لاعلان الانسحاب الاسرائيلي من لبنان اكثر من وجه, وهو بعد لم يأخذ صورته الرسمية وشكله القانوني, وبانتظار الرسالة الرسمية الاسرائيلية موجهة للامم المتحدة تؤكد فيها اعلانها الانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة, تبقى التكهنات والاستفزازات قائمة, وتستخدم الاطراف جميعها اوراقها في مسيرة بدت سجال حرب لا سلام. ورغم ثقة الرئيس الامريكي في نوايا باراك والانسحاب, تبقى هذه العملية مثيرة للشكوك ومثيرة للقلاقل في المنطقة وينتظر الجميع حلول يوليو المقبل لاختبار مصداقية اسرائيل او لاختبار القدرة العربية على تجاوز الازمات الكثيرة اذا لم يحصل الانسحاب قبله. وعدم وجود اتفاق يتم بموجبه الانسحاب الاسرائيلي يضع الجميع بمواجهة حقيقية لا بد منها وهي: ان اسرائيل تناور للتفاوض ولن تنسحب الا قليلا بما يضمن لها تحقيق اهدافها ومكاسبها. فانسحاب الجيش الاسرائيلي يعني الغاء المناطق الحدودية التي اقامتها اسرائيل طيلة فترة الاحتلال كما يعني زوال المستعمرات الاسرائيلية التي امتدت الى الاراضي اللبنانية, وعودة الليطاني للبنانيين والغاء او زوال (العمق الامني الاسرائيلي) . ولا يمكن ان تكون اسرائيل مستعدة لفقدان سيطرتها على المياه ولذلك فهي تنظر الى الانسحاب على انه (تخلي عن بضعة امتار من الاراضي اللبنانية) وتعني به الانسحاب حتى الحدود التي كانت سائدة عام 1978 قبل عملية الليطاني. كما ان اسرائيل غير مستعدة للتخلي عن المواقع الامامية وفي ذلك نرى ان جلاء القوات الاسرائيلية لن يشكل انسحابا كاملا, فخط اعادة الانتشار المزمع سيظل متضمنا اربعة مواقع امامية على الاقل يشطرها خط الحدود, وترى ان جانبا من كل واحدة من هذه المواقع يقع داخل الاراضي اللبنانية. واسرائيل لا نية لديها الان لإخلاء مبان في ضاحية (كيبوتز ميسجاف ام) الغربية التي تم بناؤها فيما وراء خط الحدود, وينطبق نفس الامر على سلسلة المواقع الامامية (هاردون) التي بنيت فوق الارض اللبنانية فما هي ارهاصات الاعلان عن الانسحاب, ما اثاره على المنطقة والمفاوضين ولبنان اولا؟ كيف تخلط اسرائيل الاوراق وبأي نية, وماهو مخططها؟ انسحاب مفخخ ويصعب النظر الى احتمالات الانسحاب الاسرائيلي دون تصور قيام حرب جديدة بشكل او بآخر, فاما طائفية واما حرب اسرائيلية عربية حرة اخرى تنسف السلام ودعاته معا, فالجنوب اللبناني والبقاع الغربي يتأججان على نار اكثر من قضية واحتمالات اندلاع اكثر من صراع. جاء التصريح الاسرائيلي بعد ان تأزمت المسارات التفاوضية وبدا كأنه محاولة اسرائيلية للخروج من الجمود الذي اصاب مفاوضاتها كما انه سيضمن بعض الغضب الشعبي الاسرائيلي الذي تثيره خسائر بقاء قواتها في الجنوب اللبناني. طرح الاسرائيليون مفهوم الانسحاب من الجنوب وفق رؤيتهم لحدودهم مع لبنان, وهم يحاولون بنفس الطريقة التي طرحوا بها قضية الحدود مع سوريا, ترسيم الحدود وفق الوضع الذي كانت عليه عام 1978 رغم انها لم تعلن ذلك و لكن اللبنانيين يشعرون بأن اسرائيل نجحت في اقناع العالم بانها جادة في تنفيذ القرار 425 حتى قبل الانسحاب. وضعت اسرائيل الامم المتحدة ولبنان والمفاوضون السوريون والاسرائيليون امام امر واقع سيكون عليهم التعامل معه, وبينما يحذر اللبنانيون من قنابل موقوتة قد تنفجر في حال الانسحاب من دون اتفاق, فانهم يرون الانسحاب بحد ذاته رغم كل شيء مريحا لهم وانتصارا لنضالهم من اجل الانسحاب بحد ذاته رغم ان كل شيء مريحا لهم وانتصارا لنضالهم من اجل تحرير الارض المحتلة. وينبغي ان يتضمن اي اتفاق نقاطا اساسية تشكل جوهر المشاكل التي يخشى منها تفجير الوضع والتي تلعب اسرائيل بورقتها بشكل جيد منها: الحدود, قضية اللاجئين الفلسطينيين, الميليشيا العميلة, المياه, والتعويضات عن الاضرار التي بلغت اكثر من 70 مليون دولار يطالب بها اللبنانيون. وتثير قضية اللاجئين الفلسطينيين اسئلة كثيرة وقد تثير مرة اخرى الحرب في لبنان فاللبنانيون لا يريدون للاجئين الفلسطينيين ان يقوموا بعمليات ضد اسرائيل انطلاقا من الاراضي اللبنانية فيما لو تم الانسحاب فعلا, فذلك قد يجر معه لبنان الى مواجهة احتمالات عودة الحرب مع اسرائيل وتبرز مشاهد الاحتجاج عام 1982 عندما استهدفت اسرائيل مخيمات الفلسطينيين في لبنان, وتطرح احتمالات الانسحاب سؤالا مهما يقلق بال اللبنانيين انفسهم ويدور حول امكانية ان يورث حزب الله اسلحته في حال السلام للفلسطينيين. ويرى كثيرون ان الرئيس الفلسطيني كان متسرعا عند اعلانه حماية فلسطينيي المخيمات بل ذهب البعض الى وصفه بأنه سقط في الفخ الاسرائيلي الذي هدف الى تأجيج هذا الامر واعطاء اسرائيل مبررا مستقبليا للعودة الى لبنان, رغم ان المبررات كثيرة لهذه العودة. ومن هنا نرى ان الرئيس اللبناني اميل لحود قد استشرف هذا الامر فأراد اقصاء لبنان عن مسئولية تجريد الفلسطينيين من السلاح كما اراد اقصاء لبنان عن احتمالات الوقوع مرة اخرى في هاوية الحرب, لذا تساءل في رسالته للامم المتحدة: ( هل تتحمل القوات الدولية في المستقبل دورة حروب يومية صغيرة على الحدود بسبب عمليات عسكرية تقوم بها مجموعات فلسطينية ضمن منطق حق العودة؟ فلا أمن لاسرائيل في مثل هذا الانسحاب لان مخاطر مابعده كثيرة. ثم يحاول الرئيس اللبناني القاء التبعة والمسئولية في تجريد الفلسطينيين من اسلحتهم على الامم المتحدة فيتساءل عما اذا كانت الامم المتحدة قادرة على مساعدته في بسط السيادة اللبنانية على كامل اراضيها واستعادة السلطة في الجنوب, عبر تجريد الفلسطينيين من سلاحهم؟, ويربط لحود تجريد المخيمات من سلاحها (قبل ان تنتشر القوات الدولية على الحدود) بتدويل مسألة لاجئين المخيمات في لبنان, لان حل هذه المشكلة ليس على عاتق لبنان. الحدود وقضايا اخرى الضمانات التي يطالب بها لبنان لضمان عدم خرق اسرائيل للحدود البرية والبحرية المجال الجوي اللبناني او القيام باعتداءات ظرفية في الجنوب والداخل, تقود الى مشكلة ترسيم الحدود. واللبنانيون لا يشعرون بمشكلة حول هذا الموضوع فهم واضحون وحقهم واضح في استعادة حدودهم التي كانت عليها لبنان عام 1967, لكن الاسرائيليين غير واضحين في طرحهم للانسحاب حتى الحدود. والحدود عند اسرائيل تعني خطوط ما بعد الليطاني الشهيرة, فقد رسمت اسرائيل حدودها عام 1978 وبنت مستعمراتها على ما اعدته ارضا اسرائيلية داخل لبنان ولا يتوقع ان تتنازل عنها, وفي اقل احتمال ستطالب بان يكون هناك شريط حدودي امني يمتد على المساحة والمسافة بين حدود 1978, وحدود 1967 دون ان تزال معالم اسرائيل في هذه المنطقة. هو اذن انسحاب جزئي لا كامل, وذلك لا ينهي حرب المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل, ويقرأ من تصريح قادة المقاومة اللبنانية ان المقاومة لن توقف عملياتها العسكرية ضد اسرائيل اذا بقى شبرا واحدا من الارض اللبنانية تحت الاحتلال الاسرائيلي. قضية اخرى تثير اشكالات كثيرة هي قضية الميليشيا العميلة في الجنوب اللبناني, فالحكومة اللبنانية تفترض تجريد هذه الميليشيا من اسلحتها, فوجود الاسلحة يشعل حربا طائفية لا تنطفىء. والميليشيا واقعة بين فخين اولهما ان بقاء هذه الميليشيا في لبنان مجردة من سلاحها سيخضعها لقانون لبنان في معاقبتها لتعاونها مع عدو محتل وستطبق عليها تهمة الخيانة العظمى. وفي مقابل ذلك فان الشارع الاسرائيلي يرفض حماية ميليشيا لحد ويعتبرهم مرتزقة رغم تأكيدات مسئولين اسرائيليين على حمايتهم ودراسة امكانية توطينهم في منطقة كورازيم قرب مدينة طبريا, لكن معظم قيادي اسرائيل يحبذون اعطاء الميليشيا العميلة مبالغ مالية ليتمكنوا من مغادرة لبنان الى احد الدول الاجنبية. وتجربة اسرائيل مع عملائها غير مرضية لها ولشعبها, فقد سبق لها ان قدمت مساعدات لعملائها من الضفة الغربية وقطاع غزة, كما وطنتهم في اسرائيل لكنهم مازالوا يشكلون صداعا متكررا للحكومة الاسرائيلية ولذا يطرح الاسرائيليون توطين الميليشيا في الخارج رغم انه سيكلف اسرائيل مبالغ طائلة, وتذكر المصادر ان حالة من الذعر اصابت صفوف الميليشيات فور اعلان اسرائيل انسحابها دفعت الكثيرين للفرار الى احضان المقاومة اللبنانية والجيش اللبناني. وتقدر مصادر امنية لبنانية ان عدد عناصر ميليشيا الجيش الجنوبي العميل تتراوح بين 2400 ـ 2500 عنصر في الوقت الحالي مقابل 1700 ـ 2800 عنصر عام 1999 وتعزو نفس المصادر انخفاض العدد الى عمليات الفرار والهجرة بشكل خاص الى كندا واستراليا. المياه والتعويضات وتطرح مسألة الانسحاب بعد ذلك قضيتا المياه والتعويضات فالمعروف ان اسرائيل تحتل المياه العربية اللبنانية, وهي احدى اهم استراتيجياتها فهل تترك اسرائيل ما حاربت طويلا من اجله؟ ذلك سؤال يجعل الشك في نوايا الحكومة الاسرائيلية اكثر من قائم او محتمل. وتطرح قضية التعويضات للبنان ما تكبده من خسائر جراء الاحتلال الاسرائيلي والاعتداءات الاسرائيلية طيلة 22 عاما وقد قدرت خسائر لبنان بـ 70 مليار دولار, يطرح الرئيس اللبناني لحود سؤاله المهم عنها مشيرا ان لبنان دفع غاليا ثمن هذا التراجع الاسرائيلي فهل يكون منطقيا ان يطلب من لبنان ايضا ان يدفع ثمن حماية هذا الانسحاب وحماية حدود اسرائىل, ومن سيدفع التعويضات عن خسائره جراء الاحتلال. الطلب الاسرائيلي بالانسحاب يتضمن ايضا جر القوات الدولية الى صدام مع المقاومة او استبدال قوات الامم المتحدة بقوات متعددة الجنسيات لصنع السلام بعيدا عن الحل الشامل للصراع رغم تراجع هذا الاحتمال. ماتطرحه اسرائيل يشبه الاحجية محصلتها النهائية ابقاء كل شيء على حاله بما في ذلك عدم الانسحاب اصلا او ربما مجرد اعادة انتشار على الحدود وتأخذ في الاعتبار بقاء الميليشيات المتعاملة معها في مواقعها داخل الاراضي اللبنانية كما اكد قائدها انطوان لحد ولا يمكن في كل الاحوال ان يشكل اعلان اسرائيل ذلك تعبيرا حقيقيا عن نواياها. عرض: لهيب عبدالخالق