كان الخلاف حول وضع وصلاحيات نائب رئيس الجمهورية السابق على سالم البيض من الاسباب الرئيسية التي أدت الى اندلاع حرب صيف ,1994 واليوم تثار القضية ذاتها بشكل آخر وفي ظروف مختلفة لا تهدد بشيء بقدر ما تثير حفيظة قطاع من اليمنيين ممن تقودهم تفسيرات، بعض القانونيين للدستور الى الاعتقاد بأن الوضع الحالي لنائب رئيس الجمهورية غير دستوري وأن فراغا دستوريا سيحدث في حال عجز رئيس الجمهورية عن ممارسة مهام عمله لاي سبب ما يعني بشكل مباشر عدم حيازة النائب للشرعية التي تمكنه من مزاولة مهام الرئاسة كما ينص الدستور. القضية أثارها مجددا الحزب الاشتراكي اليمني في صحيفته (الثوري) عقب تأدية الرئيس علي عبد الله صالح اليمين الدستورية بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي اجريت في سبتمبر الماضي واستغربت الصحيفة استمرار نائب الرئيس في مزاولة مهامه دون ان يتم اعادة تعيينه, وكان الفريق عبد ربه منصور هادي عين في منصبه بمرسوم رئاسي في الثاني من اكتوبر عام 1994 وشغل قبل ذلك منصب وزير الدفاع. ولان الحزب الاشتراكي لم يقدم أي حجج قانونية تدعم ما طرحه مرت المسألة بسلام الى أن أثارها الشهر الجاري الخبير في القانون الدستوري الدكتور محمد على السقاف وذلك في مقالتين بصحيفة (الايام) ولم يكتف السقاف الذي تحظى اجتهاداته باهتمام واسع بالقول بضرورة اصدار قرار تعيين جديد لنائب الرئيس بل أيضا ضرورة أدائه اليمين الدستورية أمام مجلس النواب حتى يكتسب الشرعية التي تؤهله مزاولة مهام الرئاسة في حال حصول أي ظرف وألمح السقاف الى ان هذا الوضع قد يكون مقصودا بحيث لا يوجد غير رئيس مجلس النواب الشيخ عبد الله بن حسين الاحمر لتولى مهام الرئاسة باعتبار أن وضعه الدستوري والقانوني سليم ولاغبار عليه. مستشار اللجنة العليا للانتخابات محمد حسين الفرح رأى ايضا وجوب تعيين الرئيس بعد اعادة انتخابة للنائب الحالي او نائب اخر وضرورة أن يؤدي النائب بعد صدور قرار التعيين اليمين الدستورية ووفقا لمصدر في مجلس النواب فأن أغلبية الاعضاء يرون ضرورة تأدية النائب لليمين الدستورية أمامهم حتى تكتمل شرعيته الدستورية رغم أن بعضهم رأى عدم ضرورة صدور قرار تعيين جديد ولاكتفاء فقط باليمين. من جانبه أكد وزير الشئون القانونية وبعد صمت طويل سلامة الوضع الدستوري للنائب ووصف القائلين بغير ذلك بأنهم (جهلة أو كذابون) وقال في تصريح لـ (البيان) أن الدستور لم ينص على اجراء تعيين جديد للنائب بعد الانتخابات الرئاسية بل أكد عدم وجود اشكال قانوني فيما يتعلق بكافة التعيينات التي تمت قبل الانتخابات الرئاسية وأوضح أن الدستور لم ينص على اجراء تعيينات جديدة بعد اتمام هذه الانتخابات ما يعني أن جميع التعيينات التي تمت قبلها مستمرة ولاتحتاج الى تجديد سواء تعلق ذلك بتعيين نائب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء أو المحافظين أو غيرهم ممن يعينون بقرار جمهوري. المستشار الفرح وصف من جانبه القول بعدم ضرورة اعادة التعيين او أداء اليمين بأنه خاطىء وينشىء وضعا غير سليم وقال أن هناك فرقاً بين الحكومة ونائب الرئيس يتمثل في أن الحكومة مرتبطة بانتخابات برلمانية أما نيابة الرئاسة فهي مرتبطة بالانتخابات الرئاسية. وكان السقاف ساق جملة من الحجج والاسانيد التي تدعم وجهة نظره وابتدأ من آخر تعديلات اجريت على الدستور اليمني عقب حرب صيف 1994 فقال (دعونا نرى بعد تصويت واقرار مجلس النواب لهذه التعديلات ما الذي تم استبعاده او الاحتفاظ به بعد الحرب, حيث وافق المجلس على الشكل النهائي للتعديلات في جلسته يوم 28 سبتمبر 94 واستبعد من نص المواد المعدلة مبدأ اعلان الرئيس اسم نائبه حتى لايكون معروفا قبل اجراء الانتخابات العامة للرئيس واستبعد تحديد مدة تولي نائب رئيس الجمهورية بدورتين مثل رئيس الجمهورية واستبعد من المادة 115 فرضية خلو منصب نائب الرئيس وكذا امكانية عرض النائب المختار على مجلس النواب للموافقة عليه.. ماذا تعني كل هذه التعديلات؟ وماذا تعكسه من عقلية وفلسفة سياسية؟ نقصر اجابتنا على القول بأنها تعكس العقلية ذاتها التي ادت الى رفض موضوع انتخاب رؤساء الوحدات الادارية (المحافظ ومدير المديرية ) في قانون السلطة المحلية والرغبة بمسك عنق الزجاجة لدى الجهة المخولة بالتعيين على الشخص الذي تعينه, الامر الذي يختلف كلياً عما اذا تم انتخابه اذ يعطيه ذلك استقلالية نسبية وهذا مرفوض تماماً, ومن هنا جاء فك ارتباط بين الصفة الانتخابية للرئيس وقرار تعيين نائبه وكذا حرمان الاخير من أي صفة قد تعطيه شرعية ولو بشكل غير مباشر من خلال مجلس النواب) . ويتابع السقاف (وحينما نجح الاخ الرئيس في انتخابات الرئاسة وقام وفقا لنص المادة 108 من الدستور بتأدية اليمين الدستورية امام مجلس النواب يوم السبت 2 اكتوبر 99 قبل انتهاء فترة رئاسته بثلاثة ايام فقط كان من المتوقع ان يؤدي معه اليمين الدستورية نائبه الاخ عبد ربه منصور هادي ولم يحدث, وبالتالي كان متوقعا وكما جرى في اكتوبر 1994 ان يصدر قرارا بتعيينه في منصبه كنائب للرئيس وهذا ايضا لم يحدث, وما نحذر منه هنا هو ان هذ ا الوضع خطير ومخالف للدستور, واذا كان الرئيس ايضا لم يشكل حكومة جديدة او يكلف مجددا الحكومة القائمة كما يطرح البعض, فان الامر هنا مختلف فالفارق بالنسبة لنائب رئيس الجمهورية انه وفقا لنص المادة 115 من الدستور فانه في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية او عجزه الدائم عن العمل يتولى مهام الرئاسة مؤقتا نائب الرئيس لمدة لاتزيد عن ستين يوما يتم خلالها انتخابات جديدة للرئيس, ومن الفوارق بين وضع رئيس الوزراء ونائب الرئيس ان السلطة التنفيذية حسب الدستور ثنائية, فسلطات رئيس الجمهورية مختلفة عن سلطات رئيس الوزراء وقد افرد الدستور الفرع الاول لرئاسة الجمهورية والفرع الثاني لمجلس الوزراء ويتضح من ذلك ان منصب نائب الرئيس مرتبط عضويا بمنصب رئيس الجمهورية كما ان المادة 105 الفقرة (ب) من الدستور اوضحت ان تطبيق المواد 106 و116 و117 و126 من الدستور على النائب مثل رئيس الجمهورية تماما وذلك من ناحية الشروط الواجب توفرها لمنصب رئيس الجمهورية وهي غير الشروط الواجب توفرها في رئيس الوزراء وكذا فيما يختص بحالة اتهامه بالخيانة العظمى او بخرق الدستور فما ينطبق عليه ينطبق على الرئيس بينما تختلف الاجراءات فيما يتعلق برئيس الوزراء والوزراء, يضاف الى ذلك كله ان المادة 159 اشارت صراحة الى (اليمين الدستورية التي يؤديها رئيس الجمهورية ونائبه...) . ويخلص السقاف الى مجموعة تساؤلات (ماذا سيكون الوضع في البلاد اذا ـ لاسمح الله ـ حدثت أي حالة من حالات خلو منصب الرئاسة ولم يقم الرئيس قبل ذلك باصدار قرار بتعيين نائبه؟ الذي سيحدث اننا سنكون امام فراغ دستوري في قمة السلطة التنفيذية, فهناك نائب لم تستكمل نحوه الاجراءات الدستورية فهل يحق له وفقا للمادة 115 تولي الرئاسة؟ وهل يعقل ان يكون ذلك دستوريا صحيحا؟ وهل بامكانه كرئيس مؤقت ان يصدر قرارا لنفسه؟ طبعا كل هذا غير ممكن ولن يكون متفقا مع الشرعية الدستورية .هل يراد من هذا الاغفال اعتبار ان غياب الرئيس ونائبه ( لعدم وجوده دستوريا ) يسمح بتولي مهام الرئاسة المؤقتة لرئيس مجلس النواب حسب نص المادة 115؟ من الواضح ان الامر عاجل وخطير ويتطلب معالجة سريعة من اجل الامن والاستقرار وكخطوة نحو بناء دولة المؤسسات والقانون, من غير ذلك فان الفراغ السياسي والدستوري سيفتح بابا نحو المجهول لمستقبل اليمن) .