أجرى (بيان الاربعاء) حوارا مع المفكر المصري الدكتور ابراهيم سعد الدين خبير الاقتصاد الدولي مدير منتدى العالم الثالث التابع للامم المتحدة (مكتب الشرق الاوسط) حول العديد من القضايا الاقتصادية في ظل النظام العالمي الجديد الذي اصبح حقيقة موضوعية لا مفر من الاعتراف بها والتعامل مع المشهد العالمي المتغير. ولهذا كانت الاسئلة التي طرحناها على الدكتور سعد الدين تدور حول الاتجاهات الاساسية للتطور الاقتصادي في ظل العولمة, ولماذا تحولت الرأسمالية من رأسمالية وطنية الى رأسمالية عابرة للقارات؟ وفي ظل هذا الواقع الجديد هل مازالت وصفة البنك الدولي وصندوق النقد للإصلاح الاقتصادي في الدول النامية وعلى رأسها معظم دول العالم العربي, هل مازالت هذه الوصفة صالحة للتناول؟ وهل الاعتراف بالعولمة كحقيقة موضوعية يعني القبول بآلياتها قبولا كاملا؟ وما هو دور القوى الوطنية المحلية إزاء هذا الواقع الجديد وما هو الدور الذي ينبغي أن تلعبه قوى اليسار الوطني وأخيرا ما هو الوضع المتوقع للعالم العربي إزاء كل هذه الأوضاع؟ بدأ د. سعد الدين الحديث قائلا: من المفيد أن نميز بين اتجاهات أساسية للتطور الاقتصادي والاجتماعي تحدث على المستوى العالمي, وبين ما يترتب على هذه الاتجاهات من توجهات محلية في هذا القطر أو ذاك.. فإذا كنا نسلم بأن الاتجاه الأساسي على النطاق العالمي في هذه المرحلة, هو الاتجاه لتحول الرأسمالية من رأسمالية وطنية إلى رأسمالية عابرة للقوميات, أو بمعنى أصح رأسمالية كوكبية وإذا كنا نسلم بأن محاولات البناء الاشتراكي قد أصيبت بنكبة كنتيجة لانهيار المعسكر السوفييتي وأزمة نموذج دولة الرفاهية في الغرب إذا كنا نسلم بذلك فليس هذا معناه بالضرورة أن أي دولة من دول العالم الثالث التي هي في مرحلة النمو لا تجد أمامها طريقا سوى الانخراط في الكوكبة والقبول بآلياتها وشروطها قبولا كاملا. ويجب هنا التميز بين الاعتراف بالواقع الجديد وأخذه في الحسبان والتعامل معه كحقيقة يمكن التأثير فيها كنتيجة لفعل القوى الوطنية المحلية وبين الإذعان للآليات والشروط السائدة باعتبارها قدرا لا يمكن الفكاك منه ولا السعي لتحديه أو حتى التقليل من آثاره. متعددة الجنسيات * هناك امور لابد من توضيحها .. فمثلا لماذا تحولت الشركات المرتبطة بدول بعينها الى شركات متعددة الجنسيات؟ وكيف يمكن التقليل من مخاطر هذه الشركات؟ ـ دون الدخول في التفاصيل ان احد الاسباب للعولمة هو نشوء وتطور الشركات متعددة الجنسية, وتطور هذه الشركات يرجع في الأساس إلى تحول الرأسمالية منذ فترة طويلة من رأسمالية تسود فيها المنافسة السعرية إلى رأسمالية تسود فيها المنافسة غير السعرية, ولتوضيح الأمر فالمنافسة السعرية معناها أن تقوم الشركات بالحصول على أرباح أكثر من السوق عبر البيع بسعر أرخص, وتلجأ الشركات في هذه الحالة إلى تقليل تكلفة الإنتاج مما يساعدها على بيع السلعة بسعر أقل فتهزم الشركات المنافسة في إنتاج نفس السلعة بتكلفة أكبر هذه هي المنافسة السعرية , ولكن ماذا حدث؟ حدث التطور الأهم وهو الانتقال من المنافسة السعرية إلى المنافسة غير السعرية وهذه الأخيرة تتم من خلال التجديد في العمليات الإنتاجية وفي المنتجات, أي تقديم الجديد بصفة مستمرة والتجديد في السلعة بالموضة, وهذا التغير كان معناه بصفة أساسية الانتقال إلى مرحلة الرأسمالية التي تعتمد على التجديد المستمر, والمنافسة غير السعرية تؤدي إلى شيء مهم للغاية وهو التقادم السريع للسلعة, ليس لأنها لم تعد ذات فائدة, بل لأن هناك ما هو أفضل منها أو ما هو موضع إقبال بدرجة أفضل. * ولكن ما علاقة هذا الوضع بالعولمة؟ ـ في إطار التحول إلى المنافسة غير السعرية والقائمة على التجديدات أصبحت عالمية السوق ضرورة لأن التجديدات تتكلف مبالغ طائلة لكي تحدث وتستمر, ولابد من استعادة ما تم إنفاقه عليها في أسرع وقت ممكن, قبل أن يحدث تجديد آخر يمنع تحصيل ما تم إنفاقه في عملية التجديد والتطوير بواسطة الشركات التي مارست مثل هذه العمليات, ونتيجة لهذا التطور فإن السوق العالمي يتطلب الإنتاج في أكثر من مكان بالعالم ويتطلب أيضا انفتاح الأسواق العالمية أمام السلع, ويتطلب في نفس الوقت تمويل هذه التجديدات والتغيرات بما يؤدي إلى أهمية تحريك الموارد المالية من مكان إلى آخر بسهولة ويسر مع قدرة هذه الشركات دولية النشاط على استخدام مدخرات العالم ككل في نشاطها وتوسعاتها. من هذا المنطلق وكنتيجة لهذه التطورات بدا زحف الشركات متعددة الجنسيات في التزايد وأصبح دورها في الاقتصاد الدولي يزداد سنة بعد أخرى وتحولت العديد من الشركات ذات الطابع القومي المستندة إلى دولة معينة إلى رأسمالية متعددة الجنسيات. المركز والشروط * اين تتركز هذه الشركات وكيف تفرض شروطها؟ ـ هذه الشركات تتركز بصفة أساسية في الأمريكتين والسوق الأوروبية المشتركة واليابان والشرق الأقصي, ونصيبها في الإنتاج وفي التجارة يتجاوز ثلثي النشاط الإنتاجي والتوزيعي في هذه المناطق وعلى نطاق دولي, وقد كان من الضروري لهذه الشركات أن تدعو إلى تحرير التجارة من أي قيود تفرضها الدولة, أو مجموعة الدول على أعمالها, كما كان من الضروري بالنسبة لها أن تتحرر عملية انتقال رؤوس الأموال وتتحرك بلا قيود لتتمكن الشركات من توظيف المدخرات العالمية في أنشطتها. ومن هنا يمكن إدراك الارتباط بين الطابع عبر القومي للرأسمالية المعاصرة وبين اتفاقية الجات (تحرير التجارة الدولية) وبين توجهات المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي إطار هذا الاتجاه لعالمية الإنتاج وعالمية السوق كان من الضروري إزاحة كل القيود التي تحد من حرية حركة هذه الشركات ومن ضمن هذه القيود بطبيعة الحال وجود قطاع عام في بعض الدول يصعب عملية الاستحواذ والاندماج التي تتم بواسطة هذه الشركات في الأسواق العالمية. توظيف التكنولوجيا * كيف يتم توظيف الثورة العلمية والتكنولوجية في هذا السياق؟ ـ لا يمكن الفصل بين هذا التطور في الإطار الرأسمالي وبين ما حدث من ثورة علمية وتكنولوجية إذ أن تطور العلم والتكنولوجيا يرتبط بتوفر التمويل اللازم لتمويل النشاط العلمي والتكنولوجي, ورغم أن الدولة قد لعبت دورا أساسيا لتمويل البحوث العلمية حتى الدول الرأسمالية, خاصة فيما يتعلق بالتطور في أدوات الحرب والأسلحة, إلا أن أكثر من نصف الإنفاق على التطور العلمي والتكنولوجي يتم بواسطة الشركات متعددة الجنسيات ومن الطبيعي أن يوجه العلم إنتاج ما هو أكثر إدرارا للربح لمن يقوم بعملية التمويل. مواجهة الكوكبة * يبدو من هذا الكلام أن الدول النامية عليها التسليم بشروط (العولمة) كقدر لا مفر منه؟ ـ لا.. هذه الحقائق كلها لا تعني ضرورة القبول غير المشروط بالتوجهات التي تسعى الرأسمالية الكوكبية لفرضها على الإطار العالمي, على أن القدرة على اتخاذ موقف مستقل في أي أمر من الأمور رهن ببناء القدرة الذاتية على التنافس بواسطة المنتجين في الدول النامية سواء كان الإنتاج يتم بواسطة القطاع الخاص أو العام. فلم يعد من المستطاع حاليا عزل أي اقتصاد عن التطورات العالمية ولا عن التنافس الذي يحدث ليس فقط في الأسواق المحلية لكن أي مجتمع يستطيع أن يكون أفضل إذا تمكن من بناء قاعدته العلمية والتكنولوجية المستقلة, وإذا رفع معدلات الادخار فيه بحيث يحد من حاجته إلى تدفق رأس المال الأجنبي واحتياجه لمصادر خارجية لبناء القاعدة الإنتاجية الداخلية, كما أن دول العالم الثالث ستكون أقدر على مواجهة آليات الكوكبة بمقدار قدرتها على تشكيل أسواق مشتركة إما على أساس قومي أو على أساس إقليمي. الوضع العربي * كيف ترى الوضع العربي في هذه الظروف؟ ـ الوضع العربي كما هو ظاهر مهترئ وضعيف ولكن الأمر يرجع في النهاية إلى العرب أنفسهم وليس إلى الكوكبية وتحدياتها, فالتحديات موجودة ولكن المشكلة هي العرب أنفسهم.. فمثلا هل يستطيع العرب أن يكون لهم مشروعهم الخاص بالتنمية العربية المعتمدة على الذات أم لا؟ وبافتراض أن العرب يستطيعون بناء سوقهم العربي المشترك فإن العديد من الشركات دولية النشاط التي تسعى إلى البيع في سوق كبير يبلغ تعداده أكثر من 250 مليون نسمة قد تفضل أن تجعل مركز نشاطها في أحد الأقطار المكونة لهذا السوق العربي سواء كان ذلك النشاط في مصر أو سوريا أو المغرب أو غيرها ولكن الأمر يختلف في حالة غياب سوق عربي مشترك ونشأة سوق شرق أوسطي كما تدعو لذلك إسرائيل فقد تجد العديد من الشركات دولية النشاط أن من الانسب أن تصبح إسرائيل مركزا لنشاطها الإنتاجي نظرا لما تتمتع به من توفر عمالة على مستوى تكنولوجي أفضل ومن أن المجتمع الإسرائيلي هو امتداد لهذه المجتمعات الغربية. * ما هي قراءتك للمستقبل من خلال الاوضاع الحالية؟ ـ اذا استمر التوجه الحالي المذعن للرأسمالية الدولية ولشروط التسوية مع اسرائيل سيكون من الطبيعي ان نتحرك تدريجيا في اتجاه سوق شرق اوسطية, اما اذا نهضت الامة بتنميتها الذاتية واستقلالها وبناء حضارتها فان الامر سيكون مختلفا. العولمة والديمقراطية * يرى البعض ان العولمة ستسهم في خلق مساحات واسعة للديمقراطية وحقوق الانسان من خلال اضعافها لهيمنة الدولة ومركزيتها؟ ـ العولمة موجودة في الدول الدكتاتورية كما هي موجودة في الدول الديمقراطية وعلى سبيل المثال فإن أندونيسيا كانت جزءا من السوق العالمي ولم تؤد هذه الحقيقة إلى تطور الديمقراطية أو سعيها في اتجاه الديمقراطية إلا بعد أن تحرك الشعب الأندونيسي بنفسه ضد الطغمة العسكرية الحاكمة, وحين يحدث تحرك في اتجاه الديمقراطية بواسطة الشعوب وحركتها فهذا لا يمنع استمرار التعاون الاقتصادي للشركات دولية النشاط في الأوضاع الجديدة . . وصحيح أن هيمنة الدولية المركزية يحد منها في إطار الشركات متعددة الجنسية لكن هذا لا يعني الديمقراطية فتطور المجتمع المدني ليس مرهونا بالعولمة وإنما هو مستقل ومرهون بالحركة الداخلية المحلية وليس بالعولمة او غيرها. * كيف تنظر الى دور اليسار العربي في هذا الاطار؟ ـ اليسار لا يعيش خارج المجتمع فهو جزء من مجتمع ولابد أن يدرك إدراكا حقيقيا التطورات المعاصرة ويسعى لقيادة مجتمعه لتحقيق نمو مستقل متسارع ولابد أن يسعى لتحقيق تحسن مستمر في نوعية الحياة لأوسع الجماهير الشعبية في إطار من المشاركة والديمقراطية والعدل الاجتماعي وهذه كلها تبقى أهدافا لليسار تتغير سبل تحقيقها باختلاف الظروف والأوضاع ومن الطبيعي أن يسعى اليسار للتعرف على الواقع المحلي والإقليمي والعالمي, وأن يأخذ التغيرات في هذا الواقع في الحسبان لأي برنامج يقدمه لتحقيق الأهداف التي سبقت الاشارة اليها.