مع مرور أكثر من خمس سنوات على بدء الحصار الاسرائيلي للشواطىء الجنوبية للبنان تزداد معاناة صيادي الأسماك في المنطقة الواقعة بين مدينتي صور وصيدا, فالممارسات العدوانية لقوات الاحتلال أصبحت أمرا روتينيا يوميا وتنوعت ما بين اطلاق رصاصات القنص وعمليات الاحتجاز التي يتعرض لها الصيادون. ومن مشاكل البحر الى مشاكل البر, و تصريف حصيلة الصيد يعاني الصيادون من اهمال الدولة لهم وعدم النظر بعين الرعاية لحل مشاكلهم, (فرزق) هؤلاء الصيادين لم يعد تجد طريقه للبيع والتصريف في ظل منافسة الاسماك المستوردة التي تطرح في الأسواق على انها محلية ناهيك عن الرعاية الاجتماعية والصحية لهؤلاء البسطاء الذين اصبحوا مهددين حتى في مقر نقاباتهم المهددين بالطرد منها. مجمل القضية ينطوي على كثير من التفاصيل التي يحكيها الصيادون في هذه المنطقة عن معاناتهم. يقول الصياد سهيل حمدان وزميله يوسف حبال, ان العدو من أمامهم, أما من الوراء فهم محميون من قبل مجتمعهم المدني والرسمي الا انهم اكتشفوا انه لم يعد امامهم مفر في اي من الاتجاهات, فبدت الصدمة مزدوجة فصيادو صور وزملاؤهم يتعرضون لمطاردة اسرائيل على الساحل الصيداوي وتلاحقهم الدولة اللبنانية التي تشن عليهم (حربا) من نوع آخر اسمها (استيفاء الضرائب والرسوم) . ولم ترحم النتائج السلبية الناجمة عن ذلك آلاف الصيادين الذين اطمأنوا طويلا, في السابق الى الرزق الحلال, فأشركوا نساءهم وأولادهم في مساعدتهم, حتى ان بعض الصبية الصغار, كحسن وهبي باتوا يقومون بالمهمة لبعض ساعات النهار نيابة عن الكبار. بين المحلي والمستورد ويزيد الطين بلة ان القليل مما (يسترزق) به الصيادون لا يجد طريقه الى التسويق والبيع في ظل المنافسة الشديدة من قبل تجار الأسماك (لا صياديها) والذين يقومون يوميا باغراق الاسواق, ليست فقط الجنوبية ولكن المناطق الاخرى ايضا بالاسماك المستوردة. وأدى ذلك الى قيام وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور ناصر السعيدي بمحاولة لحماية الصيادين, فأصدر بلاغا جاء فيه انه (نتيجة لاستيراد الاسماك (المبردة والمثلجة) ونظرا لقيام بعض الباعة ببيع الأسماك المستوردة على انها محلية, وبما ان هذا الأمر يؤثر سلبا على الصيادين ويعرض المستهلكين للغش في الوقت نفسه, لذلك وحفاظا على المصلحة العامة, يتعين على باعة الاسماك ذكر نوع الاسماك ومصدرها وسعرها وفصل كل نوع عن الآخر في شكل واضح ولا يخلق أي التباس لدى المواطنين تحت طائلة المسئولية القانونية. وقد أعطيت التعليمات الى مصلحة حماية المستهلك والدوائر الاقتصادية والتجارية في المحافظات بالتشدد على المعنيين بوجوب التقيد بمضمون البلاغ وضبط المخالفات وإحالة المسئولين عنها أمام المحكمة المختصة بجرائم الغش. حالة ميناء صور تشغل مرابط قوارب صيادي الاسماك الجزء الغربي من ميناء المدينة, فيما يشغل الجزء الشرقي رصيفا واحدا معدا لاستقبال السفن التجارية الصغيرة والمتوسطة, ويفصل بين الجزئين حائط اسمنتي بارتفاع مترين. ويحمي جدار دعم مستحدث هذين القسمين, وهو يمتد من الغرب الى الشرق, في عرض البحر مشكلا قناة ضيقة تسمح للمراكب المئتين بعبورها, وتحول دون تضرر هذه المراكب من حركة البحر مدا وجزرا, لكنها في الوقت نفسه تحول الميناء الى بركة ضحلة المياه, تترسب فيها الرمال والأتربة ومياه الصرف التي ترفدها مصبات ستة مجار رئيسية, حسبما يقول نائب رئيس نقابة صيادي الاسماك في الجنوب سامي رزق (يبلغ عددنا في صور وحدها 520 صيادا, منهم 300 متزوج يشكلون عوائل متسقلة) . وأضاف: (باستطاعتي القول ان معاناتنا مزدوجة, فهي من جهة طبيعية حيث نعتمد دائما على حالة الطقس, فإذا كان جيدا يكون بالامكان اصطياد (الرزقة). ومن جهة ثانية اسرائيلية, فالحصار الذي تفرضه الزوارق الاسرائيلية يقض مضاجعنا, فمنذ خمس سنوات والاعتداءات الاسرائيلية تتم بصورة يومية, وبلغ عدد الجرحى في ذلك 25 صيادا فيما استشهد منا ثلاثة صيادون قبل الحصار) . اهمال طويل وأوضح رزق انه منذ ثلاث سنوات لم نتلق أية مساعدة من أية جهة, وبينما تلقينا في السابق مساعدات مادية من الهيئة العليا للاغاثة ومن مجلس الجنوب, كما قدم لنا برنامج الأمم المتحدة للغذاء في أعقاب عدوان يونيو مساعدة عينية من شباك الصيد بالتنسيق مع وزارة الزراعة ومساعدة أخرى عبارة عن ونش بحري بقيمة 48 ألف دولار, ولفت رزق الى ان وزارة الزراعة تقدم الدعم للتعاونيات بأسعار تشجيعية. صرخة ضد الحصار وفي الاطار نفسه يشكو رئيس نقابة صيادي الاسماك في صور خليل طه, من اشتداد الحصار الاسرائيلي البحري على الشاطئ الجنوبي, مما يهدد مصدر عيش الصيادين. ويناشد رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والوزراء (رفع الصوت عالياً لابراز تلك القضية الانسانية العادلة التي تتعرض للممارسات النازية الوحشية) كما طالب (بطرح هذه القضية امام مجموعة (تفاهم ابريل) باعتبارها انتهاكاً فاضحاً لهذا التفاهم) . ويطالب طه المسئولين بالمبادرة الى اتخاذ الاجراءات والقرارات القانونية لافادة صيادي الاسماك من تقديمات الضمان الاجتماعي والصحي, علهم بذلك يخففون بعض المعاناة لهم. كما ناشدهم (تقديم العون لتأمين الحد الادنى لمتطلبات العيش سواء عن طريق الهيئة العليا للاغاثة او عن طريق مجلس النواب لتعويض ما يتكبده الصيادون من خسائر في معدات الصيد من شباك وزوارق) . والدولة من ورائهم اذا كان هذا حال ميناء صور, فإن الوضع في صيدا لا يختلف كثيراً وان كان يأخذ شكلاً آخر لمعاناة الصيادين فقد تلقت نقابة صيادي الاسماك في صيدا في 4 فبراير الماضي انذاراً من المديرية العامة للنقل البري والبحري لتسديد 39.4 مليون ليرة, بدل اشغال املاك عمومية بحرية. بالطبع فإن نقابة صيادي الاسماك لا تشغل من الاملاك البحرية مسبحاً او شاطئاً او مؤسسة بل مجرد غرفة وتوابعها وقد اعفيت منذ 1992 من دفع رسوم هذا الاشغال الا ان المديرية العامة للنقل قررت ان تفتح الدفاتر القديمة لمحاسبة هذه النقابة على المتأخرات. هذه عينة من معاناة يومية يكابدها 220 صياداً في مدينة صيدا, ابتداء بالحصار الاسرائيلي ومنع الصيادين من التقدم لأكثر من كيلومتر واحد في عمق البحر, ومروراً بالوضع الاقتصادي الصعب, وانتهاء بارتفاع تكاليف صيانة المراكب ومنافسة المستورد. مشكلة الوحل ويقول رئيس النقابة الحاج ديب كاعين ان ميناء الصيد في صيدا اصبح في حالة جيدة من حيث البنية التحتية والارصفة بعد تأهيله من قبل حكومة الرئيس رفيق الحريري واقامة قناة مائية لتبديل مياه الحوض الداخلي, انما تواجهنا حالياً مشكلة تراكم الوحل والردميات في قاع الحوض الذي يحتاج للتنظيف باستمرار وهذا يتطلب آلة خاصة لشفط الوحل ورفع الترسبات بشكل دائم) واضاف ان (سوق السمك الاساسي والمحاذي لمدخل المرفأ مهدد بالسقوط, وقد بحثنا الموضوع مع المدير العام للنقل, فأبلغنا ان الوزارة في صدد تأهيل السوق وتجهيزه في وقت قريب) . معضلة المتأخرات وعن مشكلة المبلغ المطلوب من النقابة لقاء اشغالها املاكاً عمومية بحرية يقول كاعين (قبل الاحداث كانت النقابة تدفع 50 ليرة في السنة لقاء اشغال غرفة مساحتها 90 متراً مربعاً وبين العامين 1992 و1996 زاد الرسم بشكل لم نعد نتحمله, فوصل المبلغ المتراكم في أربع سنوات الى 24 مليون ليرة لم نتمكن من دفعها فأعفينا منها.. فوجئنا هذا الشهر بتبليغ رسمي من مدير عام النقل بوجوب دفع المستحقات المتراكمة عن الاعوام منذ عام 1992 وحتى اليوم ومجموعها 39 مليوناً و422 ألف ليرة لبنانية في مهلة اقصاها اسبوع واحد) . واشار كاعين الى ان النقابة حاولت طلب اعفائها, لكن المشكلة لم تجد طريقها الى الحل مشيراً الى عزم النقابة تقديم اعتراض رسمي, ومستغرباً لكيفية معاملة نقابة الصيادين وكأنها فندق او مطعم سياحي يشغل املاكاً بحرية عمومية وقال (نحن لا ننتفع تجارياً او سياحياً من هذا المقر, وانما نستخدمه لعقد اجتماعات مجلس النقابة, ويعتبره الصيادون بيتاً لهم يلجأون اليه لمتابعة اوضاعهم المهنية والاجتماعية) . وعما اذا كان الصيادون قد تلقوا مساعدات رسمية او غير رسمية في الاوقات الاخيرة قال كاعين: (لا مساعدات رسمية للصيادين فمنذ ثلاث سنوات تلقينا مساعدات في الآونة الاخيرة من صندوق الزكاة في بيروت, ومن القنصل خليل الصاوي زنتوت اما العين الساهرة على الصيادين بشكل دائم فهي النائب بهية الحريري, التي كانت ولا تزال تتابع اوضاعنا وتساعدنا في شتى الامور والمجالات فهي تتحمل منذ سنوات كامل قيمة القطع السنوي عن مراكز الصيادين وتقدم لهم باستمرار مساعدات غذائية وتساعدهم في المجالات الصحية والتعليمية كذلك اصلاح المراكب.