أكد يفجيني بريماكوف رئيس الوزراء الروسي الأسبق الذي يزور الامارات حاليا ان منطقة الخليج ستظل محتفظة بمكانتها المميزة كمصدر للنفط في الربع الأول من الألفية الثالثة, وقال ان الحديث عن بدائل أخرى للنفط أكذوبة. وقال في الندوة الحوارية التي شاركه فيها مجموعة من السياسيين والمثقفين العرب، بدعوة من مؤسسة الامارات للاعلام ان واشنطن فشلت في حل مشاكل المنطقة, وان خروج ايران من عزلتها ينعكس ايجابيا على احتلالها لجزر الامارات الثلاث. من جانبه, قال وزير الخارجية المصري الأسبق مراد غالب الذي اشترك في التعقيب على اطروحات بريماكوف ان سياسات واشنطن بالمنطقة تقوم على تدبير (توتر محسوب) وانه لو ساد الاستقرار المنطقة لن يكون هناك مبرر للوجود الأمريكي, واشار من جهة اخرى الى ان موقف المحافظين في ايران ـ وهم قوة ما زالت فاعلة ـ مراوغ. بدوره قال السفير اللبناني السابق غسان تويني ان أمريكا تحاصر دول المنطقة بفكي كماشة طرفاها اسرائيل وتركيا. وساهم السفير الأمريكي بالدولة بقوله ان لا أحد بالخليج يريد عودة صدام قويا. فيما أكد الدكتور محمد عبيد غباش استاذ العلوم السياسية بجامعة الامارات ان دول الخليج تلجأ الى الحماية الأمريكية مكرهة. وفي بداية اطروحته امس انتقد بريماكوف سياسة القطب الواحد والمتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي الجديد بعد انتهاء الحرب الباردة بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقا. ودعا بريماكوف الى ضرورة تأسيس النظام العالمي الجديد على اساس أيديولوجية موضوعية تتمثل في التعددية القطبية وافساح المجال أمام دور جديد لكل من روسيا وأوروبا للعمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج واحلال السلام في الشرق الأوسط. جاء ذلك في ندوة (القوى العظمى وأمن الخليج وسلام الشرق) التي نظمها أمس بفندق أبوظبي انتركونتننتال مركز الدراسات والمعلومات العربية والدولية التابع لمؤسسة الامارات للاعلام والتي شارك فيها بالتعليق والحوار كل من الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق والدكتور عدنان أبوعودة المستشار السابق للعاهل الأردني والدكتور عزيز الحاج السفير العراقي الأسبق في الامم المتحدة وعضو المجلس التنفيذي لليونسكو الأسبق وغسان تويني السفير في الخارجية اللبنانية ورئيس تحرير جريدة النهار اللبنانية والدكتور محمد عبيد غباش استاذ العلوم السياسية بجامعة الامارات. وقد ادار الندوة الدكتور عامر التميمي مدير مركز الدراسات والمعلومات العربية والدولية وحضرها أحمد علي البلوشي المدير العام المساعد لمؤسسة الامارات للاعلام وعدد كبير من السفراء واعضاء السلك الدبلوماسي والباحثين ورجال الاعلام والمسئولين. أهمية النفط وتحدث بريماكوف في البداية عن القوى العظمى ومستقبلها في الخليج وامن الخليج والرؤية الروسية الجديدة بالاشارة الى معضلة قضية جزر الامارات المحتلة وابعادها ومنظومة دول مجلس التعاون الخليجي والعلاقة مع ايران والعراق من المنظور الروسي. واشار في بداية حديثة الى اهمية منطقة الخليج الاقتصادية باعتبارها مورداً رئيسياً للنفط وتمتلك احتياجات هائلة مشيرا الى ان المنطقة ستظل تكتسب مكانة مميزة في الربع الاول من الالفية الثالثة كمصدر رئيسي للنفط والغاز, وذكر ان نادي روما أخفق حينما اعلن في عام 1972 ان الاحتياطي النفطي العالمي والذي يقدر بحوالي 500 مليار برميل سوف ينتهي مع حلول عام 1999 ولكن هذا لم يحدث على الرغم من الاستهلاك العالمي للنفط وصل الى حوالي 600 مليار برميل خلال تلك الفترة وان الاحتياطي العالمي يقدر الآن بحوالي تريليون برميل. وأكد انه مع حدوث ازمة الطاقة في السبعينيات كان يعتقد انه مع حلول عام ألفين سوف يتم استخدام انواع اخرى من الطاقة (بديلة) وكان هناك اعتقاد بأن العنصر النووي سيتم التوسع في استخدامه خلال الربع الاول من القرن العشرين ولكن هذا لم يحدث بعد؟! وأكد ان المنطقة سوف تزداد اهميتها كمنطقة نفطية هامة سواء من حيث الانتاج او الاحتياطي العالمي وخاصة بالنسبة لاسواق جنوب شرق آسيا في حال توجه أمريكا لاستهلاك النفط الغربي حتى نفط بحر قزوين لم يتم الاستفادة منه بعد. وأكد في هذا الصدد على اهمية قيام الدول الكبرى بالتعاون فيما بينها لترسيخ الاستقرار في المنطقة مشيرا الى وجود مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وأوروبا ودول المنطقة نفسها. فشل أمريكي بالمنطقة وانتقل بريماكوف للحديث عن موقف الولايات المتحدة الأمريكية وانتقد سياسة القطب الواحد وانفراد أمريكا بطرح الحلول لمشاكل المنطقة مؤكدا ان هذه الحلول فشلت ولابد من السعي لايجاد حلول واقعية جديدة مشيرا الى ان النظام العالمي الجديد لابد ان يتم تأسيسه على اسس ايديولوجية موضوعية تقوم على التعددية القطبية. وذكر ان أمريكا لا تربطها علاقات جيدة مع ايران والعراق وليبيا وهي باعتبارها اقوى واكبر دولة من الناحية العسكرية والاقتصادية كانت تحاول ولا تزال خلال السنوات الماضية ان تحل مشاكلها مع الأنظمة التي لا تروق لها باستخدام القوة الأمر الذي ادى الى تعطيل الدور الحقيقي الفاعل للامم المتحدة, وقال ان ما يحدث في العراق من غارات وضربات مستمرة هو انعكاس لتأسيس نظام القطب الواحد أو القطب الاطلسي. وقال بريماكوف ان روسيا الاتحادية ترى ان هذا الخط السياسي غير صحيح ويهدف الى تأسيس علاقات تعتمد على التعددية القطبية في العلاقات مع الدول, وقال لقد تحدثت في ذلك كثيرا مع مادلين اولبرايت وقلت لها لابد ان تضيئوا نهاية الطريق المظلم وان تقدموا حلولا للكثير من المشاكل في العالم, مشيرا الى موقف أمريكا من صدام حسين قد زاده قوة واتجاه بعض الدول الى اعادة التمثيل الدبلوماسي مع بغداد, كما فعلت الامارات مؤخرا موقف مؤثر وفي غاية الجدية كما ان المطالب المستمرة برفع العقوبات عن العراق وفشل مهمة لجنة التفتيش الدولية بقيادة ريتشارد باتلر انما يدل على فشل السياسة الأمريكية تجاه العراق, فأسلوب القوة لا يعطي أي آثار فعالة ويهدد الاستقرار العالمي ولابد من البحث عن اسلوب جديد! وانتقد بريماكوف ايضا موقف أمريكا من ايران وقال ان اللعبة السياسية والبداية من الصغر لم تعد صالحة الآن ويقصد بذلك محاولة أمريكا الحالية التقرب من ايران ومحاولة اعادة علاقتها معها على ضوء بوادر نجاح الاصلاحيين. واشاد بريماكوف في هذا الصدد بموقف روسيا واقامتها لعلاقات طيبة مع ايران ومن ثم المانيا الاتحادية. وقال ان طريق البداية من الصفر وجد أثناء المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقا والآن هذه اللعبة غير موجودة. واضاف: ونحن نرحب الآن بكل الخطوات التي تخرج ايران من عزلتها.. لان العداء الأمريكي للعراق اذا استمر في ظل التقارب الأمريكي الايراني فيمكن ان يؤدي ذلك الى بروز موقف سياسي جديد قد يؤثر على الامن والاستقرار في المنطقة نافيا ان يفضي ذلك لامكانية تغيير العلاقة بين أمريكا والمملكة العربية السعودية باعتبار الاخيرة احدى القوى الثلاث الموجودة في المنطقة الى جانب ايران والعراق. الجزر الاماراتية ويرى بريماكوف ان خروج ايران من العزلة قد ينعكس بالايجاب لحل قضية الجزر الاماراتية وقال ونحن الآن نرى ان هناك محاولات من طهران لتحسين العلاقات مع الامارات الأمر الذي قد يؤدي الى حل القضية. وانتقد بريماكوف موقف أمريكا من حل قضية الجزر وذكر ان أمريكا لم تبذل اية جهود حثيثة لدعم موقف الامارات لحل قضية الجزر قبل وبعد سقوط الشاه وحتى الآن! وقال انني لا أجد اجابة على هذا السؤال المتعلق بالموقف الأمريكي من الجزر. واشار الى عدم قيام أمريكا بالمساعدة لحل هذه القضية لوجود مبرر لتواجدها العسكري في المنطقة وانها قد تبحث عن براهين جديدة في المستقبل. وأكد ان روسيا مثلها مثل أمريكا تريد ان يتحقق الاستقرار لهذه المنطقة ولكن باسلوب يختلف تماما عن الاسلوب الأمريكي! التوتر المحسوب الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق ورئيس منظمة تضامن الشعوب الافريقية الآسيوية من جانبه أكد ان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة تقوم على اساس التوتر المحسوب او الاحتواء المزدوج وقال لو ساد الاستقرار في المنطقة فان الوجود العسكري الأمريكي لن يكون له مبرر, مؤكدا ان سياسة أمريكا في المنطقة تقوم على اساس الاحتواء المزدوج لكل من ايران والعراق. وأكد ان التيارات المحافظة في ايران ما زالت قوية ومؤثرة وان موقفها من الجزر الاماراتية لا يزال مراوغا. واعرب عن أمله في ان يؤدي التيار الجديد الاصلاح المنشود لتغيير الاوضاع في ايران وتحسين العلاقات مع دول الجوار في المنطقة مؤكدا ان الخليج لن يتغير الا اذا تغيرت الافكار والعقليات في ايران والعراق حيث تعتبر كل منهما نفسها قوة عظمى في المنطقة. واشار الدكتور مراد غالب الى ان سباق التسلح يؤدي الى عدم الاستقرار في دول المنطقة ويحرمها من استغلال ثرواتها في إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنشودة. الأمن الاقليمي وتساءل الدكتور عدنان ابو عودة المستشار الأسبق للملك عبد الله بن الحسين ملك الاردن عن المخرج من الوضع الراهن والبحث عن نظام جديد يحقق الامن الاقليمي للمنطقة وأكد في البداية ردا على حديث بريماكوف ان الموارد النفطية في منطقة الخليج هي مصلحة عالمية وليست مصلحة أمريكية او غربية وان تحقيق الامن والاستقرار في دول المنطقة لابد ان يتأتى منها نفسها وحتى اللحظة الحالية فان الامن الاقليمي للأسف يأتي من الخارج وللأسف هناك تنافس اقليمي داخلي بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة.. فالصغير يخشى الكبير! وما زالت توجد قضايا الحدود العالقة والتي هي من مخلفات الاستعمار. وتساءل الدكتور عدنان كيف يمكن اللجوء لمخرج جديد يحقق الاستقرار والامن لمنطقة الخليج مثل معاهدة او مؤتمر دولي مثلا! الشأن العربي وأكد المفكر والسفير السابق في الخارجية اللبنانية غسان تويني ورئيس تحرير جريدة النهار اللبنانية على اهمية العودة الى نظام عالمي جديد يكون للعرب شأن فيه الى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والصين وأوروبا. وذكر ان أمريكا تحاصر المنطقة جيدا بفكي الكماشة وهما اسرائيل وتركيا حيث ان أمريكا تهيىء تركيا للقيام بدور اساسي يحقق مصالحها في المنطقة على حساب المصالح العربية. وحذر تويني مجددا من سباق التسلح بين دول المنطقة الامر الذي يحرمها من الاستفادة من مواردها في تحقيق التنمية المنشودة مشيرا الى اهمية تحقيق الاندماج والتعاون اكثر مما هو عليه بين دول المنطقة. عقلية الهيمنة وأكد الدكتور عزيز الحاج حيدر السفير العراقي وعضو المجلس التنفيذي لليونسكو الأسبق ان السياسة الأمريكية تجاه العراق قد فشلت واعرب عن امله في ان تتمكن ايران من التغلب على عقلية الهيمنة خصوصا بشأن استمرار احتلالها للجزر الاماراتية. وقال: أنا اعتقد ان الامن والاستقرار في المنطقة لابد وان ينبثق من دول المنطقة نفسها وأكد ان الدعوة الى نظام اقليمي جديد يشمل العراق وإيران لابد وان تأتي بعد خطوة عملية تتطلب حل جميع الخلافات والصراعات والتناقضات الموجودة. الدواء الصعب وفي مداخلة للدكتور محمد عبيد غباش استاذ العلوم السياسية بجامعة الامارات أكد ان دول الخليج اذا كانت لجأت الى الحماية الأمريكية, فإنها قد تكون لجأت الى ذلك مكرهة لأنها لا ترغب في تناول الدواء الصعب ولها العذر في ذلك, مشيرا الى ان الوضع النفطي والانفراد الأمريكي في الخليج وتوفير الحماية لدول المنطقة من باب توفير الأمن والاستقرار قد يكون السبب في بعض المنازعات الصغيرة المحسوبة والتي اشار اليها الدكتور غالب, مشيرا الى ان عوامل الثروة النفطية وقلة عدد السكان في الامارات ودول المنطقة جعلها لا تمتلك الحلول الامنية للكثير من المشكلات وتساءل كيف تعيش دول المنطقة في ظل هذه المشكلات او الاضطرابات دون ان تلجأ الى دولة كبرى وما هو البديل عن الانفراد الأمريكي لفرض هذا الدواء الصعب؟! الرأي العام وأشار الدكتور عامر التميمي في تعليقه على حديث بريماكوف الى ان أمريكا مهما بلغت من امتلاك للقوة فهي لا تمتلك ان تنفرد بقيادة العالم وفرض القوة لحل مشاكله كما ترى هي حيث ان هناك قوى الرأي العام العالمي والتي يجب ان لا يستهان بها. وفي تعليقه على حديث بريماكوف قال تيودور قطوف السفير الأمريكي لدى الدولة ان لا دولة من دول الخليج تريد ان ترى صدام حسين قويا من جديد. وذكر ان حديث بريماكوف قد غاب عنه طرح سياسة بديلة للسيطرة واحتواء سياسة صدام في المنطقة وحكمه في العراق وانه كان السبب في فرض الأمم المتحدة لهذه العقوبات وإلحاق الضرر بشعبه وبلده. وفي تعقيبه على أسئلة الحضور أكد بريماكوف ان روسيا الاتحادية تسعى لتقوية علاقاتها الاقتصادية والسياسية بالامارات وعلى اسس من الاحترام المتبادل وحماية الاستثمارات الاماراتية في روسيا. ونوه عبد الله الشيبة من مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الى التعاون الروسي الايراني الكبير وقيام روسيا بتزويد ايران بثلاث غواصات وتفعيل المفاعل النووي في منطقة بوشهر وزيادة قدراتها العسكرية. وتساءل الشيبة: اذا أمريكا لم تفعل شيء تجاه الجزر المحتلة فماذا فعلت روسيا؟ ودافع بريماكوف عن سياسة روسيا في تزويد ايران او غيرها من الدول بأسلحة الدمار الشامل. ونفى بريماكوف في رده على تساءل الدكتور نجم عبد الكريم قيام روسيا بالاتفاق مع أمريكا واعطاء اليهود حقاً أكبر في المنطقة. وقال: أرجو ألا تنسوا ان روسيا هي الدولة النووية الثانية في العالم وأمريكا تفوقت عليها بسبب تقدمها الاقتصادي. التسوية السلمية وتحدث بريماكوف خلال الجزء الثاني من الندوة عن دور العراق وايران وسوريا في اللعبة الدولية الراهنة ودور روسيا الاتحادية في التسوية بالشرق الاوسط, مؤكدا ان الصراعات في المنطقة لم تتطور الى مواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقا. وانتقد اتفاقات أوسلو وقال انها لم تحرك شيئا للأمام منذ اتفاقات كامب ديفيد بل حدث تراجع للوراء بسبب تعنت نتانياهو وأكد على اهمية الدور الروسي والفرنسي والتعاون مع أوروبا وأمريكا في احلال السلام في الشرق الاوسط, مشيرا الى ان نجاح السلام لابد ان يتم على المسارات الثلاثة الفلسطيني والسوري واللبناني وأكد ضرورة التنسيق مع سوريا عند تنفيذ القرار 425 والانسحاب من الجنوب اللبناني متوقعا ان الموقف سيكون صعبا اذا لم يتحقق ذلك! ولكنه لم يفصح عن مدى الصعوبة المتوقعة من جانب سوريا الا انه اعتبر ذلك مهما في اطار التسوية الشاملة للصراع في الشرق الاوسط واحلال السلام والذي يجب ان يشارك فيه الجميع ـ على حد قوله ـ الى جانب الولايات المتحدة الأمريكية.