رغم ان اسرائيل اعلنت ان انسحابها سيكون في يوليو المقبل الا ان مصادر سياسية ودبلوماسية غربية كثيرة ومنها فرنسية اكدت ان الانسحاب الاسرائيلي سيبدأ في منتصف مايو المقبل وهو الموعد الذي رشحته تقارير لبدء المفاوضات السورية الاسرائيلية . وتنوع الحديث حول الانسحاب وخطته فذكرت مصادر عسكرية وسياسية اسرائيلية ان اسرائيل ستنسحب من الشريط الحدودي المحتل الذي اقامته عام 1982 بحجة منع مجموعات المقاومة من التسلل الى مستوطناتها الشمالية. ويخطيء الكثيرون عندما يعتقدون ان الاجتياح الاسرائيلي حدث عام 1982 فقد اجتاحت اسرائيل في عملية الليطاني الشهيرة لبنان عام 1978 وسمي بالاجتياح الاول والذي وقع في 14 مارس من نفس العام وهو الذي اقره رئيس مجلس النواب اللبناني الذكرى الحقيقية والتاريخ الحقيقي للاجتياح. ثم عادت اسرائيل فاجتاحت مرة ثانية لبنان متوسعة عام 1982 فوصلت مشارف بيروت واحتلت البقاع ومدن الجنوب لكنها عادت بعد ذلك فتراجعت عن بيروت والبقاع وابقت على مناطق كثيرة في الجنوب محتلة لكنها متوسعة عن ماسبق ان احتلته عام 1978 واستقرت فيه فاقامت الشريط الحدودي الشهير. ويمكن ادراك الخدعة الاسرائيلية هنا والتي تهدف الى الانسحاب من الاراضي التي احتلتها عام 1982 حتى حدود الاراضي التي احتلتها عام 1978 والتي بضمنها نهر الليطاني لتبقي على مستعمراتها ومصالحها هناك. ويطالب اللبنانيون بالعودة الى حدود 1967 والتي هي نفسها التي اقرتها معاهدة سايكس بيكو عام 1923 وقد حدد الرئيس الاسبق بشير الجميل مساحة لبنان بانها 10452كم2 عشر الاف واربعمئة واثنين وخمسين كيلومترا مربعا وتلك المقولة الشهيرة حددت مساحة لبنان بحدودها المعترف بها دوليا قبل الاجتياح الاول عام 1978. ويرى السياسيون ان رد الفعل على الانسحاب بدون اتفاق جديد يفترض ان يختلف عن رد الفعل على الانسحاب المنسق مع الامم المتحدة, ذلك لان هذا الانسحاب اصلا هو تلبية متأخرة لطلب لبنان تنفيذ القرار الدولي رقم 425 منذ صدوره عام 1978. ويسعى اللبنانيون الى تنسيق مواقفهم مع سوريا وامريكا لتحقيق ضمانين: الاول هو تأكيد استمرار الوضع السوري الحالي في لبنان وعدم السعي الى ازالته او على الاقل تقليصه او مسه باي شكل قبل نجاح سوريا في حل نزاعها مع اسرائيل بتسوية سلمية تعيد اليها اراضيها المحتلة. اما الضمان الثاني وهو استمرار التزام الولايات المتحدة سواء فيما تبقى من ولاية رئيسها الحالي بيل كلينتون او في ظل الادارة المقبلة تحقيق السلام بين سوريا واسرائيل دون ان يؤثر انسحاب اسرائىل من لبنان على المسار السوري. الزوبعة التي اثارها اعلان انسحاب اسرائىل, تبقى زوبعة في فنجان ان لم تقدم اسرائىل بشكل رسمي مذكرة رسمية للامم المتحدة تؤكد فيها صدق نيتها في الانسحاب. وكانت الصحف اللبنانية قد نشرت قبل غيرها خطة الانسحاب الاسرائىلي ووصفتها بانها خطة حرب في نهاية عام 1999, وتستند تلك الخطة الى انسحاب من طرف واحد من الحزام الامني واسبابها او مبرراتها في ذلك ان الشروط في الساحة الشمالية قد تغيرت نحو الافضل. طرحت الخطة المزعومة ضرورة اقامة ورشة عمل لبنانية ـ سورية ـ عربية, او تشكيل خطة طوارىء لبلورة خيار استراتيجي يجنب لبنان استمرار اعمال العنف. ويذكر سيناريو الخطة ان اسرائيل ستعمل في غياب اي اتفاق مع لبنان او سوريا الى الانسحاب دون تنسيق مع الدولتين ومن دون اشراف دولي على عملية الانسحاب يمهد لدخول الجيش اللبناني وانتشاره في الاماكن التي احتلتها القوات الاسرائيلية مما سيجعل اسرائيل تنفذ خطتها بالضغط على لبنان وسوريا بتفجير الوضع في لبنان وفقا لتكتيك محدد ومرسوم. يقضي التكتيك الاسرائيلي بعودة الجيش الاسرائيلي الى داخل حدوده تاركا مناطق الاحتلال في مرجعيون وحاصبيا والبقاع الغربي تحت رحمة المسلمين المدنيين الذين سيحاولون دخول تلك المنطقة تحت اعين الامم المتحدة التي لا سلطة لها للتدخل في غياب الجيش اللبناني, وهذا ما اعلنته القوة الدولية. وسيثير ذلك بالطبع الذعر بين صفوف الاهالي وستحدث بعض التصفيات في منطقة تتأجج منذ اكثر من عشرين عاما, ثم تعمد اسرائىل الى اذكاء نار الفتنة بين الفلسطينيين والقوات الشيعية المسلحة في صفوف المقاومة عبر عملائها بافتعال عمليات خطف او قتل ينتج عنها تحويل الانتباه عن عملية الانسحاب الى اقتتال الفلسطينيين واللبنانيين الذي ينهك الفريقين ويتيح لتدخل دولي واقليمي نزع اسلحة الفصيلين. تتيح هذه المعارك انتشار الجيش اللبناني والسوري حتى الحدود الدولية وهنا سيرغب الكثيرون بالهجرة الى الدول التي ستفتح ابوابها لهم فيستوعب لبنان مابقي من الفلسطينيين بشكل نهائي. اما في حال استمرار لبنان بتمسكه بوحدة المسار مع سوريا فستعدل اسرائيل خطتها وتنسحب عسكريا معلنة امام العالم بانها انسحبت من لبنان, ثم تحرض بعض عملائها لاطلاق قذائف الكاتيوشا عبر الحدود الذي سيعطيها مبررا لمعاودتها ضرب لبنان من جديد فتقصف وتدمر البنية التحتية اللبنانية وتعاود احتلاله تحت انظار العالم الذي سيوافق اسرائىل على حجتها ومبرراتها الامنية. ويرى كثيرون ان انسحابا منفردا لاسرائيل سيسقط قراري 425 و 426 وسيحرج الدولة اللبنانية وسوريا, كما تعتقد انها بذلك ستفك عقدة المسارين وتربك الدولتين وستتعجل فتح الحوار معهما وربما التقليل من تشددها حيال مطالبهما ومثلما تمسك سوريا بورقة لبنان في مفاوضاتها مع اسرائيل تمسك اسرائيل بورقة تخريب لبنان وارباك سوريا. وذكرت المصادر ان ساعة التنفيذ ستكون اثر عملية عسكرية لبنانية محتملة اشارت اليها آنذاك هذه المصادر للقبض على ابو العينين وابومحجي واثر عملية عسكرية على الجيش الاسرائيلي او بدونها او بعد تفجير او اغتيال مخطط له, تكون اسرائيل عندها قد اخذت الضوء الاخضر لانسحابها من الجنوب ومن الولايات المتحدة المطلعة على كل خلفيات الخطة وستعجز الولايات المتحدة عن التدخل بسبب جمود سياستها الخارجية بفعل الانتخابات الرئاسية. اليوم نرى ان اسرائيل تنفذ فعلا خطة محكمة موضوعة مسبقا وانها اذا انسحبت فقد تعود مرة اخرى ولكن بدعم دولي لتبقى الى الابد ولتنطلق من جديد نحو تحقيق حلمها الكبير من الفرات الى النيل.