لا يزال الجدل مستعراً في اليمن حول الزيارات التي قامت بها للبلاد مؤخراً بضعة افواج سياحية قدمت من اسرائيل, وانتقل التراشق بين المعارضة وصحفها والتي ترى ان اليمن لحق بجدارة بقطار التطبيع والحكومة ووسائل اعلامها التي تؤكد مراراً على ما تصفه بالموقف الثابت ازاء مسألة التطبيع الى ساحة اوسع وقضايا اعمق. فلم يعد الجدل يتمحور حول ما اذا كان استقبال تلك الافواج والتي تجاوز عدد اعضائها الثمانين شخصاً تطبيعاً ام لا (طالما ان هؤلاء اليهود لا يحملون الجنسية اليمنية, فلا معنى للقول بأنهم من اليمنيين في الغربة, لانهم اسرائيليون محاربون يحتلون فلسطين, وليس حتى مثل اخوانهم في امريكا او غيرها, فهم جزء من مجتمع استعماري استيطاني) حسب تعبير الدكتور ابو بكر السقاف, بل تركز حول مدى القابلية للتطبيع على المستوى الشعبي وكأن التطبيع الرسمي اصبح امراً مفروغاً منه. واجمالا يمكن حصر المتراشقين في طرفين يرى الاول ان لا مستقبل للتطبيع في اليمن على الاقل على المستوى غير الرسمي ما لم تحسم المسألة عربياً فيما لا يرى الثاني اي مؤشرات على وجود مقاومة جادة وحقيقية للتطبيع من قبل منظمات المجتمع المدني او الشرائح الشعبية, ويسوق الطرف الاول ما يعتبره مجموعة حقائق ووقائع حصلت مع بدء هجمة السياح الاسرائيليين الاخيرة على البلاد منها ان جميع احزاب المعارضة (وشخصيات من الحزب الحاكم) استنكرت هذه الخطوة وطالبت في بيانات شديدة اللهجة بمحاسبة الحكومة كما شنت صحافتها حملة شعواء على (المطبعين) في وقت قلما تجمع فيه هذه الاحزاب على رأي موحد ازاء قضية ما, ومثل الاحزاب النقابات والمنظمات والاتحادات المهنية والجماهيرية, يضاف الى ذلك مواقف خطباء المساجد ورجال الدين ومشايخ القبائل كما تبدى في خطب الجمعة وفي المهرجان الكبير الذي نظمته (جامعة الإيمان) وحضره اكثر من 10 آلاف شخص وتحول من حفل للاحتفاء بالخريجين الى فعالية لمقاومة التطبيع, ناهيك عن اعلان بعض القبائل اليمنية (رد البراء على اليهود) ما يعني على الاقل رفضها زيارتهم او حتى مرورهم في اراضيها, وفي رأي هذا الطرف فإن هذه (الحيوية) في الشارع اليمني خلقت اجواء جديدة دفعت الحكومة الى اعادة النظر في حساباتها وبعدما كانت استقبلت اول الافواج الاسرائيلية بعلنية ووسط هالة اعلامية ملفتة شددت من اجراءاتها الامنية حول الوفود التالية واحاطت حركتها بتكتم شديد, وهي ايضاً دفعت اسرائيل الى تحذير مواطنيها من زيارة اليمن في الوقت الحاضر. ويقدم الطرف الثاني رؤية تبدو اقرب الى حقيقة ما حدث خلال الاسابيع الاربعة الماضية, وتشكك في حقيقة المقدمات والنتائج معاً, فالاحزاب بدت من وجهة نظره ضعيفة ازاء ما حدث واقتصرت مواقفها على الشجب والادانة دون ان تقوم بأي تحرك يترجم مواقفها الى تحرك عملي, وهي قبل ذلك تلكأت في اعلان موقفها مدة اسبوع كان بعده قد غادر اول وفد اسرائيلي البلاد كما اوشك رئيس الجمهورية على ختام جولته الامريكية ـ الاوروبية وبذلك (تجنبت احراجه) ولجنة مقاومة التطبيع المعنية اكتفت بالتصريحات والبيانات وتراجعت عن رفع دعوى ضد الحكومة كما رفضت المبادرة بقيادة تحرك شعبي من اي نوع فـ (ظروف البلد لا تحتمل ذلك) حسب تعبير رئيسها حاتم ابو حاتم, كما ان اغلب المنظمات والنقابات وفي مقدمتها نقابة الصحفيين لم تعلن اي موقف ومن (استحى) منها وزع بيان احتجاج على الصحف, والاكثر من ذلك ان مقابلة هذه الوفود والترحيب بها (وتقديم الهدايا لها احياناً) لم يقتصر على المسئولين بل شمل شرائح عديدة ابتداء بوكالة السفر اليمنية التي تولت (تسييحهم) في ارجاء البلاد الى اصحاب الفنادق والمحال التجارية والى المرافقين لهذه الوفود, الى الصحفيين الذين اجروا لقاءات واخذوا صوراً وتصريحات, وحتى أهالي الحارات في المدن والقرى في الارياف حيث حلت هذه الوفود ـ وبعضها يقع في نطاق اراضي القبائل ـ استقبلوا هؤلاء بحميمية واداروا مع من يعرف منهم العربية احاديث الذكريات ومن ثم لم يكن غريباً ان يقول احد الحاخامات لصحفي يمني (نحن نحبكم وانتم تحبوننا) !!, وحتى الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر رئيس مجلس النواب هو ذاته ايضاً مطالب بتفسير لكيفية دخول احد هذه الوفود الى منزله وتناوله المرطبات والكيك كضيافة رغم رفضه مقابلتهم وموقفه بعد ذلك بطردهم. ويخلص هذا الفريق الى (ان تطبيع العلاقات بين اليمن واسرائيل لن يجد مقاومة كتلك التي يجابهها في دول اخرى) حسب تعبير رئيس تحرير صحيفة (الأسبوع) حسن العديني. صنعاء ـ مراد هاشم