عدن في مهب الريح والمخابرات البريطانية آخر من يعلم ، لماذا فشلت الخطة البريطانية لنسف طائرات الميج المصرية في صنعاء لا سبيل إلى تحقيق الحد الأدنى من التكامل للبانوراما التي نحاول رسمها هنا لتاريخ العمليات التي قام بها جهاز المخابرات الخارجية البريطانية الـ (ام. آي. 6) على أرض الشرق الأوسط إلا من خلال مناقشة هذه العمليات على ساحتين محددتين, الأولى هي جنوب شبه الجزيرة العربية, والثانية هي الساحة الايرانية في ذلك المنعطف الحاسم من تاريخ إيران الذي اقترن باسم محمد مصدق. وأكاد أسمع اعتراض القارئ بالنسبة للساحة الثانية, وهو يقول: يا رجل, سامحك الله, هل غادر الشعراء من متردم؟ هل بقى جديد يقال حول الانقلاب الذي أطاح بمصدق؟ ألم تقرأ التقرير الذي نشرته مؤخرا النيويورك تايمز تحت عنوان (التاريخ السري لـ (ام. آي. 6) في ايران؟ ألم تلحظ انه في حقيقة الأمر فإن كل ما قاله رجل الـ (ام. آي. 6) العتيد دونالد ويلبر الذي خطط للانقلاب قد بدا وكأنه يحمل جديدا يضاف إلى نهر الكتب والتقارير والوثائق الصادرة عن الانقلاب الذي راح ضحيته؟ هل تتوقع أن يكون هناك جديد يمكن أن يضيفه ستيفن دوريل في هذا الصدد؟ ومن بعد الاستعانة بالله أقول إنني لا أوافق بالمرة على المنطق الكامن وراء علامات الاستفهام هذه, فهناك من الأسرار التي لا يزال يحيط بها الغموض أكثر مما نتصور, ولكنني لن أناقش هذا الموضوع برمته هنا, وإنما سأعمد إلى تأجيله بكامله للحلقة المقبلة من هذه المناقشة. أما الآن فعلينا أن نحاول رصد ما نستطيعه من الحقائق في ضوء مناقشتنا لما سيقوله المؤلف حول دور الجهاز البريطاني العتيد في أحداث جنوب الجزيرة العربية. ويشير ستيفن دوريل في الفصل الحادي والثلاثين من كتابه, الذي عقده حول هذا الموضوع بعنوان (حملة البنادق في اليمن) إلى ان كارثة السويس كان لابد لها من أن تدفع بريطانيا إلى اعادة النظر في سياستها الخارجية والدفاعية, الأمر الذي وجد التعبير الواضح عنه في (كتاب الدفاع الأبيض) الصادر في عام 1957 والذي أكد على أهمية القواعد الواقعة شرقي السويس. وفي ذلك العام حول رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان قاعدة عدن ذات الأهمية المحدودة نسبيا والتي تضم مصفاة كبيرة للنفط الآتي من الكويت إلى القاعدة العسكرية الأساسية للقوة العسكرية البريطانية في المنطقة, مع سيطرة البحرية الملكية وسلاح الجو الملكي على المدخل البحري المفضي إلى البحر الأحمر وقناة السويس. وأدت أحداث الكويت في ذلك الوقت إلى التأكيد على أهمية هذه الاستراتيجية ودعمها. وبالتوازي مع هذا التطور ظهر إلى النور اتحاد جنوب الجزيرة العربية. وأكد كتاب الدفاع الأبيض الصادر في عام 1962 أن عدن ستظل المقر الحصين لتنفيذ استراتيجية بريطانيا في المنطقة وانها مع المملكة المتحدة نفسها وسنغافورة ستشكل النقاط الثلاث الرئيسية في شبكة الانتشار العسكري العالمي البريطانية. تحت سرير الإمام في ليل السادس والعشرين من سبتمبر 1962 كان طابور من الدبابات يهدر متقدما لصنع حدث تاريخي ما كان أحد ليتصور امكانية حدوثه في هذه المنطقة من العالم, فقد كان في طريقه للاطاحة بحكم إمام اليمن. ويعيد مؤلفنا إلى ذاكرتنا انه في عام 1958 كان الإمام قد انضم إلى الجمهورية العربية المتحدة في اتحاد فيدرالي مع مصر وسوريا, ولكنه شعر بخيبة الأمل حيال ما صارت إليه الأمور, وعندما وقع الانفصال في سبتمبر 1961 أعلن الإمام القطيعة مع مصر, غير ان ابنه محمد البدر تمكن من ادخال عدد من الاصلاحات حينما اضطر أبوه إلى التوجه إلى روما للعلاج. ويشير المؤلف, على مسئوليته بالطبع, ان المعارضة المؤلفة من عناصر ذات توجه قومي قد حاولت اغتيال الإمام بمساعدة المخابرات المصرية, ويقول ان مسئولي الـ (سي. آي. ايه) لا يزالون يبتسمون بسعادة حيال ذكرى رصدهم لاتصال هاتفي بين القصر وبين امرأة مكلفة بأعمال النظافة تم تجنيدها للقيام بوضع قنبلة تحت سرير الإمام وبين ضابط حالتها المصري, حيث وجدت صعوبة في قراءة التعليمات الخاصة بتشغيل القنبلة, ومضى الضابط الذي استبد به الانزعاج يحاول عبر الهاتف ايضاح تعليمات التشغيل. بالطبع, تبدو لنا القصة برمتها أقرب إلى نكتة اخترعها بعض ضباط الـ (سي. ايه) وهم عاكفون على الشراب في أحد المشارب في قبرص أو مالطة, ولكن ما يعنينا ان المؤلف يقول ان العملية منيت بالاخفاق وان الامام أحمد بن يحيى حميد الدين قد رحل عن دنيا البشر الفانين آمنا في سربه في 19 سبتمبر 1962 وتولى ابنه محمد البدر اماما بعده. في مساء 26 سبتمبر أحاطت الدبابات بقصر الإمام بقيادة العقيد عبدالله السلال الذي كان البدر قد أخرجه من سجن أبيه وعينه رئيساً للأركان, والذي قدر له أن يصبح المشير السلال وأول رئيس لجمهورية اليمن العربية. وعلى الرغم من ان الثورة نفذتها مجموعة غامضة مؤلفة من 80 ضابطا من اجمالي الضباط البالغ عددهم 400 ضابط, إلا انها حظت بشعبية كبيرة, ولم يحظ الامام محمد البدر بتعاطف الكثيرين وهو يهرب من أطلال القصر الذي قصفته الدبابات مرتديا زي امرأة ليشق طريقه إلى الجبال لتنظيم مقاومة مسلحة تستهدف استرداد عرشه الذي لن يسترده أبدا. هكذا أصبحت عدن في مهب الريح حيث اندلعت ثورة تحظى بدعم مصر عبدالناصر في أرض الظهير القريبة منها. وسعت الخارجية البريطانية للحصول على معلومات دقيقة عن الموقف, لكن جهاز الـ ام. آي. 6) لم يكن في جعبته شيء, حيث ان قسم بي 17 التابع له والمكلف بالتعامل مع عدن كان خالي الوفاض, ولم يكن ضابط خدمة المخابرات في عدن وهو تيرنس أوبريان تير على كبير علم بحقائق الموقف, حيث فوجئ بالثورة تماما, وبدا انه لا علم له بالأنشطة المصرية في المنطقة. وكان الضرر الذي تقدم به أقبح من ذنب حقا, حيث أشار إلى ان عملية جمع المعلومات في المنطقة هي من مسئولية جهاز الـ (ام. آي 5) ومركز مخابرات عدن, الذي خدمه القسم الخاص المحلي بشكل سيء. وكانت تلك هي المرحلة التي زار فيها العاهل الاردني الملك حسين لندن حيث التقى وزير الطيران البريطاني جوليان ايمري, واهاب به قائلا: لا تدعو حكومتكم تعترف بالجمهوريين, فكل ما يريده, ناصر هو احكام قبضته على النفط السعودي ولكن الملكيين اشداء وخرج حسين وايمري من اجتماعهما مجمعين على ان نيل ماكلين عضو البرلمان والذي يعد من (اصول) الام.اي.6 ينبغي ان يقوم بجولة في المنطقة ليقدم تقارير مدعمة بالمعلومات حول حقيقة الموقف لرئيس الوزراء البريطاني. أين اليمن بالضبط؟ في الخامس من اكتوبر 1962 كانت اذاعة ناطقة باسم الملكيين اليمنيين تبث برامجها من الاراضي السعودية, وبعد ثلاثة ايام خرجت (تايمز) اللندنية على قرائها بتقرير يؤكد ان ثلاث سفن حربية مصرية قد انزلت اعدادا من الدبابات ودفعا من القوات وان المصريين يحرسون المطارات استعدادا لجلب طائراتهم اليها, وفي اليوم نفسه تحدثت التقارير عن تدفق الاسلحة الى القبائل اليمنية الموالية للامام عن طريق الشريف صالح بن حسين البيجاني. وتلك ايضا هي المرحلة التي فوجىء فيها نائب رئيس الام.اي.6 المتقاعد جورج يونج, والذي اصبح الان نجما في عالم المصارف باتصال من ضابط رفيع الرتبة في الموساد يطلب فيه ترشيح ضابط انجليزي لتنظيم حرب عصابات يشنها الملكيون ضد الجمهوريين والعناصر العسكرية المصرية التي تدعم الثورة, وهي الحرب التي ستظل المشكلة الكبرى للملكيين منها عمليات القصف التي ينفذها ضدهم سلاح الجو المصري انطلاقا من مطار صنعاء. هنا يلفت نظرنا ان المؤلف يشير الى ان ديك وايت رئيس جهاز الام.اي.6 كان في هذه المرحلة سعيدا ببدء عداء واشنطن للقاهرة مع وضوح مؤشرات التعاون المصري ـ السوفييتي ولكنه في الوقت نفسه كان قلقا من احتمال قيام ماكلين بالضغط عليه للتحرك بالجهاز للدخول في هذا الصراع حيث كان وايت يعتقد ان خدمة المخابرات البريطانية لا ينبغي ان تستدرج الى هذا الصراع. وبقدر ما كانت لندن حريصة على تأجيل اعترافها بجمهورية اليمن حرصت ايضا على الضغط باتجاه عدم اعتراف واشنطن لها ايضا, وهكذا يقول هارولد ماكميلان في مذكراته, عن يوم 14 نوفمبر 1962 انه استحث الرئيس الامريكي جون كيندي على تأخير اعترف امريكا بالنظام الجمهوري في اليمن. ويقول ماكميلان: (رد كيندي بصراحته الجذابة المعتادة قائلا: انني لا اعرف اصلا اين يقع اليمن) غير ان ذلك لم يمنع الرئيس الامريكي من اقتراح عرض الاعتراف لقاء انسحاب القوات المصرية من اليمن. ومن طرف خفي يشير ستيفن دوريل الى ان واشنطن ربما تعمدت احراج لندن, ففي ضربة مفاجئة لبريطانيا اعترفت الولايات المتحدة رسميا في 19 ديسمبر بالنظام الجمهوري في اليمن. وفي برقية بعث بها سير تشارلز جونسون الحاكم العام لعدن الى هارولد ماكميلان في 8 فبراير 1963 نجده يقول في معرض التعقيب على الموقف الامريكي (ان الطرح الامريكي قوامه هو ان الطريقة الوحيدة لاخراج ناصر من اليمن هي ان تعطيه النصر الذي يريده) . ولم تكن هذه الشكوى آتية من فراغ حيث كانت السلطات في عدن قد اضطرت لاستقدام خبراء اختصاصيين للتعامل مع الاضطرابات التي ارتفعت فيها صيحات التأييد للجمهورية الشابة في صنعاء لتملأ آفاق عدن. وبالمقابل بدأ ضباط الام.اي.6 يلمحون الى انه لابد للجهاز من ان يتقدم ويقتحم الساحة للقيام بعمل شيء ما, دون ان يكون واضحا في ذهن احد بالضبط ماهو هذا الـ (شيء ما) . الميج هدفنا على مهل ستبدأ في التبلور جبهة واسعة لتأييد المكيين في اليمن, وسيدهش المرء من مكونات هذه الجبهة, فعلى سبيل المثال سافر وفد من الملكيين اليمنيين الى اسرائيل وبعد هذه الزيارة بوقت قصير قامت طائرات اسرائيلية ازيلت عنها كل العلامات الدالة على هويتها بخمس عشرة طلعة من جيبوتي لاسقاط الاسلحة على المناطق التي يسيطر عليها الملكيون في اليمن, وفي الوقت نفسه قدمت احدى الدول العربية ما قيمته عدة ملايين من الدولارات من الاسلحة الخفيفة من بينها 50 الف بندقية من طراز لي انفيلد نقلتها طائرات بريطانية من محطة ولتشاير التابعة لسلاح الجو الملكي الى الملكيين الذين استعادوا في نهاية ابريل 1963 بعض الاراضي التي كانوا قد خسروها. ويوضح المؤلف ان ماكلين وجونسون قدمهما, ايمري الى وزير الخارجية الملكي اليمني احمد الشامي, الذي كتب شيكا قيمته خمسة الاف جنيه استرليني لحساب فندق هايدبارك, الذي كان مديره الاداري برايان فرانكس, وتم الاحتفاظ بهذا المبلغ في خزينة ودائع بالفندق لتمويل عملية سرية تستهدف تفجير طائرات الميج المصرية الرابضة في ميناء صنعاء والتي كانت تحدث خسائر بالغة في صفوف القوات الملكية وقال عبدالكريم الوزير وزير الداخلية الملكي اليمني ان الاولوية ينبغي ان تعطي لتدمير هذه الطائرات. بدأ رجال خدمة الطيران السرية المعروفة اختصارا باسم اس.ايه.اس في العمل من خلال شركة تليفجن انترناشيونال انتربرايز التي انشأت منظمة واجهة هي رالي فيلم وفي بعض الاحيان تحت ستار وحدة لمكافحة الجراد, وقامت دولة عربية بتمويل هذه العملية بسبائك الذهب, ووصلت السيناريوهات العبثية الى حد ان عملية تدمير طائرات الميج وصلت الى حد الافلاس المالي في الوقت الذي كانت الوف السبائك الذهبية مكومة في احد المكاتب. وفي هذه المرحلة بدأ ماكلين في تجنيد مجموعة من الكوادر البارزة ومنهم ديفيد سمايلي الذي ترك لقوة قيادة القوات المسلحة في دولة عربية قريبة بعد اخماد انتفاضة مسلحة فيها. وهكذا شق المرتزقة البريطانيون طريقهم الى الصراع في سيناريو سنرى ان السنوات الثلاثين التي انقضت منذ تكريسه سيتحول الى نموذج يتكرر كثيرا كلما واجهت بريطانيا أزمة حادة. وسيضع هؤلاء المرتزقة, في حالة اليمن خطة للانطلاق بمجموعة منهم تتألف من عناصر بريطانية ـ وفرنسية الى جبال شمال اليمن لتحقيق الاتصال مع القوات الملكية بهدف الانطلاق لتدمير طائرات الميج المصرية في صنعاء, غير ان الدولة العربية المعنية القائمة بالتمويل ستحجم عن تنفيذ هذه العملية وستحجب عن اعطاء الضوء الاخضر لاطلاقها, وذلك خوفا من انتقام الطيران المصري, الذي لا يدري احد, بالضبط, هل تسربت المؤامرة اليه من عدمه, لانه قام بطلعة تحذيرية صامتة في سماء ثاني اكبر مدينة في تلك الدولة العربية, وعلى الرغم من انه لم يطلق طلقة واحدة إلا ان رسالته وصلت واضحة ومدوية. في يونيو 1963 ستبدو المقاومة واضحة في عدن مع تشكل جبهة التحرير الوطني, ولم يكن للام. آي . 6 الا ضابطا واحدا مستديما في قصر الحاكم العام لعدن, مع تجنيد آخرين بحسب الحاجة ويتذكر مسئول اداري كان يعمل كضابط اتصال مع الام. آي. 6 انه قد اعطى تصورا عاما لهؤلاء الضباط عما يريده بما في ذلك عمليات القتل, وان كان الجهد الرئيسي هو نزع الثقة في قيادات الجبهة واظهارها بمظهر من يتلقى المال من مصر, ومن ثم ترحيل من يمكن اصطياده الى اليمن. وفي الشهر نفسه, وبعد قضاء ثلاثة اشهر في المنطقة, طالب سمايلي بعملية تدريب وامداد واسعة النطاق, وباستخدام المرتزقة الاوروبيين وفحص نقاط الضعف في قوات الملكيين في اليمن في الآتي: * تكتيكاتهم التي وصفها بأنها مضيعة للجهد وللرجال, ولابد من ان تلغى ويحل محلها التركيز على المدن ومهاجمة خطوط الاتصالات القابلة للاختراق. * نقص التنسيق, الذي يمكن حله باللجوء الى اجهزة اللاسلكي. * نظام الامداد غير المناسب. وبناء على تعليمات مباشرة من هارولد ماكميلان لجهاز المخابرات بمساعدة المفكرين اليمنيين, قام الام. آي. 6 بتشكيل قوة عمل برئاسة هوبرت أبوريان تير, وهو ضابط مخابرات قدير, ولكنه ليس له معرفة تذكر بالعرب, وقد ساعده في لندن ديزموند هارني ودنيس ومررسلي الذي كان قبيل ذلك رئيسا لمحطة الام. آي. 6 في بغداد, ونسق قسم بي 17 التابع لجهاز إمداد الاسلحة والافراد الى الملكيين اليمنيين, على حين قدمت تقارير الام. آي. 6 الى وزارة الطيران ونظم جون داسيلفا الرئيس السابق لمحطة الام. آي. 6 التزاماتها. من فوق الرؤوس بلغت المؤلف معلومة, عند هذا المنعطف, الى ان ديك وايت رئيس الام. آي. 6 تلقى زيارة في لندن من جيم كريشتفيلد الضابط البارز في السي. آي. ايه والذي بادر الى الذهاب الى القول بأن الغرب لا يسعه ان يفقد اليمن, وبالتالي فإن السي. آي., ايه ينبغي ان تحارب جمال عبدالناصر بغض النظر عن السياسات التي يتبناها البيت الابيض. واضاف ان وكالة الامن القومي الامريكية قد رصدت اتصالات تشير الى ان ضباطا من الاتحاد السوفييتي يقودون طائرات التوبوليف 16 التي تحمل الشارات المصرية من القاهرة الى اليمن. واقترح المسئول بالمخابرات الامريكية على رئيس الام. آي. 6 ان يعمل الجهازان من فوق رأسي الخارجية البريطانية والخارجية الامريكية لكي يتم تطوير علاقات اوثق بين خدمة المخابرات في البلدين. ويقول توم دادر ان وايت اراد ان يرفض فوراً وبازدراء هذا الاقتراح ولكن كان تحت ضغط من هارولد ماكميلان, وكان من الصعب مقاومة ارساء علاقات اوثق مع السي. آي. ايه بعد ان قدم جيمس فيز وهو ضابط بالسي آي. ايه يعمل في تعز تحت غطاء منظمات الاغاثة الانسانية, للام. آي. 6 نسخة من المهام الميدانية للجيش الجمهوري اليمني, وبدا التغير في موقف وايت واضحا عندما قام ريتشارد هيلمز نائب رئيس السي. آي. ايه بزيارة لندن في اوائل نوفمبر من العام نفسه, حيث طلب من هلمز المساعدة في دعم المفكرين اليمنيين وفي التخفيف من حدة معارضة الخارجية الامريكية للسياسة البريطانية. وعقب ذلك بوقت قصير اظهر تعزيز موقف من السي. آي. ايه للخارجية الامريكية وجود تهديد سوفييتي للمنطقة. ويبدو ان محاولات الام. آي. 6 هذه لم يقدر لها التوفيق, ففي 21 نوفمبر اتصل الرئيس الامريكي جون كيندي بالبك دوجلاس هبرم هاتفيا وطلب منه تأكيداً شخصيا لقيام بريطانيا عما قريب بسحب المرتزقة من المنطقة. ونفي وزير الخارجية البريطانية, بالطبع, ان بلاده ضالعة في مثل هذه الامور ووعد باجراء تحقيقات في الموضوع. وفي اليوم التالي تم اغتيال كيندي. ادت استقالة هارولد ماكميلان في اكتوبر الى تعليق الخطط البريطانية لان وزير الخارجية الجديد راب بتلتر كان يعارض العمل السري البريطاني دعما للملكيين اليمنيين. وقد كان الام. آي. 6 هو الذي انقذ الموقف حيث ابلغ الجهاز الوزراء رسميا بأن الوضع في اليمن والموقف الامني في عدن قد انهار. وفي صيف 1964 اعطى الضوء الاخضر للتأييد البريطاني الكامل للملكيين في اليمن. وحشدت بريطانيا 48 عنصراً من المرتزقة بمن في ذلك 12 عنصراً من العاملين السابقين في جهاز الخدمة السرية التابع لسلاح الطيران تحت قيادة سمايلي الذي ارتبط باتصال مباشر بالدول العربية القائمة بالتمويل, بينما تولى مايك جولي القيادة الميدانية داخل اليمن, وحسب تأكيد المؤلف فإن تلك العملية كان من المستحيل ان تنفذ من دون دعم رسمي من السلطات البريطانية. الحرب القذرة يقول ستيفن دوريل ان في اطار ما تبين انها حرب قذرة قام جهاز الام. آي. 6 بالتلاعب بالقبائل اليمنية وبالمساعدة في الزرع المباشر للقنابل في المواقع المصرية على امتداد حدود اليمن بينما تعرضت المدن الكبرى للقصف والشخصيات البارزة للاغتيال. وحلت كارثة حقيقية بفرق المرتزقة عندما قامت دورية من عناصر الـ اس. ايه. اس) بالعبور من عدن إلى أراضي اليمن في أواخر ابريل 1964 حيث وقعوا في كمين أدى إلى مصرع كابتن روبن ادواردز والمهندس العسكري نك واربيرتون, وجاء في تقرير لاحق لدبلوماسي أمريكي من تعز ان رأس الرجلين قد رفعا على حربتين في الميدان الرئيسي بالمدينة. وسرعان ما طرحت أسئلة حول هذا الموضوع في مجلس العموم, ولجأت الحكومة إلى الكذب مشيرة إلى ان الرجلين قتلا خلال آداء الواجب في عدن. ويقول المؤلف ان عملية اليمن أطيح بها بشكل أو بآخر عندما قامت (الأهرام) القاهرية في أول مايو 1964 بنشر خمس رسائل, بعضها مؤرخ في ديسمبر من عام 1963 من توني بويل إلى جوني كوبر, وتتحدث الرسائل التي لم تصل إلى كوبر قط عن خبرة بويل في (التفجير والأسلحة الصغيرة واسقاط الأسلحة جوا بالباراشوت وغير ذلك من شئون العمليات) . وقد وصلت بعض النسخ من هذه الرسائل إلى فريق الباب الذي أدخل حديثا في صحيفة (الصنداي تايمز) والمعروف باسم (إنسايت) , ولكنها أوشكت ألا ترى النور تقريبا, عندما تم اكتشاف ان هذه العملية تجري من خلال شركة (تليفجن انترناشيونال انتربرايز) التي تربطها مصالح وثيقة بمالك الصحيفة, لورد تومسون. وقام دنيس هاملتون رئيس التحرير في الصحيفة بكبح جماح محرريه. في الخامس من يوليو نشرت (الصنداي تايمز) الرسائل الخمس كلها, وبادرت الحكومة البريطانية بنفي أي علاقة لها بالمهمة التي يقوم بها جوني كوبر, وسرعان ما أثير الأمر في مجلس العموم, ومن جديد كان ما قالته الحكومة بعيدا عن أن يلقى الحد الأدنى من التصديق. ولم تقتصر الأمور على ذلك, وإنما كشف تنصت بريطاني روتيني على سفارات دول الشرق الأوسط في لندن النقاب عن ان خطط بريطانيا الخاصة بالشرق الأوسط قد تسربت, وتم القاء القبض على سرجنت بيرس الين وهو من العاملين بادارة البر - الجو بوزارة الحربية البريطانية وذلك في 16 مارس 1965 متلبسا بتسليم رزمة من الوثائق السرية للملحق العسكري العراقي, وقد كان متاحا له الوصول إلى تقويمات المخابرات الغربية للقوات المسلحة المصرية, وبيعت بعض الوثائق بالفعل لـ (الأهرام) القاهرية, حيث كشفت النقاب عن ان الحكومة البريطانية لم تستبعد التدخل العسكري المباشر في الشرق الأوسط, وحددت الوثائق معالم استراتيجية لتعزيز منظمة الحلف المركزي التي حلت محل حلف بغداد ونظامي الملك ادريس السنوسي في ليبيا والملك حسين في الأردن وكشفت عن خطط طوارئ أعدت للتدخل, بالتعاون مع الولايات المتحدة في حالة حدوث اضطرابات داخلية في لبنان والسودان. وكان دور قاعدة عدن دورا أساسيا في هذه الخطط, على الرغم من انها هي نفسها كانت بعيدة عن الاستقرار في ضوء استمرار الحرب الأهلية في اليمن. وفي ضوء تصاعد العنف في عدن أعلنت الحكومة البريطانية في فبراير 1966 في كتاب للدفاع انها ستتخلى عن عدن كقاعدة وان جنوب الجزيرة العربية سيصبح مستقلا في 1968. وقاد المعارضة لهذا الاتجاه السياسي المحافظ دنكان سانديز وكذلك ضباط الـ (ام. آي. 6) مثل داسيلفا الذين تخوفوا من نشوء (فراغ في المنطقة. غير ان رئيس الجهاز ديك وايت شعر بالابتهاج ازاء الخروج من (قتال غير جدير بأن يخاض) على حد تعبيره. بركات مبارك بن لندن اضطرت بريطانيا إلى حشد 17 ألف جندي في عدن, كانوا كالبطة العرجاء في مواجهة حرب رجال عصابات في المدن, وينكر المؤلف - بالطبع - جبهة التحرير حقها عندما يحيل الأمر إلى من يسميهم بـ (ضباط مخابرات ناصر) الذين يقول انهم وضعوا خطة متقنة الاعداد كان الجهد الرئيسي فيها هو القضاء على الفرع الخاص المحلي, حيث بلغ النجاح حد قتل خمسة ضباط في ستة أشهر واشتداد هلع غيرهم من التهديد بالاغتيال إلى حد عدم تمسكهم بأداء مهامهم بحماس. ويعترف ستيفن دوريل بلجوء البريطانيين إلى التعذيب الوحشي لانتزاع المعلومات التي تتيح لهم الصمود في عدن, ويقول ان هذا الاسلوب أدى إلى الافتقار إلى معلومات المخابرات حول المنظمات السياسية ورجال حرب العصابات على السواء. وعلى الرغم من سيطرة الجمود على القتال في اليمن, إلا ان البريطانيين مضوا يواصلون عملية مرتزقة واسعة النطاق هناك يدفع في اطارها لكل من يتم تجنيده عشرة آلاف جنيه استرليني سنويا من قبل مركز غامض في لندن يعرف باسم (المنظمة) . ويديره سترلنج وميجور بروك بعد أن غادر كوبر في أوائل 1966 وانضم إلى سترلنج كولونيل جون وودهاوس الذي تقاعد من خدمة طويلة ونشطة في الخدمة السرية للطيران ليصبح مستشاراً لبعض الوقت للحكومة البريطانية في شئون اجراءات الانقلابات المضادة في مناطق من الكومنولث. وفي يونيو 1966 قابل ولفرد ثيجر, المعروف لأبناء المنطقة باسم مبارك بن لندن, بيلي ماكلين الذي عرفه في اثيوبيا منذ المراحل الأولى في الحرب العالمية الثانية, فدعاه للانضمام إلى القوات الملكية اليمنية وزيارة قائد هذه القوات في الشمال الأمير الحسن بن الحسن, وهو أحد أبناء عمومة محمد البدر, وذلك في قصر قيادته بمنطقة القرة. ولم يتردد ثيجر في القبول وهكذا تم توظيفه حتى نوفمبر من العام نفسه في عملية تجميع لمعلومات المخابرات وشن حملة دعاية. وكما هو معروف لنا جميعا تعرضت مصر لهزيمة يونيو 1967 التي يقول عنها المؤلف ان جهاز الـ (ام. آي. 6) قد توقعها بحكم رصده لما يجري في المنطقة من خلال مقره في قبرص. وقد قرر عبدالناصر سحب قواته من عدن ليدفع بها إلى مواقع المواجهة على شاطئ قناة السويس. وفي غضون ذلك, وكما يقول مؤلفنا, فان جهاز الام.اي.6 قد اعتبر عملية المرتزقة التي قام بها في اليمن نجاحا, وان كان ضابط السي.اي ايه جيمس فيز يصف هذا التصور بأنه لا يعدو ان يكون وهما. ويبهج ستيفن درويل خاطرنا بما يتصوره من بعض (الطرائف) عن مبارك بن لندن, فيشير الى ان المستكشف العتيد سافر الى مقر قيادة الامير الحسن قائد قوات الجبهة الجنوبية قرب صنعاء, حيث وجد ماكلين ومارك لينوكس بويد غارقين حتى الآذان في حصار المدينة, غير ان موقعهما سرعان ما تعرض للقصف من طائرة ميج, وانفجرت قذيفة غير بعيدة, حيث احدثت خدشا في رأس مبارك بن لندن. وينقل المؤلف عن ثيجر قوله في كتاب سيرة حياته الصادر عن دار فايكنج (بعد قليل سمعت ماكلين بصوت يوحي بالضيق الشديد.(اللعنة, انظر ماذا فعلت ياولفرد) فقد لطخ الدم المتساقط من رأسه صندوق سيجار كان قد ابتاعه ليحرص عليه اشد الحرص) . وبعد يومين سيفلحون في اسقاط إحدى طائرات الميج اياها, وقد وجد ثيجر قائدها حسب قوله في المصدر نفسه كتلة لحم لا سبيل الى تبين ملامحها, ولكن خريطة والعديد من الملاحظات كانت باللغة الروسية, لقد ذهب المصريون ولكن الروس اقبلوا. وسنعرف في السطور الاخيرة, ان انسحاب المصريين من اليمن لم ينه الحرب الاهلية في اليمن وان المزيد من المرتزقة البريطانيين سيلقون مصرعهم على ارض اليمن خلال القتال لحساب الملكيين وان الحكومة البريطانية لدى التعرف على هوياتهم كانت (تشق طريقها للخروج من المأزق بالكذب وفي نهاية المطاف عقدت اتفاقية في عام 1970 انهت القتال وتوجت انتصار الجمهوريين, والمؤلف في السطر الاخير من هذا الفصل يوضح لنا ان هذه الاحداث اسفرت على امتداد 8 سنوات عن قتل 200 الف نسمة من ابناء اليمن اي 4% من سكان هذا القطر العربي. تأليف: ستيفن دوريل ، عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين