قليلة هي المؤسسات التجارية بالعالم العربي التي تتعطف وتتكرم وتتبرع بجزء من أرباحها طواعية للشأن العام. وقليل هو رأس المال العربي الذي يتفهم اهمية ذلك.. لكن هذا لا يعني ان الكل سواسية في (البخل) فهناك امثلة مضيئة بحق وحقيقة لها تجاربها المعروفة، واسهاماتها الملحوظة ومنها مؤسسة السعيد اليمنية التي يمكن القول انها تقوم بالتخديم على الثقافة اليمنية في ظل رهانها على مستقبل يقوم بتفريخ علماء وخبراء ومتخصصين مما يصبح له مردوده على كل مناحي الحياة. تأسست مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة في العام 1996 ورغم عمرها القصير الا انها أصبحت اليوم تتصدر المؤسسات الثقافية والعلمية الخاصة في البلاد ويرجع البعض ذلك الى أنها المؤسسة الوحيدة في البلاد التي لا تعاني مشاكل مادية بالنظر الى ان مجموعة هائل سعيد انعم التي تمتلك قرابة 80 % من مكونات القطاع الصناعي و50% من مكونات القطاع التجاري في البلاد هي التي ترعاها لكن المؤكد انه بالاضافة الى ذلك توجد اسباب اخرى في مقدمتها الطابع الجاد الذي اتسم به نشاط المؤسسة فأكسبها احترام النخبة العلمية والمثقفة في اليمن وجعلها تلتف حولها وتشارك في نشاطاتها والمتأمل لنوعية الحضور الذي تتسم به احتفالات توزيع الجوائز السنوية التي تقدمها المؤسسة في مجالات الطب والبيئة والزراعة والاقتصاد والعلوم الانسانية والاجتماعية والعلوم الاسلامية والابداع الادبي يدرك هذه الحقيقة ورغم ذلك ثمة تساؤلات تثار حول المؤسسة ونشاطها من وقت الى آخر (البيان) , طرحتها على مدير عام المؤسسة فيصل سعيد فارع وهنا الحصيلة: * لمجموعة هائل سعيد أنعم التجارية والصناعية تاريخ طويل يتجاوز ربع القرن وهي فقط مؤخرا اهتمت بالنشاط الثقافي كرسالة اجتماعية فكيف تفسر هذا التحول؟ ـ في الواقع لا يمكن القول بصفة قطعية أن مجموعة هائل سعيد التفتت فقط اخيرا الى الجانب المعرفي والثقافي ففي ذلك قدر من الاجحاف وبخاصة أن صلة المجموعة كانت موجودة بالفعل بهذا النشاط منذ زمن طويل وان كانت هذه الصلة على شكل جهود متفرقة تم تجميعها مؤخرا في شكل مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة وتم في هذا الشكل الارتقاء بالنشاط عبر وضع اهداف واسعة وكبيرة وهي نقلة كبيرة وايجابية يمكن تفسيرها بأن ثمة قراءة جديدة لهذه المجموعة الاقتصادية لطبيعة التحديات التي تنتصب أمام مسألة التنمية بمعناها الواسع واحتياج القطاع الخاص الى أن يكون حاضرا في الحياة العامة بالاستناد الى ارضية عمادها العلم والمعرفة وامتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا بالاساس. * هل يمكن اعتبار هذا التحول مؤشراً على ان رأس المال اليمني بدأ يدرك أهمية الثقافة في تعزيز دوره في المجتمع وهل للمبادرة بالحركة لترجمة هذا الوعي علاقة باجواء الديمقراطية السائدة في البلاد؟ ـ كل ذلك وارد وطبيعة التحديات الراهنة بما في ذلك التحديات ذات البعد الدولي تفرض الوقوف بشكل جاد امامها وما من شك في ان الديمقراطية وفرت الاجواء التي يمكن خلالها التحرك ما يمكن المجموعة خدمة نفسها وخدمة المجتمع. * ألا ترى ان هناك تناقضاً بين الحذر المعروف عند رأس المال ووضع الثقافة السائد في مجتمع متخلف بما يحويه هذا الوضع من فخاخ والغام قد يكون في غنى عنها؟ ـ انا لا ارى في الثقافة الراقية وفي امتلاك المعرفة فخاخاً وألغاماً, الفخاخ ربما تتأتى على شاكلة ما نتعامل به يمنيا, ومن هنا قد يكون في الامر مغامرة ما, وحتى اوضح فان هذه الخطوة بنيت على ادراك ووعي بتجارب العديد من البلدان التي سبقتنا في قطار التنمية والتقدم ومنها دول شرق آسيا فالمجموعات الاقتصادية هناك رأت في العلم احد اهم السبل الكفيلة بتحقيق النمو ومجموعة هائل سعيد ذات الريادة الاقتصادية في اليمن ادركت صواب امتلاك رؤية مشابهة, وهي تدرك ان المخاطرة قائمة لكنها قائمة على حد سواء في الجبهة الاقتصادية او في الجبهة الثقافية ولكنها مغامرة محسوبة على الاقل لصالح المستقبل, وانا لا اقر تعبير (الفخاخ) الذي استخدمته وفي الوقت ذاته اخشى من ألا يدرك احد طبيعة مناطق ضعفه. * اشرت الى ان اهدافا واسعة وضعت لمؤسسة السعيد..ماهي؟ ـ وضعت اهداف عامة كما وضعت وسائل لتحقيقها وهي بشكل عام تندرج في دعم العلم والعلماء ودعم بعض قطاعات الاقتصاد الوطني والقائدة منها بشكل خاص والعناية بقضية المعرفة وجعلها حاضرة في الحياة العامة والاسهام المباشر في البحث العلمي في اليمن وتنشيطه شريطة ان يؤدي هذا البحث الى زيادة المعرفة وان يكون ذا فائدة عملية لليمن والاسهام في تخريج وتطوير جيل من العلماء والخبراء والمتخصصين اليمنيين في ميادين العلوم الطبيعية الاساسية والتطبيقية والتكنولوجية والتنموية ودعم الزراعة والنهوض بها وتحديثها بزيادة البحوث والتجارب العلمية والعملية والمساهمة في تحسين الاوضاع الاجتماعية والصحية و البيئية وابراز ونشر الابداع العلمي والفكري والادبي وتقدير وتكريم العلماء والادباء والكتاب ورجال الفكر ونوابغ الباحثين اما اهم وسيلة لتحقيق ذلك فهي اجراء الابحاث والدراسات ونشرها. * قد لا يكون هناك مشكلة بالنسبة للابحاث ذات الطابع العلمي البحت لكن ماذا عن الابحاث في المجالات الثقافية والادبية والنقدية والاجتماعية والفكرية فهي في النهاية اداة للتغيير الاجتماعي او انها في النهاية تستهدف التغيير وما اعرفه أن رأس المال معني بدرجة اساسية بحسابات المكسب والخسارة لا بالاصلاح الاجتماعي؟ ـ لاحظ اننا نشجع البحث العلمي عن طريق مجازاة من يفوز في اطار جائزة (هائل سعيد انعم للعلوم والثقافة) لا أكثر ونحن نعنى بالعلوم التطبيقية البحتة بدرجة اساسية وحتى بالنسبة للعلوم الانسانية والاجتماعية نحن بها لا نصارع كدون كيشوت, نحن ننزل من معارك السماء الى معارك الارض, لدينا قضايا محددة وحسية وذات اولوية ونناقشها بمنهجية علمية من خلال دراسات وابحاث يقدم فيها الباحثون رؤاهم للحلول والمعالجات وهي رؤى لا تظل حبيسة الادراج بل تقدم لمن يمكن ان يستفيد منها وبخاصة الاجهزة الرسمية, ومن هنا ليس ثمة مخاطرة بل على العكس هذا هو الاتجاه الصحيح, فمثلا عندما نختار مشكلة صحية نحن نختارها لأولويتها وإلحاحها في مجتمعنا ثم نقدم قراءة منهجية ولا نقدم شعارات ثم نقدم رؤية للحلول تستند الى اساس علمي والامر ذاته بالنسبة لمجالات النشاط الاخرى. * استبعاد الجانب السياسي فيما يتعلق بمجالات الجائزة الا يثبت صحة الحذر المشار اليه؟ ـ انا لا اتفق معك في الرأي كلية فنحن لم نغفل هذا الجانب بدليل وجود جائزة للابحاث في مجال العلوم الانسانية والاجتماعية وهو مجال يحتل جبهة واسعة من العلوم بما فيها العلوم السياسية ومع ذلك هل الاولوية في اليمن لما هو سياسي؟ ربما هذه احدى اشكاليات التطور في بلادنا, أي تغليب السياسي على ما هو حالي وماثل في الجوانب الاخرى, السياسة افضل لها ان تتجلى في السياسات القطاعية المحددة فهنا تثمر بشكل افضل. * ماهي المعايير التي على ضوئها يتم اختيار لجان تقييم واقرار البحوث المتنافسة على الجائزة وماهي ضمانات حياد هذه المعايير وتلك اللجان؟ ـ معروف ان التحكيم هنا قضية محورية, وهو الذي يقر جودة ورقي البحث من عدمه, و مقارنة بالفترة الزمنية القصيرة التي بدأنا نعمل فيها اعتقد اننا حسمنا هذه المسألة بجدارة فلا مساومة في مسألة العلم, المؤسسة كان يمكن ان تخصص مبلغا مغريا لتسليمه لعشرة او عشرين بحثا دون عناء التحكيم لكن الهدف هو ضمان النوعية لا الكم او الدعاية أي ان المهم هو خدمة المجتمع بشكل جاد وخلق اجواء تنافس تحض على الابتكار والابداع, وشروط اختيار لجان التحكيم واضحة جدا منها ان يكون عضو اللجنة حائزا على درجة علمية عالية وتحديدا درجة الاستاذية الكاملة او ذا خبرة طويلة ومشهودة في المجال المعني, وقد اثبتت تجربة السنوات الثلاث الماضية ان البلد بخير وان فيها طاقات بحثية متميزة لكنها تفتقد الى من يرعاها كي تنتج وتبدع ونحن نحاول ان نقوم بهذا الدور على اسس ومعايير علمية بحتة. * لماذا لا تتاح فرصة للتظلم بخاصة انه في كل دورة من دورات الجائزة حيث هناك من يعتقد بالفعل ان اجحافا وقع عليه؟ ـ اذا ما فتحنا هذا الباب (فلن نخلص) , ناهيك عن اننا لا نقبل رأي المتقدم في ذاته, وفي كل مجال من مجالات الجائزة لدينا ثلاثة محكمين أي ان قوام لجنة التحكيم 18 عالما واكاديميا, وكل محكم من الثلاثة يقدم تحكيمه بشكل فردي ودون ان يعلم به بقية المحكمين كما انه بشكل مسبق لا يعلم من الشخص صاحب البحث وكل هذا يعزز من الحياد ومن صواب منح او حجب الجائزة. * ماهي الشروط الواجب توفرها في البحث المتقدم للجائزة؟ ـ ان يكون بحثا علميا اصيلا وفقا لمعايير البحوث العلمية والاكاديمية بحيث يشكل اضافة في حقله ويكون ذا فائدة عملية لليمن وان يكون في المجالات المحددة مسبقا وألا يكون قد نال جائزة مماثلة. * لماذا يبدو نشاط المؤسسة مركزا على الجوائز السنوية الست؟ ـ ذلك ليس صحيحا فنحن خلال الفترة الماضية ساهمنا في مجموعة كبيرة من الفعاليات العلمية والثقافية شملت مؤتمرات وندوات وورش عمل بعضها نظمتها منظمات وجهات اقليمية ودولية يضاف الى ذلك انا سنفتتح هذا الشهر مكتبة السعيد الثقافية العامة في تعز وستشكل صرحا هاما في الحياة الثقافية اليمنية كونها اكبر مكتبة عامة في البلاد وهي ستبدأ بـ 100 الف عنوان و2000 دورية وستكون مربوطة بشبكة المعلومات العالمية بما يتيح الوصول الى ملايين العناوين وفي كل المجالات, ولدينا مشروع يتعلق بعمل شبكة معلومات وطنية ومشروعات تتعلق باصدار مجلة دورية محكمة ونشر الابحاث التي قدمت في الدورات السابقة للجائزة وهي بالعشرات في كتب ناهيك عن توسيع مجالات الجائزة ذاتها في الفترة القادمة وافتتاح فروع للمؤسسة في العاصمة صنعاء وبقية المدن الرئيسية, نحن بدأنا في تعز لكن الوطن اليمني هو نطاق اهتمامنا كله ولدينا نشاطات بحثية وعلمية وثقافية مشتركة مع جامعات تعز وصنعاء وعدن وسيكون هناك نشاطات مشتركة مع مؤسسات ومراكز عربية مماثلة قريبا. * تستأثر محافظة تعز بقرابة ربع السكان ومنها تنحدر اغلبية الشريحة المتعلمة في البلاد ورغم ذلك ثمة من وجه انتقادات لوجود مقر مؤسسة السعيد في مدينة تعز وليس في العاصمة صنعاء.. فما تعليقك؟ ـ نشاط المؤسسة يستهدف الوطن كله والمقر الرئيسي وجد في تعز لأن ادارة ومكونات مجموعة هائل سعيد موجودة فيها, ومعروف ان عبد الله الحجري محافظ تعز يتبنى مبادرة منذ العام 1997 بأن تكون مدينة تعز عاصمة اليمن الثقافية والحقيقة ان هذا اصبح هدفا مركزيا من اهداف الفعاليات المختلفة في المحافظة بحيث يتم في سنة 2001 اعلان تعز عاصمة ثقافية للبلاد, ونحن في مؤسسة السعيد نرى ان ذلك امر جدير بالعناية والاهتمام وينبغي العمل من اجله وجهد المؤسسة في هذا يتكامل مع الجهد الوطني العام, ومن الواجب ان تكون هذه الجهود منصبة باتجاه توفير مزيد من التأهيل للمدينة لتكون حاضرة للثقافة في اليمن بجدارة الفعل لا بجدارة الرغبة اذ لا فائدة من المسميات اذا لم توجد البنية التحتية اللازمة.