ذراعان طويلتان تمتدان للقضاء على مصدق ، جذور الانقلاب الانجلو امريكي غرستها مقالة نشرتها (التايمز) اللندنية يدرك مؤلفنا ستيفن دوريل استحالة رسم صورة دقيقة لخمسين عاما من العمليات الخاصة لجهاز الـ (ام. اي. 6) في الشرق الاوسط دون ايضاح تفصيلي لدور هذا الجهاز في الاطاحة بدكتور محمد مصدق فيما يعد تطورا من اكثر التطورات التي شهدها الشرق الاوسط خطورة, ومن هنا فانه يكرس الفصل الثامن والعشرين من كتابه لهذا الموضوع, ويمضي على امتداد اثنتين واربعين صفحة في سرد وقائع ما جرى في هذا المنعطف الحزين والدامي من تاريخ الشرق الاوسط. غير ان من الطبيعي ان يتساءل القارىء بغير قليل من الفضول عما اذا كان سيصادف على امتداد هذه الصفحات اسرارا جديدة لم تنشر من قبل, فواقع الامر ان عملية الاطاحة بمصدق والتطورات التي اعقبتها قد شهدت اهتماما يكاد يكون استحواذيا من جانب الكتاب والمؤلفين والمؤرخين وبعض من شاركوا في تفاصيل الانقلاب, بحيث اسفر هذا كله عن جبل صغير من الادبيات المتعلقة بهذا الموضوع, وليس من قبل الصدفة ان صحيفة (النيويورك تايمز) قد طالعت قراءها قبل ايام قلائل بتقرير مطول كتبه دونالد ويلبور احد مهندسي هذه العملية, وظل طي الكتمان إلى ان كشف النقاب عنه مؤخرا. وعلى الرغم من ان القارىء يظل في نهاية المطاف, الحكم الاخير على اي مادة ومدى جودتها وجديتها وفائدتها, الا انني اعتقد ان (عظم) المؤامرة التي اطاحت بمصدق وعلى الرغم من انه يبدو لنا هيكلا متكاملا لأول وهلة لا ينقصه شىء الا ان التدقيق فيه يؤكد ان هناك قطعا شديدة الحيوية لاتزال محتجبة عن انظارنا. واذا كان الامر كذلك بالنسبة للعظم فما بالنا بالتفاصيل والدقائق التي تكسو هذه العظام لحما؟ ووجاهة علامة الاستفهام هذه هي التي تدفع ستيفن دوريل إلى مراكمة حشد هائل من التفاصيل, أزعم ان بعضه جديد بالمرة حتى بالنسبة للاختصاصيين ومن انفقوا شطرا طويلا من اعمارهم عاكفين على متابعة هذه القضية وما دار في فلكها, وهو ليس بالقليل. أصل الحكاية كل من له ادنى معرفة بتاريخ النفط في الشرق الاوسط يعرف الحقيقة البسيطة القائلة بأنه على حين يروج الامريكيون لفلسفة المصلحة المشتركة في التعامل مع عوائد نفط الشرق الاوسط, مع فرض تفسيرهم الخاص, بالطبع, للمقصود بالمصلحة المشتركة, وهو ما وصل بهم إلى طرح صيغة المناصفة التي توجت بالاتفاق مع السعوديين, كان البريطانيون يروجون لفلسفة اخرى قوامها التعبير العامي (اذا كان عاجبكم) بمعنى ان الطرف البريطاني يحدد نسبة اقتسام العائدات وعلى الطرف الاخر ان يقبل بها كأمر واقع والا ساءت العاقبة. ولم تكن ايران استثناء من هذه القاعدة ففي عام 1950 حققت شركة النفط الانجلو ايرانية ارباحا بلغت 170 مليون جنيه استرليني, كان قدر ليس باليسير منها يشق طريقه إلى الحكومة البريطانية في صورة ضرائب, اما الحكومة الايرانية فلا تتلقى الا ما يتراوح بين 10% إلى 12% من اجمالي العائدات الصافية. وينقل مؤلفنا عن نورمان دربيشاير ضابط جهاز (الام. اي. 6) المقيم في طهران ان رئيس الوزراء الايراني جنرال علي رضا مارا عندما تعرض للاغتيال في 7 مارس 1951 كان في جيبه اول اتفاق بين الحكومة الايرانية وشركة النفط الانجلو ايرانية يتضمن النص على اقتسام العوائد بنسبة 50% لكل طرف. ولكن كان واضحا ان عرض الشركة جاء اقل كثيرا من المطلوب ومتأخرا كثيرا عن الوقت الحاسم, لانه بعد ذلك بثمانية ايام اقر (المجلس) أو البرلمان الايراني ما دعا اليه دكتور محمد مصدق في صورة قانون تتضمن الفقرة الاساسية فيه والتي لا يضم القانون غيرها تأميم الشركة. بعد ذلك بوقت قصير, اصبح دكتور محمد مصدق رئيسا لوزراء ايران وصدق شاه ايران في 2 مايو 1951 على القانون, وتحول مصدق إلى الرجل الذي تتحمس له قطاعات عريضة من الجماهير الايرانية وتعجب اشد الاعجاب بتصميمه الحاسم على تخليص ايران مما نظر اليه على انه النفوذ الاجنبي المسئول عن نشر الفساد. والواقع ان مصدق كان ينظر اليه على انه سياسي نزيه, مهتم بصورة حقيقية بالقضايا الاجتماعية, وطرح الكثيرون فيما يتعلق به وجهة النظر القائلة انه كان الحاجز الذي يعوق انتشار الشيوعية في ايران ومن ثم سائر ارجاء الشرق الاوسط, ولكن مشكلته مع البريطانيين تمثلت فيما تصوروا انه السلوك المسرحي الذي يتبناه, وموهبته الخطابية غير المفهومة, واندفاعاته الهستيرية, وهذه الصفات كلها لم تحببه لا إلى مسئولي شركة النفط ولا إلى عتاة الخارجية البريطانية. ولكن ألا تذكرنا هذه الصفات بنظيرتها التي سنسمعها تتردد بعد اقل من عام على ألسنة مسئولي الخارجية البريطانية وهم يتحدثون عن جمال عبدالناصر؟ الن تتحول ـ مثل اسطوانة مشروخة ـ إلى التعبيرات المفضلة عند مسئولي الشركة العالمية لقناة السويس البحرية؟ أيا كان الامر, فان ستيفن دوريل يؤكد لنا ان جذور انقلاب اغسطس 1953 ضد دكتور محمد مصدق يضرب جزوره بصورة جزئية في مقال نشر مع حذف اسم كاتبه في صحيفة (التايمز) اللندنية في 22 مارس, وقد لفت هذا المقال الانظار إلى ما وصفه بالصراع الداخلي في المجتمع الايراني والذي طفا على السطح في الخلاف حول النفط. وجاء في المقال: (كان المجتمع الفارسي على امتداد سنوات طويلة في حالة من اختلال التوازن, وعدم الاستقرار هذا يمكن ان يرجع في احد جوانبه إلى تنافس القوى الكبرى, ولكن بشكل اكثر تجذرا إلى اختلال التوازن الذي يضرب جذوره, على حد زعم مؤلف هذا المقال, في (غباء الطبقات الحاكمة في فارس وطمعها وافتقارها إلى التقدير السليم للامور) . واشار إلى انتشار المحسوبية, وإلى الطابع الطفيلي للحكومة وإلى الخدمة المدنية الكبيرة التي تتلقى رواتب متواضعة وينتشر الفساد في صفوفها, وان الثروة سيئة التوزيع تتركز في ايدي طبقة ملاك الاراضي والتجار والشريحة العليا من البيروقراطية وذوي الرتب العليا في الجيش, ومن يودون ادخال الاصلاح في المجتمع الايراني (يواجهون الخيار بين كارثة ثورية أو نظاما طغيانياً مستنيرا) . واوضح المقال ان التوتر بين الاغنياء والفاسدين, والشرائح الاخرى من السكان قد ارتفع إلى مستوى الاندفاع ضد السيطرة الخارجية, وهكذا اصبحت شركة النفط الانجلو ايرانية كبش الفداء. ولقى هذا المقال اهتماما كبيرا في دوائر الخارجية البريطانية باعتباره تحليلا ممتازا للقضايا الداخلية الكامنة وراء المطالب النفطية, ولم تكن كاتبة المقال إلا بروفيسور آن كاترين سوينفورد لامبتون استاذة اللغة الفارسية في معهد الدراسات الشرقية والافريقية التابع لجامعة لندن, والتي امضت فترة طويلة في ايران وعملت ملحقة صحافية في السفارة البريطانية في طهران خلال الحرب وهو المنصب الذي كان غالبا غطاء لضباط جهاز (الام. اي. 6) . هكذا يروننا تبنت الخارجية البريطانية استراتيجية تستلهم خطوطها العريضة من مقال بروفيسور لامبتون, وجوهر هذه الاستراتيجية هو انه لابد من التصدي لمصدق ولا مجال للوصول إلى حل وسط معه, وقد بادرت بروفيسور لامبتون إلى اقتراح ان يكون روبن رينر, المحاضر في اللغة الفارسية واستاذ الديانات الشرقية في جامعة اكسفورد في وقت لاحق, الرجل الذي ستسند اليه مسئولية شن الحملة ضد مصدق. ولم يأت هذا الاقتراح من فراغ, فقد كان الرجل احد ابرز المنغمسين في العملية الالبانية في السنوات 1949ـ 1951, وتولى منصب القائم بأعمال القنصل في طهران لكن تقارير كانت ترفع إلى وزير الخارجية وليس إلى جهاز (الام. اي. 6) . وفي غضون ذلك, وعلى الارض في طهران اصبح حزب الارادة الوطنية الذي شكله رئيس الوزراء الايراني الاسبق السيد ضياء الدين الذي اقنع البريطانيون الشاه بالسماح له بالعودة من المنفى في عام ,1943 اصبح بدعم من العلماء والتجار وملاك الاراضي والقبائل الكبرى بؤرة لقاء السياسيين اليمينيين والمعارضة لحزب توده الذي اسسته في العام السابق مجموعة من الاشتراكيين والشيوعيين الناشطين. ومع ان الخطة الامريكية بشأن ايران كانت قد بدأت في عام 1948 الا انها في واقع الامر ستلقى دفعات قوية, تثير مخاوف لندن, وليس من قبيل المصادفة ان نجد كرميت روزفلت, حفيد تيودور روزفلت, يميز بين نوعين من العلاقات بين الغرب والشرق الاوسط, هما: * النوع الاول الذي يصفه بانه امبريالي والذي يسعى الغرب في اطاره, وبصفة خاصة بريطانيا وروسيا إلى السيطرة السياسية وتحقيق الاستغلال الاقتصادي, والذي استغل البريطانيون في اطاره وضعهم لدعم اشد الجماعات فسادا. * النوع الثاني الذي يقوم على اساس المصالح المشتركة, والذي يشمل انشطة الاعمال التي يتمثل الحافز في اطارها في الربح المعقول للطرفين. وايا كانت هذه التنظيرات فان موقف الولايات المتحدة من الامبريالية الذي تطور بصورة كاملة خلال الحرب العالمية الثانية كان بمثابة قناع يخفي استراتيجية امريكية بسيطة قوامها الحلول محل بريطانيا باعتبارها القوة الاقتصادية الاولى في الشرق الاوسط. ربما لهذا, بالضبط, جاء الانزعاج الامريكي الشديد الذي ثار عندما مضى لورد ريتشارد ستوكس إلى طهران في يوليو 1951 في اطار ما عرف ببعثة ستوكس حاملا معه اقتراحا بترتيبات لاقتسام عوائد النفط تتجاوز المعادلة الامريكية بالاقتسام بنسبة 50% لكل طرف, ولم يهدأ لواشنطن بال الا بعد ان منيت بعثة ستوكس بالفشل. هنا لابد لنا من التوقف عند جزئية ربما تكون خارجة عن سياق حكاية دكتور محمد مصدق لكنها تهمنا كثيرا نحن العرب, فالمؤلف يعرفنا بجانب من العالم الفكري الذي نظر من خلاله ضباط الـ (ام. اي. 6) إلى شعوب الشرق الاوسط. ويوضح ستيفن دوريل انه في عام 1951 قام رئيس الـ (ام. آي. 6) بترقية جورج كيندي يونج ليتولى مسئولية مكتب الشرق الأوسط بالجهاز, ويأتي هذا الاختيار في اطار اعتقاده بأن عهد الصعود البريطاني بكل ما ارتبط به من وجود حاميات بريطانية في المواقع الأساسية على امتداد العالم ووجود شرطة ووكالات أمنية يديرها ضباط بريطانيون أو ضباط دربتهم بريطانيا قد انقضى للأبد وبلا عودة, وأن ضباطا من نوعية يونج يمكن أن يتحركوا بكفاءة في مرحلة التغيير هذه. وقد ذاق يونج جانبا من مرارة هذا التغيير عندما كانت سيارته تمضي به في الطريق من مطار القاهرة إلى قناة السويس وبصحبته زميل له من ضباط الـ (ام. آي. 6) هو اللفتنانت كولونيل بريان مونتجمري حيث فوجئا بالجموع الغاضبة ترجمهما بالحجارة. ويشير المؤلف إلى ان يونج كان خيارا جليا لشغل هذا المنصب المهم في الـ (ام. آي. 6) في ضوء قدراته المشهود لها كضابط مخابرات, ولكن وجهات نظره الشخصية حول عقلية الشرق الأوسط وبصفة خاصة حول العقلية العربية كان ينقصها الكثير. لم يكن يونج بالتأكيد بالرجل الليبرالي, وبتأثير من زوجته الهولندية ازدادت أفكاره تطرفا, بل وأصبحت أفكارا عنصرية, على الرغم من انه نفى بشدة اتصافها بهذه الصفة. وقد اكتشف يونج ما يصفه بـ (أنماط من الأذهان مختلفة تماما إلى حد انه يتعين عليه التخلي عن الأوصاف اللفظية التي نستخدمها تلقائيا في الخطاب الأوروبي) . وكما يوضح لنا ستيفن دوريل فإن يونج اعتقد ان العرب يعانون من ذلك.. العصاب المستمر... الذي يجعل كلمات مثل الحقيقة, والزيف, والاخلاص, والخيانة أوصافا غير مناسبة إلى حد بعيد عندما يكتب سفراؤنا تقارير عن تعاملاتهم مع حكام الشرق الأوسط) . وقد كتب يونج ـ الذي رأيناه يبرز على مسرح الأحداث في العالم العربي مرارا وسنراه تكرارا يلعب أدوارا بالغة الخطورة في مصائر الشعوب العربية - كتب يقول ان الناس في الأراضي العربية لم يتطوروا من (حيوانات صانعة للأدوات) إلى (حيوانات ناقلة للمعنى) عن طريق تصور أنساق من الرموز) . وأعرب عن اعتقاده بأنه أيا كانت (الثروة أو أشكال الرفاه التي يحرزونها سواء بذكائهم الحاد أو بثمار التطور والتجارة الغربيين فإنهم على الدوام سيصلون إلى موضع يصبح فيه التضارب بين أحلامهم وواقعهم من العظم والكبر بحيث لا يطيقون احتماله, وسيكون هناك جهد بائس لتحقيق الخلاص في بؤرة جديدة للكراهية) . وفي وقت لاحق أبلغ يونج ضباطه بأن السمة الرئيسية للعرب (هي الابتهاج البسيط بالدمار الذي يتعين على المرء أن يحس به لكي يصدقه... وليس هناك صوت أكثر مدعاة للفرح بالنسبة للأذن العربية من صوت تهشم الزجاج والمشهد الأثير لدى العربي هو مشهد المعاناة الانسانية... وبينما كانت أوروبا تبنى كان العرب ينهبون ويمزقون) . الأسلحة المدفونة عودة إلى قصة الاطاحة بمصدق يحدثنا المؤلف عما يسميه بـ (جيش مونتي) . ومونتي المشار إليه هنا ليس إلا اسم التدليل لكريستوفر مونتاجيو وودهاوس, الرئيس الجديد لمحطة الـ (ام. آي. 6) في طهران, أما الجيش المذكور فهو مجموعة (الأصول) بالمعنى المخابراتي للكلمة التي استعان بها رئيس محطة طهران في مواجهة المهام المطلوبة منه, وقد ضمت هذه الأصول ضباط مخابرات بارزين, منهم نورمان ديربشاير السكرتير الثالث بالسفارة البريطانية في طهران والذي يتحدث الفارسية كأبنائها, وجون براينس الذي التحق بالـ (ام. آي. 6) بعد خدمة مطولة في شرطة فلسطين, وكريستوفر وودز الضابط السابق بالجهاز التنفيذي للعمليات الخاصة, واليكس فورتر الضابط السابق بسلاح الجو الملكي والذي عين سكرتيرا ثالثا في السفارة البريطانية في طهران في 1951 وقام بافتتاح محطة فرعية في البصرة بالعراق, وميجور جاكسون حامل وسام ضابط الامبراطورية البريطانية والذي كشف مصدق هويته كأحد ضباط الـ (ام. آي. 6) على الرغم من انكار الخارجية البريطانية ذلك, كما كان هناك دبلوماسيان برهنا على فائدتهما هما السكرتير المساعد جون فيرنلي, وسام فول وهو مسئول شاب بالسفارة. وعلى الرغم من التحرك النشط للجهاز في هذه المرحلة إلا ان القيام بانقلاب ضد مصدق لم يكن واردا على الأجندة البريطانية في هذه المرحلة. ولكن ذلك لم يمنع الجهاز البريطاني العتيد من القيام بعمليات جمع معلومات المخابرات وما يعرف بـ (العمليات السوداء) حيث تم زرع عملاء داخل حزب توده وجربت عمليات بأسلوب العصابات, وخطط الجهاز للبث عبر اذاعة خاصة, وهي الخطوة التي حالت الضغوط الأمريكية دون تنفيذها. وصادف الحظ بريطانيا, في يوليو 1952 تجاوز مصدق قدراته, حيث سعى ليعينه الشاه وزيرا للحربية, ولكن الشاه رفض بشدة, فقدم مصدق استقالته, ويبدو ان الـ (ام. آي. 6) لعب دورا محدودا في المناورات التي أعقبت ذلك, لكن آخرين, بالطبع, كان لهم دورهم النشط. ومع عودة مصدق إلى السلطة من جديد بضغط من الشارع الايراني خلص خبراء الجهاز البريطاني العتيد ونظراؤهم في الخارجية إلى ان القيام بانقلاب, بالتعاون مع الامريكيين أصبح أمرا حتميا. وفي هذه المرحلة تبلورت خطة مبدئية ووضعها مونتي دورهاوس وتشمل حشد الأسلحة والمتفجرات لكي يقوم المتآمرون باستخدامها وقد رفض طلب نقل هذه الأسلحة والمتفجرات من قبل الخارجية البريطانية ورئاسة الوزراء على السواء, ولكن يونج ودورهاوس قررا المضي بالخطة قدما على الرغم من هذا. وعرض يونج تقديم استقالته من الجهاز لكن الرئيس الجديد للجهاز جون سنكلير أقنعه بسحبها. وقد ترك سنكلير التخطيط برمته لقسم الشرق الأوسط, حيث يقول دوبيشاير عنه: (لم يكن يعرف عن الشرق الأوسط ما يتجاوز ما يعرفه طفل في العاشرة من عمره, وعلى أي حال فإنه كان يفضل لعب الكريكيت) . تحدد المسار ومضى الـ (ام. آي. 6) في تجهيزاته. وفي الصيف أمرت قيادة الجهاز دورهاوس بتسليح القبائل الموالية لبريطانيا في شمال ايران والتي يمكن الاعتماد عليها في التصدي لغزو سوفييتي محتمل. وسعى دورهاوس للحصول على المساعدة من الملحق الجوي بيفرلي برنارد الذي كانت لديه طائرة صغيرة حلقا بها إلى قاعدة الحبانية في العراق التي كانت القاعدة الجوية الأساسية لسلاح الجو الملكي في الشرق الأوسط, وهناك حصلا على الأسلحة, وهبطا في مطار طهران بعد أن ضلا طريقهما فوق جبال زاجروس, وتألفت هذه الأسلحة أساسا من البنادق ورشاشات شتن, وانطلق بها شمالا على متن الشاحنات مجتازين طرقا فرعية, وما لبثا أن دفنا الأسلحة في حفرة قام مساعدوهما بحفرها, ووضعا معها مبالغ كبيرة من الريالات الايرانية لكي يوظفها المتآمرون في التحرك ضد مصدق. في عام 1997 تذكر دورهاوس انه (لا تزال هذه الأسلحة المدفونة في موضعها في مكان ما من شمال ايران حتى اليوم, وقد أودعت هناك على افتراض ان الحرب سوف تندلع مع الاتحاد السوفييتي) . ذراعا المؤامرة الطويلتان لم يطل الوقت بالبريطانيين لكي يدركوا ان عليهم في موضع ما من مواضع مسيرتهم الطويلة للاطاحة بمصدق يتعين عليهم أن يقوموا باطلاع الأمريكيين على خططهم. وفي وقت مبكر يعود إلى مايو 1953 قام اختصاصي بريطاني في شئون ايران بمزيد من الحذر بالحديث مع مسئولين أمريكيين في واشنطن عن امكانية القيام بانقلاب ضد مصدق وعن المرشحين المحتملين لتولي منصب رئاسة الوزراء. وفي أغسطس كتب سام فول يقول انه في غمار اقتراح الاطاحة بمصدق على الأمريكيين (أمكننا القول انه على الرغم من اننا من الطبيعي أننا نود الوصول إلى تسوية بالفعل حول موضوع النفط, إلا اننا نقدر أن الهدف الأول والأكثر أهمية هو منع فارس من التحول إلى الشيوعية) . وفي السادس من أغسطس التقى سام فول بجنرال راهدي الذي اتفق الجهاز معه على تولي منصب رئيس الوزراء بعد الاطاحة بمصدق ووجد ان الرجل (قام بزيادة نشاطه وامتلك ناصية الشجاعة لطرح نفسه مرشحا لرئاسة الوزارة في هذه الأوقات الخطرة... وقد فهمت ان لديه اتصالاته ربما غير المباشرة مع الأمريكيين, وأشرت له إلى انه لن يكون هناك ضير في اطلاع الامريكيين على ما يعتزمه) . وخلص فول إلى ان زاهدي) لا يطرح فيما يبدو بديلا لمصدق. هكذا يبدو واضحا ان الأمور وصلت إلى نقطة الصدام فها هو التعاون الانجلو - أمريكي لتنفيذ الانقلاب يتبلور وها هي البدائل تعد لتجنب حدوث أي فراغ سياسي, وفي غضون ذلك كان مصدق قد عين نفسه وزيرا للحربية وأحال إلى التقاعد عددا من ضباط الجيش الذين رأى فيهم خطرا على المسيرة الوطنية لبلاده, لكن الشاه كان يشعر بالغضب الشديد حيال ما اعتبره اغتصابا صارخا لدوره. وهنا يلقي المؤلف الضوء على جانب مهم من أحداث طهران حيث يكشف لنا النقاب عن جوانب من الاستراتيجية البريطانية, فيقول انها تمثلت في دعم سلاسل من المناورات ضد مصدق ومحاولة تقويض قاعدة التأييد التي يستند إليها وذلك بفرض العقوبات الاقتصادية على ايران, وكان رؤساء الأركان البريطانيون قد تنبأوا بأن حرمان الحكومة الايرانية من العوائد النفطية التي تشكل مصدر دخلها الأساسي من شأنه (تحقيق افلاس فارس وربما تمضي بها إلى الثورة) . وفي نهاية يوليو وصل هذا إلى حد الحصار الاقتصادي الكامل على إيران. ومضت هذه الجهود البريطانية خطوات أبعد, فقد أفلحت الاجهزة البريطانية في ضمان تعاون, بل وتجنيد عدد من مديري مصرف ايران الوطني بحيث أمكن للندن أن تعرف على وجه الدقة الموقف المالي للحكومة الايرانية. وبالتوازن مع هذه الجهود مضى المتآمرون يشقون طريقهم إلى لحظة انطلاق الانقلاب. ولم يكن مصدق غافلا عما يجري على صعيد المؤامرات البريطانية فقد علم جهاز الأمن التابع له بخطط جنرال زاهدي, وفي 13 اكتوبر صدرت أوامر بالقاء القبض عليه وعلى ثلاثة من رجال الأعمال بتهمة التآمر مع (سفارة أجنبية) ضد الحكومة وألقي القبض على اثنين من رجال الأعمال هؤلاء أما ثالثهما فأفلح في الهرب وظل طليقا حتى وقوع الانقلاب. وفي 17 اكتوبر أعلن مصدق قطع العلاقات مع بريطانيا, وهكذا اضطرت محطة الـ (ام. آي. 6) إلى الخروج من طهران واقامة (محطة منفى) في قبرص. ويكشف المؤلف النقاب عن ان الخطة التي تصاعدت الجهود المحمومة لتنفيذها للقضاء على مصدق, والتي تماثلت مع خطة تمت مناقشتها مع الأمريكيين في بيروت, شملت ما يمكن تسميته بالذراعين الطويلتين: * الذراع الأولى: قيام التنظيم المدني للانقلابيين المؤلف من كبار الضباط في الجيش والشرطة, وأعضاء المجلس والتجار والصحافيين وكبار رجال الدولة والسياسيين وقادة الدهماء بالتحرك النشط لاسقاط نظام مصدق. * الذراع الثانية: قيام زعماء القبائل في الجنوب باستعراض شامل للعضلات وإذا قاوم حزب توده فعلى رجال القبائل احتلال مدن مثل أصفهان وعبدان. تلك كانت الخطة, فكيف شقت طريقها إلى النور. وأي دور لعبه جهاز الـ (ام. آي. 6) في تنفيذها؟ وكيف التقى الدور الأمريكي مع التحرك البريطاني؟ وكيف واجه مصدق هذا كله؟ وهل كان يمكن لمجرى التاريخ أن يتغير بفعل عنصر ما؟ تأليف: ستيفن دوريل ، عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين