعات التي اتخذت فيها قرارات بالغاء عملية (اجاكس) وساد شعور بالاكتئاب واليأس مقر قيادة (السي. اي. ايه) . وفي هذه الاجواء التقى السفير الامريكي لدى طهران بمصدق لتبادل نقاش محترم وصريح على حد تعبيره, وأبرق عقب اللقاء إلى جون فوستر دالاس يقول ان مصدق بدا خلال الاجتماع على يقين من ان الامريكيين قد تآمروا مع البريطانيين عليه في محاولة للاطاحة به لكن الحركة الوطنية مصممة على البقاء في السلطنة في ايران وستواصل الصمود حتى آخر رجل, حتى ولو داست الدبابات الامريكية والبريطانية على اعضائها. وتمثلت الحركتان التاليتان على رقعة شطرنج (اجاكس) في شن حرب نفسية ضاربة على مصدق وعلى اليسار الايراني من ناحية وفي انزال (القبضايات) إلى شوارع المدن الايرانية, واستمرت المظاهرات حتى 17 اغسطس, فما كان من مصدق إلا ان طلب من حزب توده ابعاد رجاله عن الشارع, ولكن المتآمرين دسوا العناصر الموالية لهم في المظاهرات التي استمرت على توهجها. من منظور المؤلف فان خطأ مصدق الكبير كان تعيين جنرال دفتري للتعامل مع الاضطرابات والمظاهرات, بينما كان الرجل حليفا لجنرال زاهدي, وقد بادر على الفور إلى وضع قوات الامن في خدمة المتمردين, وشهدت هذه المرحلة دفع جماعات غفيرة مأجورة للقيام بمظاهرات تأييد للشاه. هنا تختلط الحقائق بالاساطير, ويشير المؤلف إلى ان من اساطير الانقلابية ان المتظاهرين الذين حملوا صور الشاه قادهم شعبان جعفري, الاختصاصي في هذا النوع من الانشطة, بينما كان الرجل مودعا في السجن ولم يطلق سراحه الا بعد سقوط مصدق. ويزعم لوى هندرسون السفير الامريكي لدى طهران ان مصدق اخرجته من السلطة حركة جماهيرية استاءت من السلوك السيىء الذي بدر من العناصر المناهضة للشاه والمؤيدة لمصدق, لكنه في ضوء ما نعلمه اليوم فان هذا الزعم كان ابعد ما يكون عن الدقة, فعندما بدأت المظاهرات في اسقاط تماثيل الشاه برهن ذلك على انه نقطة تحول تضخمت مثل كرة الثلج حسبما اريد لها, وعندما ادرك حزب توده ان هذه الجموع مصطنعة ومهندسة سياسيا ابعد كوادره عن الشارع ولكن بحلول ذلك الوقت كان ثلاثمئة مدني قد لقوا مصرعهم دهسا باقدام المتظاهرين. هكذا اعد المسرح لظهور جنرال زاهدي حيث استولى المتمردون على الاذاعة التي وصل اليها زاهدي على متن دبابة حيث كان في انتظاره قادة المؤامرة, وعقد مؤتمرا صحفيا اعلن فيه انه رئيس الوزراء الجديد, ووزع نسخا من الفرمان الامبراطوري بتعيينه في هذا المنصب, وهكذا انحسر مد ايام الشموخ. في أصيل اليوم نفسه طوقت قوات المتمردين مقر مصدق, والقى القبض على جنرال الرياصي, وصادف رجال جنرال الدفتري نائب الرياصي وهو جنرال كياني في ضواحي المدينة فجردوه من سلاحه. وتم اقناع مصدق بمغادرة مقره الذي سقط في الساعة الثامنة مساء في يد المتمردين الذين انطلقوا ينهبون الدار ويدمرون محتوياتها, وفي صبيحة اليوم التالي تم رصد مصدق واعتقاله في نادي ضباط الجيش. لمن اكاليل الغار؟ عندما طار الشاه عائدا إلى طهران في 22 اغسطس بكل ابهة الانتصار زاره السفير الامريكي هندرسون, فوجده (رجلا مختلفا) اكثر ثقة بنفسه واشد تفاؤلا, وحيا الشاه روزفلت بقوله: (إنني مدين بعرشي لله, لشعبي, لجيشي, ولك, وبالطبع لمساعدك السري الذي لن اذكره بالاسم) . وقد افترض ضمنا ان هذا المساعد السري هو مايلز كوبلاند, وخلافا لما درج عليه كوبلاند من تباه فانه كتب يقول ان هذه الاشارة كانت عن غير استحقاق وان النصر كان يعود بكامله إلى روزفلت, وفي حقيقة الامر ان دور كوبلاند كان محدودا, وفي طريق روزفلت عائدا إلى واشنطن توقف في لندن ليسرد القصة كاملة على مسامع تشرشل, وفي البيت الابيض وضع ايزنهاور وسام الامن القومي على صدر روزفلت, وكتب عليه يقول في وقت لاحق: لقد عمل بذكاء وشجاعة وبلا هوادة, وقد اصغيت إلى تقريره المفصل وبدا لي اقرب إلى رواية خيالية منه إلى حقيقة تاريخية) . وبقيت تكلفة الانقلاب موضع جدال ونقاش, فقد تم دفع حوالي مئة الف للمتظاهرين في الايام الاخيرة, وسلمت التسعمئة الف التي لم تنفق والمخصصة اصلا لهذا الغرض لنظام زاهدي. وحسب الرواية البريطانية فان الانقلاب تكلف سبعمئة الف جنيه استرليني, وذلك على الرغم من ان تقديرا احدث اتيح للقائمين به الاتصال بالمشاركين والاطلاع على تقارير (السي. اي. ايه) قد حدد التكلفة بما يتراوح بين عشرة ملايين دولار إلى عشرين مليون دولار. ويظل الخلاف محتدما بين الباحثين حول ما اذا كان من الممكن لمصدق ان يواصل البقاء سياسيا لو انه لم يتعرض للانقلاب. ويتساءل المؤلف لمن ينبغي ان تعطى اكاليل الغار عن هذا المشروع؟ وهل في معرض محاولة الاجابة ينقل عن الكاتب الايراني امير طاهري تأكيده ان (السي. اي. ايه) كانت الشريك الاصغر فيما كان بالاساس مؤامرة بريطانية ضد مصدق. وهو يشير إلى ان هذا التصور يلتقي مع تقدير جهاز (الام. اي. 6) على نحو ما عبر عنه كريستوفر اندرو بقوله: (لم يقر روزفلت بما يتجاور كثيرا مجرد الظهور في ايران بأرصدة (السي. اي. ايه) لتشجيع عملاء كان الانجليز قد قاموا بتنظيمهم بالفعل ثم اطلقوهم لكي يسيطر عليهم البريطانيون) . ومن المهم هنا ان نتأمل ما يقوله المؤلف من عدم اعتراف الامريكيين بالدور الاكبر الذي قام به (الام اي 6) قد استمر في اثارة الغضب في الصدور سنوات طويلة, تماما كما هي الحال بالنسبة للحقيقة القائلة ان (السي. اي. ايه) لم تشارك الا (بعد ان قررت واشنطن ان سياسة العمل مع بريطانيا لاستعادة سلطات الشاه وضد بريطانيا لزيادة نصيب امريكا في نفط الشرق الاوسط هي حقا مزيج سليم من الدبلوماسية والتجارة) . بعد الانقلاب, بالطبع, كانت الخطوة الاولى هي تسوية النزاع النفطي, وكان هربرت هوفر اول مسئول امريكي يصل إلى طهران بعد الانقلاب ويتولى المسئولية ـ بينما البريطانيون يقفون على الهامش ـ عن التفاوض حول الكونسرتيوم الجديد الذي سمح بدخول الشركات النفطية الامريكية إلى ايران, واشار الشاه في هذا الصدد إلى أن (أي جميل اسدته (السي اي. ايه) سيتم دفع مقابله نفطا على نحو ملائم) . هكذا اعيد تقسيم الاحتياطيات النفطية الايرانية, لصالح الشركات الامريكية, والشركات الاربع الأم (وهي جيرسي, سوكوني, تكساس, وسوكال) الداخلة في الكونسرتيوم الذي ابرم الصفقة الايرانية (جنبا إلى جنب مع شركة جلف) هي نفسها التي عقدت صفقة التقاسم على اساس خمسين في المئة مقابل خمسين في المئة مع السعودية. وفي الكونسرتيوم الجديد احتفظت شركة النفط الانجلو ايرانية التي غيرت اسمها إلى بريتش بتروليوم بنسبة 40% وتلقت مبلغ 34.5 مليون جنيه استرليني بالاضافة إلى 10% من كل برميل من النفط الايراني يتم تصديره إلى ان تحصل على مبلغ10 ملايين جنيه استرليني, وذلك على سبيل التعويض. ولا يتردد المؤلف في تأكيد ان الانقلاب قد اعطى نتائج فورية وتجاهل العواقب بعيدة المدى ويشير إلى انه اذا نظرنا إلى مشروع (اجاكس) في ضوء هذه الحقيقة لتبين لنا انه كارثة حقيقية. ولا ينسى المؤلف ان يخبرنا بان روزفلت قد شعر بالاسف على المصير الذي حاق بدكتور محمد مصدق, فرتب له ان يتلقى معاشا بعد ان اودع في غياهب السجن ثلاث سنوات من اجمالي الحكم الصادر ضده وان هذا الرجل الرمز قد توفى في عام 1967 عن اربعة وثمانين عاما. ويحدثنا ستيفن دوريل اخيرا عن اربعة دروس خرج بها جورج يونج وغيره من ضباط (الام. اي. 6) من عملية (بوت ـ اجاكس) , وهذه الدروس هي: * على الرغم من فرار كيم فيلبي إلى موسكو فان (السي. اي ايه) ظلت تثق بالبريطانيين وتحترمهم بحيث تشاركهم في العمليات الخاصة. * صغار ضباط (السي. اي. ايه) اكثر تعاطفا مع السياسة الخارجية البريطانية من وزارة الخارجية الامريكية. * ان التجربة فرضت على (الام. اي. 6) ان تقوم بايجاد جهاز العمل السياسي الخاص للقيام بهذا النوع من العمليات. * ان القيادة البريطانية لابد لها من الحرص على الحيلولة دون تردي مكانة بريطانيا في العالم وبصفة خاصة في مصر. وفيما يبدو انه تلويحة وداع في هذا القسم من كتابه لا ينسى مؤلفنا العتيد ان يشدد على انه إلى حد ما وعلى الرغم من (الاساطير) الرائجة في هذا الشأن فان مصر كانت اهتماما ثانويا من منظور بريطانيا, فما أرادت بريطانيا حمايته حقا هو دورها في العراق وامتدادا في الكويت, حيث تترامى حقول النفط التي تسيطر عليها الشركات البريطانية. تأليف: ستيفن دوريل ، عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين