ما زال سباق الديربي الطويل محتدما بين الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية والدكتور حسن الترابي زعيم الحركة الاسلامية للانفراد بالصدارة في البطولة, لأنه لم يحدث في تاريخ مثل هذا السباق ان تعادل الفارسان أو اعيد السباق كما يحدث في المنافسات الاخرى. ومن هنا فإن اي حديث مهما كان مصدره أو أهميته أو منصبه عن تقاسم رئاسة الدولة او الحزب الحاكم بينهما يظل مجرد تطمينات لا جدوى منها, وقد حدث هذا بعد وساطات متعددة ولجان مصالحة كثيرة وخلال اجتماعات مؤسسات المؤتمر الوطني الحاكم. ومع ذلك ظلت ازمة الحكم في السودان تشتد والملاسنة تتصاعد والاتهامات تتبادل بين معسكري الفريقين ويشارك فيها بضراوة رأسا الحكم المتصارعان وبينما يحاول الفريق البشير حسم المنافسة بتجديد رئاسته للدولة بانتخابات مبكرة, فإن الترابي ينشط بين قواعده وجماهير الحزب الحاكم للحصول على تأكيد لاطروحاته في المؤتمر العام للحزب وهي الاطروحات التي تهدف الى ان يقود الحزب الدولة لا ان يكون الحزب تابعا للسلطة التنفيذية. ووسط هذا الصراع كان الحديث عن قوة ثالثة مؤهلة لحسم الأزمة, يعتقد البعض انها المؤسسة العسكرية ولكنها ظلت تنأى عن الولوج مباشرة في ازمة الحكم واكتفت بتأييد الفريق البشير ولم تتطلع الى توسيع وجودها في الجهاز التنفيذي بالرغم من ان الدكتور الترابي اقصاها من عضوية الحزب الحاكم باستثناء رئيس الجمهورية. ومن الواضح ان القوات المسلحة آثرت ذلك بدلا من انتهاز ازمة الحكم كما حدث في دول كثيرة للقفز الى السلطة. واعتقد آخرون ان القوة الثالثة هي قيادات من الحركة الاسلامية لديهم تحفظات على اسلوب الترابي في تسيير الحركة وسطوته عليها, وان الازمة تشكل مخرجا للتخلص منه, وما زال هؤلاء يسعون الى ذلك ومن هنا كان ارتكازهم على الفريق البشير وبعضهم ينطلق من هدف مرحلي وآخرون استراتيجي لاقصاء الترابي واعادة بناء الحركة الاسلامية مع تقوية تحالفها مع العسكريين. والبعض الثالث كان يعتقد ان القوة الثالثة هم (الدبابين) من شباب وطلاب وشيوخ الحركة الاسلامية الذين يقاتلون بضراوة الى جانب القوات المسلحة واصبحوا ميليشيات وكتائب وتكللوا رقما في الساحة وهم الذين كانوا على الحياد في الصراع بين البشير والترابي حتى انعقاد اجتماع مجلس شورى الحزب الحاكم في فبراير الماضي. ولكنهم خلال اجتماع هيئة قيادة الحزب الحاكم يوم الاثنين الماضي برئاسة الترابي اصدروا بيانا يطالب بعزل البشير والترابي لاتهامهما بتدمير الحركة الاسلامية, وقال البيان ان تنظيم الحركة الاسلامية الطلابية قوي ومتفرد, ويصف الكاتب اسحاق فضل الله الذي يجسد موقف (الدبابين) بيان الطلاب بأنه يحمل عتابا لكل قادة الصف الأول, كما يعني ان الحركة الطلابية الاسلامية اشتد ساعدها واستغلظ واستوى, ويعني ان الدعوة تتخطى كل ما سواها وانها تطحن من يقف في سبيلها حتى ولو كان حسن الترابي أو البشير. من هذا التفسير لبيان طلاب الحركة الاسلامية يتضح ان هذه القوة الثالثة سيكون لها دور بارز في الصراع الدائر بين القطبين, بعكس مجموعة اخرى من القيادات الاسلامية المتنفذة يتزعمها الدكتور محيي الدين الجميعابي محافظ أم درمان كانت طرحت اقتراحا باعفاء جميع القيادات التنفيذية, وفي الحزب الحاكم بهدف تجديدها, مما كان سيفتح الباب واسعا لتصعيد قيادات جديدة تلبي مطالب الحركة الاسلامية وتحافظ على التركيبة الحالية للنظام. واذا حدث تحالف بين هذه المجموعة والطلاب فإن الازمة السودانية ستزداد تعقيدا لعلم الجميع حكاما ومعارضين ان هذا الحسم ضد أي وفاق مع الاحزاب أو عودة الى التعددية, خاصة وان بيان طلاب الحركة الاسلامية تزامن مع قرارات هيئة القيادة في اجتماعها الأخير بأن يمضي الوفاق مع القوى السياسية عبر حوار أو مؤتمر, وأن يمضي التسامح في الحريات العامة حتى يتفق على المعارضة القانونية بين النظام والحرية. وفي اشارة الى عدم انفراد الحكومة بالأمر طالبت القرارات بأن توضع الرؤيا الكلية للوفاق امام اجهزة الحزب الحاكم قبل التوقيع عليها, واذا كان الفريق البشير والدكتور الترابي يسعيان الى وفاق متفرد مع المعارضة أو تحالف ثنائي مع بعض احزابها لكي يقوي كل طرف موقفه في السلطة, فإن الخروج عن هذا التكليف الواضح من هيئة قيادة الحزب الحاكم سيصب حتما في تحذير صدر عن الدكتور غازي صلاح الدين وزير الثقافة والاعلام بأن البديل لقرارات هيئة القيادة هو الاستبداد برأي الفرد أو الفئة أو العزل أو الاقصاء أو الالغاء وربما مصادرة الحرية جملة واحدة كما رأيناه في تجارب سياسية اخرى. وعودة الى سباق الديربي الطويل بين البشير والترابي ورغم التطمينات التي ساقتها قرارات هيئة القيادة, فالملاحظ ان الفريق البشير منذ تفجر الأزمة لم يشارك في اي اجتماعات لأجهزة الحزب الحاكم يرأسها الترابي, كما ان الأخير وصف القرارات قبل ان تجف بأنها مبهمة وتوعد الطرف باجتماع مجلس الشورى المقرر له الشهر المقبل, ومن هنا يظل الاعتقاد بأن المعركة لن تحسم الا بإلغاء الطرف الآخر وليس كلاهما كما يطالب الدبابون أو الجسم الوسيط في الحركة الاسلامية. الخرطوم ـ يوسف الشنبلي