أفاد تقرير اعدته اللجنة الدولية للمياه مؤخرا, بشأن مستقبل المياه في القرن الحادي والعشرين, ان نصف سكان العالم يعانون من نقص في المياه, وان الوضع سيزداد سوءا, وان النمو السكاني الذي تصل معدلاته الى 8 مليارات في سنة 2025 (مجموع الكرة الارضية) يؤدي الى تزايد الطلب على المياه بنسبة 17% لحاجات الري و20% لغايات صناعية و 70% للاستهلاك المنزلي. وهذا يذكرنا بما أعلنه في منتصف الثمانينيات خبير في منظمة متخصصة, في الجامعة العربية, بان سعر لتر الماء سيوازي في يوم ما سعر لتر البترول. من هذا وذاك, يتضح ان شح المياه, مشكلة عالمية, وان الوطن العربي, من اقصاه الى اقصاه, يعاني من نقص كبير في واردات المياه, بحيث انخفضت حصة المواطن العربي من المياه الى اقل من نصف حصة المواطن في الدول الصناعية. اما العراق, الذي يعاني حصارا, يفضي الى شح في كل الحاجات الاساسية, فانه يعيش السنة الثانية, على التوالي, من سنوات الجفاف وقلة الامطار, وشح المياه في الانهار والبحيرات, مما يشكل حالة خطيرة, لا تخلو من اسباب متفردة مضافة, تفرضها اعتبارات خاصة. فما هي اسباب المشكلة ..؟ وما حجمها ..؟ وما الذي يجري لمواجهتها؟ بغداد ـ نصير النهر: في متابعة (البيان) الميدانية لموضوع شح المياه, وماهو منتظر في موسم الصيف المقبل, التقت اولا المهندس محمود ذياب الاحمد, وزير الري العراقي, الذي قال: ـ كما هو معروف, ان الحياة في العراق, تقوم منذ الازل على مياه نهريه الرئيسين (دجلة .. والفرات), وعلى ضفافهما, وبينها, نشأت اولى الحضارات الانسانية (حضارة وادي الرافدين) .. وقد ابتدع العراقيون الوسائل والطرق اللازمة للمحافظة على المياه, واستخدامها استخداما مناسبا .. ومنذ تلك التواريخ السحيقة, ولحد الآن, يعد هذان النهران مصدر الحياة لبلاد مابين النهرين .. حيث يقطن 8 ملايين نسمة على نهر الفرات, و 14 مليون نسمة على نهر دجلة .. وان الاحتياجات لمياه الشرب, ولاغراض الصناعة والزراعة, والمتطلبات الاخرى, تؤمن كلها من هذين النهرين الخالدين. وقد سعى العراق منذ وقت مبكر, الى تطوير موارده المائية, وتنميتها, من خلال ادخال الطرق الحديثة في الزراعة والري, وتنفيذ المشاريع التي تهدف الى تحقيق الاستخدام الكفء للمياه في مختلف المجالات, كما انه اصدر التشريعات القانونية المناسبة لترشيد استخدام المياه, ومنع التلوث, ومكافحته, لكن هذه الخطط تصطدم بعاملين يؤديان الى اعاقة تنفيذها بصورة سليمة .. اولهما يتمثل في الاجراءات المتبعة في دولة المنبع, حيث تقام هناك السدود الضخمة والمشاريع التي تستحوذ على كميات كبيرة من المياه, مما يؤثر كثيرا على حقوق العراق, علاوة على النتائج البيئية الخطيرة لتلك المشاريع, والعامل الثاني يتمثل في الحصار الاقتصادي, الذي يستمر فرضه للسنة العاشرة .. ومن نتائجه السلبية الخطيرة اعاقة خطط التنمية الموضوعة في العراق, ومنها خطط تطوير الموارد المائية .. وبسببه يمنع العراق من استيراد المواد اللازمة لمعالجة المياه, وتصفيتها, ومكافحة الامراض التي تنجم عن صعوبة تأمين مياه الشرب, طبقا للمواصفات الصحية المطلوبة. المشاريع التركية .. والموقف الحرج * ونسأل وزير الري العراقي: ما مدى الاضرار التي تلحقها المشاريع والسدود التركية بالعراق؟ ـ لقد بدأت (الجارة) تركيا برنامجا لاستثمار مياه النهرين, واعطت الاولوية لنهر الفرات وقد استهدف برنامجها انشاء سدود عملاقة على حوضي النهرين, كان أولها سد (كيبان) ثم (قرة قابا), وسد (اتاتورك), وكذلك (بيره جوك) و (قره قامش) .. على نهر الفرات. وسدود (دجلة) (بطمان) و (كيرا الكينري) و (اليسو) .. على نهر دجلة, وسدود (هيكاري) الثلاثة على نهر الزاب الاعلى والمخطط النهائي لهذه السدود يشمل 22 سدا, مع توسع كبير في الرقعة الزراعية .. اذ تبلغ المساحات المستهدفة ما مجموعه مليون و 693 الفا و 27 هكتارا, ضمن مشروع جنوب شرق الاناضول (GAP), مضافة الى مساحة 582 الفا و 310 هكتارات خارج المشروع المذكور, ويبلغ اجمالي الاحتياجات المائية لهذه المشاريع بحدود 21 مليار متر مكعب. وازاء هذه المسألة بالغة الاهمية بالنسبة للعراق, فقد حرص العراق على تثبيت موقفه القانوني بشأن تنفيذ هذه المشاريع, نظرا لمخالفتها قواعد القانون الدولي, والممارسة العرفية .. التي تفرض التشاور المسبق مع اسفل النهر, وهما العراق وسوريا, ومراعاة مصالح دول المجرى المائي المعنية كافة. يضيف المهندس محمود ذياب الاحمد: المشاريع التركية هذه, تضع العراق, باعتباره دولة اسفل النهر, في موقف حرج جدا, لانه يتأثر سلبا باجراءات دول اعلى النهر. وقد سعى العراق, ومنذ وقت مبكر, مع الدول المتشاطئة, الى الدخول في مفاوضات ثلاثية, للتوصل الى اتفاق يضمن حصص كل بلد من البلدان المتشاطئة, طبقا لقواعد القانون الدولي وعلى الرغم من ان المفاوضات قد بدأت منذ اوائل الستينيات من القرن العشرين, الا انها لم تثمر لحد الآن في التوصل الى اتفاق نهائي, يحدد حصة كل دولة من الدول الثلاث في مياه النهرين (اللذين يخترقان العراق من الشمال الى الجنوب بشكل كامل), ومن المؤسف ان هذه الاجتماعات قد توقفت منذ سنة 1992, رغم دعوات العراق المتكررة لاستئناف عقدها ... تشاركه في ذلك ايضا الشقيقة سوريا. ان الاستمرار في تنفيذ المشاريع على مياه النهرين, قبل التوصل الى اتفاق بشأن قسمة المياه, سيؤدي الى نقص كبير في كمية المياه الواردة الى العراق, وترد خطير في نوعيتها ... اذن ان الحسابات الاولية تشير الى ان موارد نهر الفرات ستنخفض بعد استكمال المشاريع من 30.3 مليار متر مكعب, الى 8.45 مليارات متر مكعب, على الحدود العراقية السورية, كما ان التراكيز الملحية سترتفع من 475 جزءا بالمليون, الى 1250 جزءا بالمليون, اضافة الى التلوث الناجم عن مخلفات العمليات الزراعية, في الاراضي المروية للقطاعات المستهلكة للمياه كافة, وبالاخص مياه الشرب للسكان القاطنين على نهر الفرات, مما يرتب على ذلك انعكاسات سلبية خطيرة في مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية لحوض الفرات وزيادة هجرة سكان الريف الى المدينة, وزيادة مشكلة التصحر .. وما الى ذلك. ضرورة الاستخدام المنصف * كيف يكون الحل بعد هذا في رأيكم؟ ـ ان موقفنا من كيفية حل المشاكل الناجمة عن تنازع الاستخدامات بين الدول المتشاطئة, يتمثل عادة باعتماد قواعد القانون الدولي, التي تنظم كيفية استخدام الموارد المائية المشتركة, وقد انعكست هذه القواعد عمليا في التطبيق على نزاعات عدة بين مختلف دول العالم في منتصف القرن التاسع عشر, واستمر تطبيقها في القرن العشرين, وبذلك اصبحت جزءا راسخا من القانون الدولي. كما تم اعتمادها من قبل لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة في صياغة قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الاغراض غير الملاحية, التي اقرتها الدورة (51) للجمعية العامة للامم المتحدة في 21/5/1997. ان قواعد القانون الدولي, والاتفاقية, توجب استخدام المجرى المائي المشترك استخداما منصفا ومعقولا, وان لا يسبب ذلك الاستخدام اضرارا للدول المتشاطئة الاخرى .. كما تنص على اهمية تبادل المعلومات ومكافحة التلوث, واود هنا ان الفت الانتباه الى مسألة تكتسب اهمية خاصة, تتعلق في تمويل المشاريع المائية المقامة على الانهار الدولية, فمما يؤسف له في هذا المجال ان بعض الدول والشركات والمؤسسات المالية الدولية, تساهم في انشاء وتمويل مشاريع على الانهار الدولية المشتركة, دون الالتزام بالقواعد الدولية المتبعة, التي تتلخص بضرورة اتفاق الدول المتشاطئة على هذه المشاريع, وعدم المساهمة في انشائها او تمويلها اذا كان هناك خلاف او نزاع قائم بين تلك الدول المعنية, بخصوص كيفية الانتفاع من المياه المشتركة, ولابد من التذكير هنا بان مثل هذه المساهمات من شأنها ان تزيد من المشاكل والازمات بين الدول المتشاطئة. ان موقفنا ازاء مسألة مياه نهري دجلة والفرات, يستند الى القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية القائمة, لذلك, فالمبادىء التي نستند اليها في معالجة هذا الموضوع, تتلخص بضرورة عقد اتفاق ثلاثي (العراق وسوريا وتركيا) لتحديد الحصص العادلة والمعقولة من المياه, وضرورة الالتزام بالقواعد والاجراءات التي تتطلبها مستلزمات الحفاظ على البيئة النهرية, ورفض فكرة اعتبار المياه الدولية المشتركة (سلعة اقتصادية) لمخالفة ذلك لقواعد القانون الدولي. بعد لقائنا مع وزير الري العراقي, الذي تحدث عن المشكلة وابعادها القانونية, وعلى ارض الواقع, او ماء الواقع, نشير الى ان الوزير محمود ذياب الاحمد, التقى في شهر فبراير الماضي مع اديب صافير كاليدالي, وزير الدولة التركي, الذي زار بغداد, وبحث معه ميادين التعاون في مجالات الري, وسبل تطويرها مستقبلا, وحل المشاكل العالقة ... ولكن بدون نتائج فعلية. وفي هذا الاتجاه ايضا, اكد المؤتمر المائي الذي عقد في القاهرة, بدعوة من مؤتمر الدراسات العربي ـ الاوروبي, ان المياه جزء من التراث الانساني, يجب تأمينه, وليس سلعة تخضع لقوانين السوق, مشيرا في توصياته الى قلق اعضائه تجاه الانعكاسات الاجتماعية للنقص الخطير في مياه نهري دجلة والفرات, وتردي نوعيتها, كما اوصى المؤتمر بقيام جامعة الدول العربية, بتشكيل لجنة فنية قانونية, تقوم بالوساطة بين كل من العراق وسوريا وتركيا, لتقريب وجهات النظر, فيما يتعلق بالموضوعات المائية. قلق .. ومحنة قاسية ان هذا القلق المشروع, الذي قد يلمسه المرء, خلال تنقله بين اروقة المؤتمرات والاجتماعات وفي تصريحات المسئولين العراقيين, قد لايضاهي جزءا من ذلك الذهول الذي استقبل فيه الفلاح والمزارع والراعي, تلك الشحة المفاجئة, اذ يتحول القلق ليصبح محنة قاسية تتجمد في العيون, وربما تتجلى احيانا في شكاوى الفلاحين واصحاب البساتين, واصحاب المواشي, التي تشير الى موت الاشجار, ونفوق الاغنام, او بيعها باسعار بخسة خشية نفوقها جراء الجوع والعطش .. هؤلاء, هم اول من يواجه الضرر, واول من يستنجد .. فهل من مغيث؟ يقول الدكتور عبد الاله حميد محمد, وزير الزراعة العراقي, لمراسل (البيان) في بغداد: انها حالة شح ليس لها مثيل منذ مئة سنة, اذ لم يحصل شح ماء في العراق, كما حصل في السنتين الماضية والحالية .. وزارة الري هي المسئولة عن خزن المياه في السدود, وهي المعنية بتوزيعها على المحافظات, حسب حاجة كل منها, اما ملاكات وزارة الزراعة, فانها لم تفاجأ, رغم الندرة المفاجئة, فلدينا ارقام دقيقة عن الحاجة الى مياه الشرب, وحاجة البستنة, ثم حاجة الزراعة الموسمية (الشتوية والصيفية). في السنة الماضية اتخذنا اجراءات دقيقة, شاركت فيها ملاكات كل الجهات المعنية, وتضافرت فيها كل جهود الدولة .. لتجاوز المشكلة (فنجحنا بشكل كبير) وقد يكون الضرر اصاب بعض المزارعين ممن تقع اراضيهم في ذنائب الانهر, لكن ـ عموما ـ تجاوزنا المحنة, وحين تكررت هذه المشكلة في هذه السنة للمرة الثانية, صرنا امام امتحان قاس, ومع ذلك, لدينا تصور كامل لما سنواجه, وماذا سنعمل. نحن متحسبون لكل الاحتمالات, وسنركز على الحاجة التي اعطيناها الاولوية, وهي مياه الشرب والبستنة, فان كانت وارداتنا من المياه اكثر من المتوقع, فسنعطيها الى المحاصيل حسب اهميتها .. اذن, يمكن القول ان الحاجة الى مياه الشرب وسقي البساتين مؤمنة لحد الآن .. والجهد هذه السنة, يجب ان يكون مضاعفا عشرات المرات. * علمنا ان الخزين في حوض ديالي لا يكفي حتى لسقي البساتين .. وان هناك مشكلة مماثلة في حوض الزاب؟ ـ نعم الخزين في حوض ديالي لايكفي لسقي البساتين .. وديالي محافظة فيها الكثير من البساتين الكبيرة, لذلك اتجهنا الى مشروع من شأنه التخفيف من المشكلة, ويؤمن المياه (قدر المستطاع) للشرب والبستنة, وذلك بضخ الماء من دجلة الى ديالي, اما (الزاب) فمشكلته اخف من ديالي, وقد بوشر العمل بحفر 70 بئرا في المنطقة. * هل من تقنيات زراعية استخدمتموها, او ستستخدمونها, لتجاوز الازمة؟ ـ يجري العمل حاليا على تعميم استخدام طريقة جديدة في الزراعة, لري المحاصيل الزراعية, بواسطة (الرش), وتزويد المساحات الزراعية بمياه على شكل رذاذ ناعم, وهي واحدة من الاجراءات المتحققة لمواجهة الجفاف والحصار .. تقوم بتنفيذها وزارات الزراعة والري والصناعة, لاستثمار الاراضي الزراعية, وترشيد استخدام المياه, اذ تقوم هذه الجهات بتأمين مستلزمات توزيع ونشر منظومات الري, من مضخات وانابيب رئيسية وفرعية ومرشات (للرش والتنقيط) مما يوفر الرطوبة المناسبة للانبات, وترشيد استخدام الري بنسبة 60%. ويضيف الدكتور عبدالاله حميد: ان الوزارة تقوم بتوزيع منظومات الري الحديثة هذه على الفلاحين والمزارعين باسعار مدعومة وبالاجل, وباقساط ميسرة, بحيث يدفع القسط الاول في المرحلة الثانية من الانتاج .. اضافة الى توفير مكاتب استشارية لغرض فحص التربة, وتوفير الاشجار والبذور والاسمدة والمبيدات للاراضي الزراعية المشمولة بهذه الطريقة, وتحديد حجم المنظومة, ونصبها كاملة, وتوفير المولدات الكهربائية المطلوبة. ومن جانبها .. دعت وزارة الصناعة والمعادن, الصناعيين في القطاعات العام والمختلط والخاص, لاقامة مشاريع انتاج منظومات الري بالرش والتنقيط, بالاستفادة من الامكانيات المتاحة لدى الشركة العامة للتصميم والانشاء الصناعي, لتأمين ما تحتاج اليه العملية الزراعية من منظومات رش متحركة وثابتة ومحورية. اجراءات لترشيد الاستهلاك انطلاقا من هذه الندرة الشديدة في المياه, اصبح العراقيون امام خيار واحد, لوضع الحلول المناسبة من اجل استمرار الحياة, واستمرار الزراعة والارواء, ويبدو ان الجهات المعنية وجدت نفسها امام حل مناسب, يتمثل في (ترشيد الاستهلاك), وتوزيع المياه وفقا للحاجة الفعلية للمناطق, وتجنب الهدر, اضافة الى استعمال اساليب الري الجديدة. عن ترشيد استهلاك المياه, وخطة وزارة الري, تحدث المهندس عبد الستار سلمان حسين, الوكيل الاقدم للوزارة, الى (البيان) قائلا: ان استكمال مشاريع استصلاح الاراضي في العراق, والتي تتضمن انشاء شبكة من القنوات المبطنة, يسهم في التقليل من الضائعات المائية, بالنقل والحقل, وكذلك اجراء تسوية للاراضي, بهدف توزيع المياه بشكل متجانس, وانشاء شبكة من المبازل, بدءا من المبازل الحقلية المجمعة, والثانوية, ثم الفرعية, وحتى الرئيسية, وربطها بنهر صدام الكبير, سيكون له الاثر البالغ في مواجهة الازمة الحالية, او الازمات المستقبلية, وستساعدنا كثيرا منظومة المصبات الرئيسية, التي تشمل مبزل الفرات الشرقي لمعالجة منطقة الفرات الاوسط, ومبزل الفرات الغربي لمعالجة مناطق تمتد من بحر النجف, نزولا الى جنوب الناصرية .. وكذلك مبزل شرق دجلة لمعالجة بزل اسفل ديالي, مرورا بالعزيزية, وشرق مسيان, الى البصرة. * كيف كانت معالجاتكم لمشكلة شح المياه خلال الموسم 1998 ـ 1999؟ ـ لقد شهد العراق في ذلك الموسم نقصا كبيرا في المياه فقمنا بتشغيل الموارد المائية بشكل استثنائي, وذلك باطلاق الحد الادنى من التصاريف, بما يؤمن الحاجة الفعلية للزراعات العائمة في عموم محافظات القطر, لقد كانت مناسيب نهر دجلة للموسم الشتوي في ادنى حدودها وذلك بسبب قلة الاطلاقات للسدود والخزانات, لاسيما عندما تهطل الامطار في محافظات الوسط والجنوب, وبهدف خزن اكبر كمية ممكنة لتأمين احتياجات الموسم الصيفي. لقد وضعنا خطة لمتابعة توزيع المياه في عموم المحافظات على المستفيدين, بشكل عادل , ووفق برنامج مناوبة بين القنوات, الا ان هناك حالة خاصة برزت, تتمثل في محافظة ويالي . حيث شهدت واردات نهر ديالي شحة كبيرة جدا, فتوقف ارواء الزراعة الصيفية, واقتصر توزيع المياه على ري البساتين وتأمين مياه الشرب, وذلك بسبب خصوصية نهر ديالي, وعدم امكانية تعزيزه من الانهر الاخرى عدا مشروع الزاب الاسفل, عن طريق قناة لم يتم تشغيلها في الموسم الماضي, لقلة واردات المياه فيها هي الاخرى. وهناك خطة لوزارة الري, لتحويل ارواء قسم من اراضي مشروع اسفل الخالص الى نهر دجلة, وهو ماتم ادراجه ضمن خطة سنة 2000. * هل هناك سبب لعدم تطهير المبازل والجداول في اوقات مبكرة, وعدم توفر المشاريع الاروائية الكافية, لتدارك ازمة مفاجئة كهذه؟ ـ معروف ان تأمين وصيانة وتطهير المبازل والجداول يستلزم تأمين المكائن والمعدات اللازمة, كذلك الحال من المشاريع الاروائية, اذ ان تنفيذها يستلزم توفر تلك المعدات وبسبب الحصار, اضحى هناك نقص كبير في هذه المعدات, والمكائن, فقامت الوزارة بتوقيع العديد من العقود مع الشركات العالمية, لتجهيزها بالمعدات والمستلزمات, بموجب مذكرة التفاهم. لقد بلغ عدد العقود المعلقة الخاصة بمستلزمات الري 29 عقدا, ابرمت مع شركات مختلفة, في اطار صيغة النفط مقابل الغذاء والدواء بمرحلتها السادسة .. لاشك ان هذه الممارسات اثرت بشكل كبير في تنفيذ خطط وبرامج الوزارة لصيانة شبكات الري والبزل وتحسين البيئة المائية, التي تتطلب توفير المكائن وطواقم الضخ والادوات والمعدات الاحتياطية. ومع ذلك, استطعنا تنفيذ الكثير من المشاريع, في اطار الامكانات المتاحة. مشاريع للاستصلاح وللتعرف على الامكانات المتاحة, وما تم تحقيقه من خلالها, كانت لنا جولة بين عدد من الدوائر والشركات المتخصصة في هذا المجال. محمد نزار نوري الالوسي .. مدير عام الهيئة العامة لمشاريع الري, قال: انجزت الهيئة اعمال استصلاح في مشروع (الخير) الاروائي, لاراض تقدر بمليون ومئتين وخمسين الف دونم, كما نفذت مشروعا لايصال ماء الشرب الى مدينة البصرة من خلال قناة مفتوحة مبطنة بالخرسانة بطول 209 كيلو مترات, وبتصريف 21 مترا مكعبا في الثانية, الى جانب مشروع (السد العظيم) لدرء خطر الفيضانات (ان وجدت) عن مدينة بغداد, وتقليل الكدرة, وتوليد الطاقة الكهربائية من خلال محطة سيتم انشاؤها في هذا السد, الى جانب استصلاح اراض في المحافظات الجنوبية, واشرافها على مشاريع استراتيجية عدة, مثل مشروع العمارة, والمحطة العملاقة لنهر صدام, بينما تمت المباشرة باعمال التحريات النهائية لمشروع سد مكحول, وسد الابيض, ومشاريع اخرى في ميسان والبصرة. شركة المثني العامة لكري الانهر, التابعة لوزارة الري, قال مديرها العام طه محمد محمود المشهداني: قامت الشركة برفع رواسب من الانهر تقدر بثلاثة ملايين متر مكعب في سنة 1999, وتقوم حاليا بتنفيذ مشاريع عدة, منها اعمال مقدم ناظم الثرثار في سامراء, ومقدم سدة الرمادي, ومقدم سدة الفلوجة, ومقدم الناظم الرئيسي في الثرثار, ومقدم سد دبس, ومشروع ري صدام, ومقدم محطات الضخ في الخالص وبغداد, وكري قناة مملحة الفاو .. وذلك لصالح العديد من الهيئات والمؤسسات .. مشيرا الى ان لهذه الاعمال أهمية كبيرة في زيادة الطاقة الخزنية لمقدم السدود, اضافة الى تسهيل جريان الماء الى محطات الضخ. في محافظة المثنى, تنفذ الآن خطة واسعة لتطهير عدد من الجداول والمبازل ضمن مشروع ري الاسحاقي, وبطول 150 كيلومترا للمبازل, و 266 كيلو مترا للجداول, ومن المؤمل انجاز هذا العمل خلال هذا الشهر ابريل. في محافظة ميسان .. اعلن المهندس حسين حمود اللامي مدير دائرة الاراضي المستصلحة عن انجاز عدد من المشاريع الاروائية, تضمنت توسيع وحفر وتطهير القنوات, وانشاء العبارات, لاسيما الواقعة على نهر العز, ضمن مشروع الخير الاروائي. مشروع اروائي جديد في محافظة نينوى (مشروع ري الجزيرة الشرقي) .. انجزت التصاميم النهائية له. المباشرة بتنفيذ اعمال حفر قناة اروائية مبطنة لنقل المياه من نهر دجلة الى مشروع اسفل الخالص, بطول 15 كيلومترا, وبطاقة تصريف تبلغ 50 مترا مكعبا في الثانية. منح الفلاحين اجازات لحفر الآبار, بمساعدة الهيئة العامة لتشغيل مشاريع الري. بدائل للمياه العذبة وفي مواجهة قلة المياه العذبة الواردة الى العراق, في كل من دجلة والفرات, وتلبية للحاجة المتزايدة الى الغذاء والماء .. درست وزارة الري ايجاد بدائل للمياه العذبة, من خلال البحوث التي قدمت اليها, والتي اعدها خبراء عراقيون. يقول الدكتور فلاح شاطي, الخبير في وزارة الري: من هذه البدائل, التي يمكن استخدامها في الري, منفردة او مخلوطة مع المياه العذبة مياه البزل, وذلك باستعمال هذه المياه ضمن مناوبات الري, وحسب نوعية النباتات المزروعة, ونوعية التربية, ودرجة تركيز الاملاح في مياه البزل, وحسب تأثير العوامل المناخية. المياه الجوفية, وتقدر في العراق بحدود 15 مليار متر مكعب سنويا, تتواجد في اعماق مختلفة, وهي موجودة حتى في الاراضي الزراعية المروية, وتكون قريبة من سطح الارض. ومع انها تحتوي على نسبة من الاملاح, فان بالامكان الاستفادة منها للاغراض الزراعية, ولانتاج المحاصيل الملائمة, لتدخل ضمن مناوبات الري بالمياه العذبة, حتى في المشاريع الزراعية, بنسبة معينة, لزيادة كمية المياه المستعملة. تنقية مياه المجاري واستعمالها مباشرة لاغراض الزراعة. استنزال الامطار اصطناعيا. هناك اهتمام كبير في الوقت الحاضر بموضوع تحويل الماء المالح الى ماء صالح للاستخدام من قبل الانسان والحيوان, وللاغراض الصناعية والزراعية على اقل تقدير. ومن مصادر المياه المالحة المياه الجوفية ومياه البزل الناتجة من استصلاح الاراضي الملحية. كما ان (الحصاد المائي) يعد اسلوبا جيدا لجمع مياه الامطار, في خزانات ارضية واسعة, معبدة بمواد لا تسمح برشح المياه من خلالها, ويمكن لهذه الخزانات ان تعمل عمل السدود. كل هذا ممكن (في ارض دجلة والفرات), وفي ارض (حضارة وادي الرافدين). ولكي نستكمل ماتناولناه بشأن الجانب المائي, وفيما نحن نغادر الحديث عن موضوع شح المياه, وما يتعلق بها من تدابير في الجانب الزراعي, لن يغيب عن البال ما لشح مياه الشرب في بغداد, العاصمة, وبقية المحافظات من تأثير على المواطن, صحته وبيئته .. هذه المشكلة لها ظروفها المضافة التي تتمثل في عدم كفاءة محطات الضخ, او توفر مشاريع الماء الكافية حتى في العاصمة, او وجود مشاريع مهيأة للتنفيذ, منعت الشروع في تحقيقها حالة الحصار. ولكي نلم ببعض جوانب هذه المشكلة .. يقول السيد اكرم محمود الجنابي وكيل امانة بغداد لشئون البلديات: يمكن القول ان استعداداتنا لموسم الصيف هذه السنة, افضل من السنوات السابقة, من خلال ما انجزناه في صيانة الماء, وخصوصا مشاريع 7 نيسان, والكرخ, والوثبة .. مما جعلها تعمل باقصى طاقتها, رغم قدمها ... وكذلك نشاطنا المستمر في التوعية على ترشيد الاستهلاك, ورفع التجاوزات التي يقوم بها بعض المواطنين, او بعض الجهات, مثل نصب المضخات على انابيب الايصال, ورفع التجاوزات بفتح منافذ اكثر للدور والمحلات وكراجات الغسل والتشحيم والمحال الصناعية. ان اقصى ما نستطيع ان نوفره من ماء للشرب والاستعمالات المنزلية, في مدينة بغداد, في حالة عمل مشاريع الماء بكامل طاقاتها, وفي حالة عدم وجود اية تجاوزات او نضوحات, يبلغ مليوني متر مكعب في اليوم, في حين ان حاجة بغداد ـ كحد متوسط ـ هي 3.5 مليون متر مكعب من الماء, فامانة بغداد تعاني اصلا من عجز في انتاج الماء قدره 1.5 مليون متر مكعب يوميا, اي بنسبة 45% تقريبا. لذلك والحديث مازال لوكيل امانة بغداد ـ نحن نعمل على نصب مجمعات ماء في بعض المناطق, مثل الكمالية, والعبيدي, والكراوة .. ومازلنا مستمرين في تنفيذ هذه المجمعات, لمعالجة الشحة وتحقيق العدالة في توزيع مياه الشرب قدر المستطاع. * هل من حل جذري للمشكلة؟ ـ الحل الجذري لهذه المشكلة هو انشاء المشروع الكبير لانتاج الماء, الذي سمي في حينه (مشروع ماء الرصافة) لكنه توقف بسبب ظروف الحصار, وتوجد الآن دراسات جدية لتنفيذ هذا المشروع باقل تكلفة ممكنة.